روايات وقصص

البلوتوث

كنت أرتدي فستانًا أسود أنيقًا، وشعري منسدل على كتفيّ، بينما أحمل حقيبة صغيرة تضم هاتفي وبعض المستندات القانونية.

 

كان ابني مع مربّيته في المنزل، بعيدًا عن الضوضاء والفوضى التي كنت أعلم أنها ستبدأ قريبًا.

 

عندما دخلت القاعة، التفتت إليّ بعض النساء بابتسامات مجاملة، بينما تبادل رجال الأعمال النظرات.

 

لم يكن أحد يتوقع حضوري.

 

اقتربت مني إحدى زوجات المديرين التنفيذيين وهمست:

 

«ألم يخبرك ديفيد أن هذا حفل خاص بالشركة؟ ظننت أنك لا تحضرين مثل هذه المناسبات».

 

ابتسمت بهدوء.

 

«ربما حان الوقت لأحضر».

 

وقبل أن تجيب، رأيت ديفيد يقترب منا.

 

تغيّر وجهه فورًا.

 

«ماذا تفعلين هنا؟»

 

قالها بصوت منخفض، لكنه كان مليئًا بالغضب.

 

نظرت إليه وكأنني لم أسمع نبرة صوته.

 

«جئت لأحتفل بنجاحك يا عزيزي».

 

توقّف للحظة.

 

كان يتوقع أن أكون في المنزل، كعادتي، أعتني بطفلنا بينما يستمتع هو بالأضواء والتصفيق.

 

اقترب مني أكثر وقال من بين أسنانه:

 

«ليس هذا الوقت المناسب. عودي إلى المنزل».

 

رفعت حاجبيّ.

 

«ولماذا؟ هل تخشى أن أفسد عليك ليلتك؟»

 

حدّق فيّ ببرود.

 

«لا تختبري صبري».

 

ثم ابتعد قبل أن يلاحظ أحد توتره.

 

راقبته وهو يتجه نحو المنصة، ثم رأيت ميا تدخل القاعة من الباب الجانبي.

 

كانت تحمل حقيبة صغيرة، وتفحص هاتفها باستمرار.

 

لقد بدأت تشعر بالقلق.

 

أما أنا، فكنت أعرف أن العد التنازلي قد بدأ.

 

### 2\. خطاب الرجل الذي سرق نجاح الآخرين

 

صعد ديفيد إلى المنصة وسط تصفيق حار.

 

أضاءت الكاميرات، وظهرت خلفه شاشة ضخمة تحمل شعار شركته.

 

بدأ حديثه عن سنوات العمل الشاق، والمخاطر التي تحملها، والليالي التي قضاها في بناء مشروعه من الصفر.

 

قال بثقة:

 

«عندما بدأت هذه الشركة، لم يكن أحد يؤمن بي. واجهت الرفض مرات لا تُحصى، لكنني رفضت الاستسلام. واليوم، أقف أمامكم بعد أن حوّلت حلمًا صغيرًا إلى واحدة من أكثر الشركات الواعدة في قطاع التكنولوجيا».

 

تعالت التصفيقات.

 

واصل حديثه:

 

«لقد آمنت بنفسي عندما لم يؤمن بي أحد. وأنا مدين بهذا النجاح لرؤيتي وقيادتي وشجاعتي».

 

كدت أضحك.

 

فقد نسي أن يخبر الحاضرين بأمر بسيط للغاية.

 

أنه لم يكن يمتلك المال الذي بدأ به مشروعه.

 

ولم يكن يملك السيطرة على أهم براءات الاختراع التي اعتمد عليها.

فتحت الملف الذي كان في يدي.

 

«وربما تشرح لهم أيضًا سبب محاولتك تحويل أربعة عشر مليون دولار من أموال الشركة إلى حساب خارجي غير مصرح به، مسجل باسم سكرتيرتك».

 

انقلبت القاعة رأسًا على عقب.

 

توقفت الابتسامات.

 

وانخفضت الكؤوس.

 

بدأ المستثمرون يتحدثون بصوت مرتفع، بينما اندفع أحد أعضاء مجلس الإدارة نحو ديفيد.

 

صرخت ميا من مقعدها:

 

«هذا كذب! ديفيد، أخبرهم أن هذا غير صحيح!»

 

لكن ديفيد لم ينظر إليها حتى.

 

كان يحدق فيّ بوجه شاحب.

 

اقترب مني وهمس:

 

«إليزابيث، أرجوك. دعينا نتحدث على انفراد. يمكننا حل هذا الأمر في المنزل».

 

أبعدت الميكروفون عن فمي قليلًا ونظرت في عينيه.

 

«في المنزل؟ المكان الذي وعدت فيه عشيقتك بأنك ستأخذ مني ابني، وتطلقني، وتمنحها منزلي؟»

 

تراجع خطوة.

 

ثم تراجع أخرى.

 

كنت قد وصلت إلى النقطة التي لم يعد بإمكانه فيها التظاهر بأنه لا يفهم ما يحدث.

 

### 4\. الحقيقة التي لم يتوقعها

 

طلب رئيس مجلس الإدارة التحدث.

 

صعد إلى المنصة وهو يحمل ملفًا، وقال بجدية:

 

«بناءً على المعلومات والوثائق التي تلقيناها، سيُعلَّق ديفيد مؤقتًا عن مهامه التنفيذية، ريثما يُستكمل التحقيق المستقل في المخالفات المالية المشتبه بها».

 

صرخ ديفيد:

 

«لا يمكنك فعل ذلك! أنا الرئيس التنفيذي! أنا من بنى هذه الشركة!»

 

أجابه رئيس المجلس:

 

«الشركة ليست ملكك وحدك، يا ديفيد. وهناك إجراءات يجب اتباعها عندما تظهر أدلة على إساءة استخدام الأموال».

 

ثم التفت إليّ.

 

«السيدة إليزابيث، نشكرك على تقديم المعلومات اللازمة لحماية أصول الشركة».

 

لم أبتسم.

 

لم أشعر بالانتصار الذي تخيلته في الليالي الطويلة.

 

شعرت فقط براحة عميقة لأنني أوقفت ما كان يمكن أن يتحول إلى كارثة لمئات الموظفين الأبرياء.

 

وفي تلك اللحظة، ظهر رجلان من الفريق القانوني للشركة برفقة مسؤولين مختصين، وطلبوا من ديفيد مرافقتهم لإجراء مقابلة رسمية بشأن التحويل المالي.

 

لم يكن ذلك حكمًا عليه، ولم يكن إعلانًا بإدانته؛ بل كان بداية تحقيق جاد في تصرفاته.

 

أما ميا، فقد حاولت التسلل إلى خارج القاعة.

 

لكن أحد أعضاء الفريق القانوني طلب منها البقاء لتوضيح علاقتها بالحساب الذي كان من المفترض أن يستقبل الأموال.

 

التفتت إليّ بعينين ممتلئتين بالغضب.

 

نظرت إليها طويلًا.

 

«لا يا ميا. أنا لم أطلب منكِ أن تدخلي علاقة مع رجل متزوج، ولم أطلب منكِ أن تشاركي في تحويل أموال الشركة إلى حسابك. أنتِ اتخذتِ قراراتك بنفسك، والآن عليكِ أن تتحملي مسؤولية أفعالك».

 

ثم استدرت وغادرت المنصة.

 

لم أكن بحاجة إلى سماع المزيد.

 

### 5\. عندما عاد إلى المنزل خالي اليدين

 

بعد ثلاثة أيام، عاد ديفيد إلى المنزل.

 

لم يعد الرجل الذي غادره قبل الحفل بثقة وغرور.

 

كانت كتفاه منحنِيَتين، ووجهه مرهقًا، وهاتفه لا يتوقف عن الرنين.

 

توقفت الشركة عن منحه صلاحياته التنفيذية مؤقتًا، وبدأ المحامون مراجعة حساباتها وعقودها. كما أصبح التحويل المشبوه محور تحقيق رسمي.

 

أما ميا، فقد ابتعدت عنه بعدما أدركت أن الأموال التي وعدها بها لم تصل إليها، وأن مستقبلها معه لم يعد كما تخيلته.

 

دخل ديفيد غرفة المعيشة، حيث كنت أحمل ابننا وأطعمه.

 

وقف أمامي طويلًا قبل أن يقول:

 

«إليزابيث، أرجوكِ… أعلم أنني ارتكبت أخطاء».

 

واصلت إطعام الطفل دون أن أنظر إليه.

 

قال بصوت متهدج:

 

«كنت تحت ضغط هائل. الشركة كانت تكبر بسرعة، وكل شيء كان ينهار من حولي. ميا استغلت ضعفي، وأنا… لم أكن أفكر بوضوح».

 

رفعت عينيّ إليه أخيرًا.

 

«هل أجبرتك ميا على إهانتي؟ هل أجبرتك على التخطيط لطلاقنا؟ هل أجبرتك على تهديدي بحرماني من ابني؟»

 

فتح فمه، لكنه لم يجد جوابًا.

 

تابعت:

 

«أنت لم تخنني في لحظة ضعف واحدة. أنت بنيت سلسلة كاملة من الأكاذيب، ثم أقنعت نفسك بأنني لا أستحق معرفة الحقيقة».

 

انخفض رأسه.

 

«هل يمكن أن تسامحيني؟»

 

نظرت إلى ابني النائم بين ذراعيّ.

 

ثم قلت:

 

«ربما يأتي يوم أتحرر فيه من الغضب الذي أشعر به تجاهك. لكن المسامحة لا تعني أن أعود إليك، والثقة لا تعود بمجرد الاعتذار».

 

اقترب خطوة.

 

«وماذا سيحدث لنا؟»

 

أجبت بهدوء:

 

«سنتعامل مع الطلاق عن طريق المحامين، وسنحسم ترتيبات رعاية ابننا وفق مصلحته والقانون. أما أموالك وشركتك وتصرفاتك المالية، فستتعامل معها الجهات المختصة ومجلس الإدارة».

 

ثم أضفت:

 

«لن أستخدم ابني لمعاقبتك، لكنني لن أسمح لك أيضًا باستخدامه ورقة ضغط عليّ».

 

لم أصرخ.

 

لم أحطم شيئًا.

 

ولم أطلب منه أن يخرج أمام الجميع.

 

أشرت إلى الباب فحسب، وقلت:

 

«يمكنك المغادرة الآن».

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى