
ظلّ الأخ يحدّق في الصورة ووجهه شاحب كأنه رأى شبحًا، رفع عينيها حول القبر البعيد ثم قال:
— لازم نرجع المقبرة.
زوجة أخيه أمسكت بذراعه بسرعة:
— لأ… ما ينفعش!
— ليه؟
نظرت حولها ثم قالت بصوت منخفض:
— لأن اللي جوه القبر مش زوجي.
-
الابن وابوهمنذ 3 ساعات
-
اخت جوزي اتطلقتمنذ 17 ساعة
-
الشيخ الخليجيمنذ 17 ساعة
-
بنت رياضيهمنذ يومين
تجمّد مكانه:
— إنتِ عايزة تقنعيني إننا دفننا حد تاني؟
هزّت رأسها ببطء:
— أنا مش عارفة مين اللي دفناه… لكنني متأكدة إن جوزك كان عايش لحد مبارح.
قال الأخ:
— إنتِ شوفتيه؟
سكتت لحظات ثم قالت:
— أيوه.
— فين؟
— في البيت.
— وإزاي؟
بدأت دموعها تنزل وهي تقول:
— امبارح بالليل قبل ما أنام، دخل لي أوضتي وقال لي: “لو حصل لي حاجة، ما تثقش في أخوك”.
تراجع الأخ كأنها صفعة:
— قال لك أنا؟!
— أيوه.
— وليه؟
— ما قالش السبب.
ثم أخرجت هاتفها وفتحت تسجيلًا صوتيًا، ضغطت تشغيل فخرج صوت زوجها بوضوح:
— لو سمحتم مهما حصل… ما تسمحش يفدونِي.
توقف التسجيل. رفع الأخ عيناه إليه:
— «هم» مين؟
قبل أن تجيب، سمع صوت رجل خلفهما:
— أنا أقدر أقول لكم.
استدارا معًا؛ كان رجل مسن يعمل في المقبرة، اقترب منهما ببطء وقال:
— أنا شفت حاجة غريبة قبل الدفن.
قال الأخ:
— إيه؟
أشار إلى القبر وقال:
— لما فتحتوا الكفن، لاحظت حاجة محدش خد باله منها.
— حاجة إيه؟
قال الرجل:
— الجثة ما كانش فيها أثر السكتة القلبية.
ساد الصمت، ثم أضاف:
— والأغرب من كده…
ابتلع ريقه وقال:
— إن الراجل ده كان لابس خاتم… مش خاتم أخويا!
أخرج الأخ صورة قديمة لزوجة أخيه وسأل:
— والخاتم كان شكله إيه؟
تغيّر وجه الرجل وقال:
— نفس الخاتم اللي في الصورة دي!
نظر الأخ إلى الصورة، ثم نظر إلى زوجة أخيه؛ كانت ترتدي خاتمًا فضيًا في إصبعها، لكنها عندما لاحظت نظراته نزعت الخاتم بسرعة وألقته على الأرض.
صرخ الأخ:
— إنتِ كنتِ عارفة!
قالت وهي تبكي:
— أنا مش كنت أعرف إنهم سيحملوك كده…
— مين «هم»؟!
رفعترأسها وفي عينيها خوف شديد:
— الناس اللي أخدوا جوزي من سابع سنين…
وفي نفس اللحظة، جاء صوت من داخل القبر:
— ما كانش المفروض تعرفوا.
التفتوا جميعا نحو مصدر الصوت؛ كان هناك رجل يرتدي نفس الملابس التي دُفن بها زوجها، وعندما اقترب ليلا، تجمّد الأخ في مكانه؛ لأن الرجل… كان يحمل نفس وجه أخيه المتوفى تمامًا!
تسمّر الأخ في مكانه، لم يستطع حتى أن يرمش. الرجل الواقف أمام القبر كان نسخة طبق الأصل من أخيه؛ نفس العينين، نفس الأنف، نفس الشامة الصغيرة فوق الحاجب، حتى طريقة وقوفه كانت مطابقة له.
صرخت زوجة المتوفى:
— إنت!
ابتسم الرجل ابتسامة باردة وقال:
— أيوه… أنا.
اقترب الأخ منه خطوة ثم قال بصوت مرتجف:
— إنتو مين؟
رد الرجل:
— السؤال الحقيقي مش إحنا مين…
ثم أشار إلى القبر وقال:
— السؤال هو: مين اللي إنتو دُفنتوه؟
اندفع الأخ نحوه، لكن الرجل رفع يده وقال:
— لو قربت مني، أخوك الحقيقي يموت!
توقف الأخ فورًا:
— أخويا عايش؟
— عايش.
— فين؟!
ضاحك الرجل بخفة:
— مش هنا.
ثم أخرج هاتفَه وفتح مقطع فيديو ظهر فيه أخوه مقيدًا داخل غرفة مظلمة؛ كان وجهه شاحبًا، لكنه حيّ، يبكي كالآخر وهو يكاد ينهار:
— إنتو خاطفين ليه؟
نظر الرجل إلى الزوجة وقال:
— اسألي مرات أخوك.
التفت الأخ إليه بصدمة:
— إنتِ كنتِ تعرفي؟
قالت وهي تبكي:
— أنا كنت عارفة إنه اختفى… بس ما كنتش أعرف مكانه.
صرخ فيه:
— كدابة!
فقال الرجل:
— هي مش كدابة بالكامل.
ثم أضاف:
— لكن عندها سر أخطر من كده.
تقدمت الزوجة خطوة وقالت:
— خلاص… كفاية.
ثم نظرت إلى أخو زوجها وقالت:
— لازم تعرف الحقيقة.
— قولي.
أخذت نفسًا عميقًا:
— جوزي مش أول واحد في العيلة يحصل له كده.
قطّب أخا حاجبيه:
— يعني إيه؟
قالت:
— من سابع سنين، أخوك الحقيقي اختفى.
— وبعدين؟
— ظهر واحد يشبهه… وعاش مكانه.
شهق الأخ:
— مين اللي ظهر؟
نظرت إلى الرجل الواقف أمامهم وقالت:
— هو.
ساد صمت ثقيل، ثم اقترب الرجل من الأخ وقال:
— لكن أنا مش اللي قتلت أخوك.
— أمال مين؟
رفع رجل إصبعه نحو زوجة أخيه:
— هي عارفة.
التفت الأخ إليها، وفي نفس اللحظة رنّ هاتفه؛ نظرت إلى الشاشة فتغيّر لون وجهها، كان المتصل… زوجها الحقيقي!
فتح الخط ولم تلق شيئًا، جاء صوت من الطرف الآخر:
— ما تصدقش أي كلمة يقولهالك…
ثم انقطع الاتصال، وبعد ثوانٍ وصلت رسالة جديدة:
“أخوك اللي وافق جنبك… هو اللي مات من سابع سنين”.
قرأ الأخ الرسالة مرة ثانية، ثم رفع عينيه وببطء نحو الرجل الواقف أمامهم، كان قلبه يخبط بعنف:
— يعني إيه… “هو اللي مات من سابع سنين”؟
لم يرد الرجل، أما الزوجة فبدأت ترتجف بشدة.
قال الأخ:
— إنتِ عارفة الحقيقة كلها، صح؟
هزّت رأسها وهي تبكي:
— أيوه.
— اتكلمي!
قالت:
— من سابع سنين جوزي تعرض لحادثة كبيرة… والناس افتكرت إنه مات.
— لكنك قلت إنه اختفى!
— لأ، ده اللي حصل فعلاً؛ هو نجا، ولكن حصل له تشوه في وجهه لما ولع… كان فيه حد تاني سبقنا إليها.
اقترب الرجل وقال:
— الشخص اللي قدامكم مش أخوك.
صرخ الأخ:
— أمال مين؟!
قال الرجل:
— أنا أخوه التوأم.
تراجع الأخ عدة خطوات:
— توأم؟! مستحيل… أخويا عمره ما قال إن عنده توأم!
ابتسم الرجل بحزن:
— لأنه ما كانش يعرف.
ثم أضاف:
— أنا اتولدت قبله بدقائق، لكن اتقال لأبويا وأمي إني يتيم عد الولادة.
ساد صمت ثقيل. قالت الزوجة:
— بعد سنين، اكتشفت إن أخوك كان بيدور على الحقيقة… ووصل لملف قديم في المستشفى.
— ملف إيه؟
— ملف ولادته.
نظر الأخ إلى الرجل:
— وإنت ظهرت ليه دلوقتي؟
أجاب:
— لأن أخوك اتصل بي قبل موته.
بصلعات:
— وقالك إيه؟
أخرج الرجل ورقة مطوية من جيوب ومدها إليه؛ فتحها الأخ، كان خط أخيه واضحًا وفيها جملة واحدة:
“لو حصل لي حاجة، دور على أخوك التوأم… لأنه الوحيد اللي سيقدر يثبت إني ما متّش”.
رفع الأخ راسه مصدّمًا:
— يبقى لينا اللي في القبر؟
لم يجيب أحد. فجأة سمعوا صوت سيارة تقترب بسرعة من بوابة المقبرة، نزل منها رجلان يرتديان ملابس سوداء. نظرا التوأم إليهما وقال:
— تأخرنا.








