
في جنازة شاب في مقتبل العمر، تميز بوسامته اللافتة بعدما فارق الحياة إثر سكتة قلبية مفاجئة، نزل أخوه الملتزم إلى القبر ليضعه بيديه في لحدْه. كانت الدموع تنحدر على خديه بغزارة؛ فتلك اللحظة لم تكن سهلة على قلبه أبدًا. وحين كشف عن وجه أخيه للمرة الأخيرة، توفّقت دموعه فجأة وتملّكته حالة من الرهبة الشديدة. ظلّ يحدّق في وجهه لثوانٍ وكأنه لا يصدّق ما تراه عيناه؛ كان وجه أخيه مختلفًا تمامًا، ليس كما عرفه طوال حياته. متراجعًا قليلًا، هامسًا بصوت مرتجف:
— يارب… إيه اللي حصل له؟!
-
الابن وابوهمنذ ساعتين
-
اخت جوزي اتطلقتمنذ 16 ساعة
-
الشيخ الخليجيمنذ 16 ساعة
-
بنت رياضيهمنذ يومين
اقترب منه أحد الرجال داخل القبر وسأله:
— في إيه يا بني؟
لم يرد عليه، فقط أسرع في إتمام الدفن، وظل طوال الوقت يتجنب نظر وجه أخيه مرة أخرى. وبعد أن انتهت مراسم الدفن، وقفت بين المعزّين يستقبل كلمات المواساة، لكن عقله كان مشغولًا بشيء واحد فقط: وجه أخيه، لم يستطع أن ينسى ملامحه التي راها في القبر.
وبينما كان الجميع يبكون على الشاب الذي مات فجأة، كانت زوجته تقف بعيدًا هادئة بشكل أثار انتباه أكثر من شخص؛ لا دموع، لا انهيار، ولا حتى علامات صدمة. رنّ هاتفها، فطلبت منها إحدى السيدات أن تتحدث مع أخو زوجها. أخذت الهاتف وقالت بهدوء:
— أيوه؟
قال الأخ:
— عظّم الله أجرك.
ردّت ببرود:
— أجرنا وأجركم.
سكت لثوانٍ ثم قال:
— أنا عايز أسألك عن حاجة حصلت في المقبرة.
— إيه اللي حصل؟
قال وهو يتردد:
— لما كشفت عن وش أخويا قبل ما أدفنه… لقيته شبه وش…
توقّف فجأة، فقالت بسرعة:
— وش مين؟!
لم يجب، فرفع صوته لأول مرة:
— إنت شفت إيه؟ قول!
قال:
— لقيت وشّه شبه وش واحد أنا شفته قبل كده.
الساد الصمت بينهما، ثم أصلحته بصوت متوتر:
— مين؟
أخذ نفسًا عميقًا وقال:
— شبه وش الراجل الذي من سابع سنين.
تجمّدت الزوجة في مكانها، ولأول مرة من بداية العزاء اختفى البرود من وجهها. قالت بصوت منخفض:
— إنت… بتقول إيه؟
فأجابها:
— أنا مشبه ذو وجه أخويا بعد ما مات، كان بنفس العلامة الموجودة على جبين الراجل ده… نفس الجرح ونفس الشامة.
ارتجفت يديها وسقط الهاتف من بين أصابعه، لكن قبل أن تنحني لالتقاطه، ظهر على شاشة الهاتف اتصال وارد… من رقم زوجها المتوفى. تراجعت خطوة إلى الخلف ودفقت في الشاشة وهي ترتجف. رنّ الهاتف مرة… ثم مرة ثانية… ثم جاءت رسالة قصيرة:
“أنا لسه ما متّش”.
وقفت الزوجة مكانها وكأن الأرض تجمّدت تحت قدميها، حدقت في الرسالة عشرات الثواني ثم رفعت عينيها وببطء نحو أخيه الذي كان لا يزال واقفًا أمامها:
— إنت… بعت لي الرسالة دي؟
قطّب حاجبه:
— رسالة إيه؟
رفعت الهاتف أمامه، لكن قبل أن تمتد يده اختفت الرسالة من الشاشة ثم اختفى الرقم أيضًا. قالت وهي تلهث:
— كانت هنا… والله كانت هنا!
نظر إليها أخو زوجها بقلق:
— إنتِ كويسة؟
لم تجبه؛ كانت عيناها معلقتين بشيء خلفه، شيء لم يره هو؛ رجل يقف بعيدًا بين المعزين، كان يرتدي نفس الملابس التي دُفن بها زوجها. صرخ فجأة:
— هو!
استدار الأخ بسرعة، لكن المكان كان خاليًا. قال:
— مين؟
لم ترد؛ فقد بدأت تتراجع للخلف ووجهها يتحول إلى شحوب مخيف. اقترب منها الأخ وقال:
— إنتِ عارفة حاجة عن موت أخويا؟
هزّت رأسها بسرعة:
— لأ.
— متأكدة؟
— أيوه.
— يبقى ليّا، ولما قلت لك إن وشّه شبه وش واحد مدفون من سابع سنين، اتخضّيتي؟
سكتت ثم قالت بصوت مكسور:
— لأنهم مش فاهمين اللي حصل من سابع سنين.
— حصل إيه؟
نظرت حولها لتتأكد أن أحدًا يسمعهما، ثم همست:
— الراجل الذي تقول عليه… ما كانش غريب.
تجمد الأخ:
— يعني إيه؟
خفضت عينيها وقالت:
— كان أخوك.
اتسعت عيناه:
— مستحيل!
— أنا عارفة إن ده مستحيل… بس دي الحقيقة.
أمسك بيذراعها وقال:
— اتكلمي!
قالت وهي تبكي لأول مرة:
— من سابع سنين، أخوك اختفى لمدة ثلاثة أيام، ولما رجع قال إنه كان مسافر لوحده وموبايله ضاع.
— وأنا فاكر ده.
— لكن اللي رجع ووقته… ما كانش أخوك.
تراجع خطوة:
— إنتِ بتقولي إيه؟
قالت:
— أنا اكتشفت ده بعدها بأيام.
ثم أخرجت من حقيبتها صورة قديمة مطوية، فتحتها أمامه؛ كانت الصورة تجمع زوجها منذ سابع سنين مع رجل آخر. نظر إليها الأخ، ثم شهد الرجل الآخر في الصورة… كان يحمل نفس ملامح أخيه تمامًا!
قالت الزوجة:
— الراجل ده ظهر في حياتنا يوم اختفاء أخوك.
— مين هو؟
قالت وهي ترتجف:
— هو السبب الحقيقي في كل اللي حصل.
وفجأة… رنّ هاتف أخيه. نظر إلى الشاشة؛ كان المتصل هو رقم زوجة أخيه! رفع عينيه إليه باستغراب:
— بس إنتِ واقدة قدامي!
لم تقترب منه، قالت بصوت مرتعش:
— ما تردش.
لكن الهاتف استمر في الرنين، ثم وصلته رسالة. فتحها بيد مرتجفة؛ كانت تحتوي على صورة حديثة، صورة التقطت منذ دقائق فقط… للقبر الذي دُفن فيه أخوه، وتحت الصورة جملة واحدة:
“افتحوا القبر قبل ما يدفنوا الشخص الغلط”.








