قصص و روايات

بعد مراسم تكريم ابنتي

عندما عدنا إلى غرفة الانتظار، وقف الزوجان فورًا.

قال أحمد:

مقالات ذات صلة

«سلمى، دول هالة ومحمود… أهل سارة.»

تقدمت هالة نحوي.

«أنا آسفة.»

نظرت إليها.

«على إيه؟»

امتلأت عيناها بالدموع.

«على إني فرحانة النهارده.»

توقفت للحظة.

قالت وهي تحاول كتم بكائها:

«مش عارفة أقولها إزاي. ده أسوأ يوم في حياتك، وإحنا في نفس اليوم جالنا الاتصال اللي كنا بندعي بيه بقالنا سنين.»

نظرت إلى كوب القهوة الذي لم تلمسه.

وإلى سوار المستشفى الذي كانت تلفه حول أصابعها بعصبية.

وفجأة فهمت ما رأته مريم فيها.

رأتني أنا.

أم تجلس في غرف الانتظار.

تراقب وجوه الأطباء.

وتعيش كل يوم على أمل أن تسمع خبرًا لا يحطمها.

قلت لها:

«من حقك تفرحي.»

بدأت هالة في البكاء.

وكادت دموعي تنزل معها.

قلت:

«مريم كانت عايزة ده.»

وضعت هالة يدها على فمها.

ثم قالت:

«إحنا ما كناش عارفين في البداية. سارة قالت لنا إن مريم سألت عن الموضوع، لكن أحمد أكد لنا إن مفيش أي ضمانات.»

وأضاف محمود:

«وقال لنا ما نبنيش آمالنا على الموضوع. كل حاجة في إيد الدكاترة.»

كان ذلك يشبه أحمد تمامًا.

حذر.

عملي.

يحاول أن يحمل شيئًا مستحيلًا من دون أن يزيد ثقله على الآخرين.

سألت:

«كانوا قريبين من بعض؟»

ابتسمت هالة وسط دموعها.

«أكتر مما كنا متخيلين.»

وحكت لي أن ممرضة اضطرت في إحدى المرات إلى الفصل بين البنتين، لأنهما كانتا تضحكان بصوت مرتفع بينما يحاول باقي المرضى النوم.

لأول مرة في ذلك اليوم، كدت أبتسم.

كان هناك شخص يتحدث عن مريم باعتبارها فتاة في الثامنة عشرة.

لا مريضة.

ولا متبرعة.

فقط… مريم.

قالت هالة:

«مريم كانت بتتكلم عنك طول الوقت.»

نظرت إليها.

«كانت بتقول إيه؟»

ضحكت هالة من بين دموعها.

«إنك بتقلقي زيادة عن اللزوم.»

ضحكت رغمًا عني.

«دي فعلًا مريم.»

تابعت هالة:

«وقالت إنك بتعملي نفسك مش بتعيطي.»

اختفت ابتسامتي.

ثم قالت:

«وقالت كمان إنها كل ما كانت تخاف، كانت تتخيل إنها هترجع البيت معاكي.»

نظرت إلى رسالة مريم.

لقد كانت خائفة.

لكنها لم ترد أن أعرف حجم خوفها.

وفجأة ظهرت ممرضة عند باب الغرفة.

«مدام؟ أستاذ؟»

وقفت هالة ومحمود فورًا.

ابتسمت الممرضة وقالت:

«سارة خرجت من العملية.»

توقف كل شيء في الغرفة.

ثم أضافت:

«حالها مستقرة. والدكتور هيكلمكم بعد شوية.»

خرج من هالة صوت غريب، نصفه ضحكة ونصفه بكاء.

احتضنها محمود.

ثم نظرت إليّ هالة.

مرّ الارتياح على وجهها للحظة، قبل أن يحل محله الشعور بالذنب.

وقفت.

وقلت:

«روحي.»

ترددت.

«سلمى…»

«روحي لبنتك.»

اقتربت مني، وكأنها لم تكن تعرف هل يحق لها أن تحتضنني أم لا.

فأنا التي بادرتها بالعناق.

احتضنتني بقوة.

وقالت هامسة:

«شكرًا.»

ابتعدت عنها.

«ما تشكرينيش.»

نظرت إليّ في حيرة.

رفعت رسالة مريم.

«القرار ده مش قراري.»

ثم قلت:

«ده قرار مريم.»

انهمرت دموع هالة أكثر.

«مش هننساها أبدًا.»

صدقتها.

ووضع محمود يده فوق يدي وقال:

«وإحنا كمان مش هنخلي سارة تنساها.»

كانت الكلمات مؤلمة.

لكنها منحتني شيئًا لم أتوقعه.

مريم ستعيش داخل حكايات أسرة أخرى.

لن تكون مجرد ذكرى مؤلمة.

بل ستكون الفتاة التي منحت ابنتهم فرصة جديدة للحياة.

غادرت هالة ومحمود مع الممرضة.

وبقي أحمد بجواري.

لم نتحدث للحظات.

ثم قلت:

«أنا لسه زعلانة منك.»

«عارف.»

«إنت خبيت عني حاجة كبيرة جدًا.»

«عارف.»

«مش عارفة إذا كنت كنت هعمل نفس اختيارك، لكن… فهمت ليه عملت كده.»

امتلأت عيناه بالدموع.

وكان ذلك أقرب شيء استطعت أن أقدمه له من الغفران في ذلك اليوم.

أمسكت يده.

ومشينا معًا عائدين إلى غرفة مريم.

كانت الغرفة خالية الآن.

قبل ساعات قليلة فقط، كنت أسير خلف ابنتي في ممر المستشفى وأنا أعتقد أن كل شيء في حياتها ينتهي أمام عيني.

لكن مريم فهمت شيئًا لم أفهمه أنا.

هي لم تستطع التحكم فيما يحدث لها.

لكنها استطاعت أن تقرر ما الذي ستتركه وراءها.

في مكان ما داخل المستشفى، كانت سارة تستيقظ من العملية.

وقريبًا، ستجلس أمها بجوار سريرها وتبدأ في وضع خطط لعودتهما إلى البيت.

نفس الخطط التي ظللت أضعها لمريم حتى اللحظة الأخيرة.

فقدان ابنتي لم يصبح أسهل لأن فتاة أخرى نجت.

ولن يصبح كذلك أبدًا.

لكنني فهمت أخيرًا ما حاولت مريم أن تتركه لي.

لم تترك لي سببًا يجعل موتها مقبولًا.

بل تركت لي شيئًا أتمسك به بعد رحيلها.

هي لم تستطع العودة إلى البيت معي…

لكنها ساعدت ابنةً أخرى على العودة إلى بيتها مع أمها.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى