قصص و روايات

بعد مراسم تكريم ابنتي

وصمته كان كافيًا.

قلت:

«مين الشخص ده؟ لو بتحبني، ما تكذبش عليّ تاني.»

ابتلع ريقه وقال:

«أنا ما كذبتش عليكِ في مرض مريم ولا في علاجها.»

«أمال خبيت إيه؟»

نظر إلى الزوجين، ثم عاد ينظر إليّ.

«مريم كانت عايزة هي اللي تشرحلك.»

ثم أدخل يده في جيب سترته وأخرج ورقة مطوية.

كانت هناك كلمة واحدة مكتوبة على وجهها، بخط أعرفه جيدًا.

ماما.

اختفى غضبي للحظة، وحل مكانه ألم أشد.

سألته:

«كتبتها إمتى؟»

«الأسبوع اللي فات.»

«وإنت معاك الرسالة من وقتها؟»

أومأ.

«هي خلتني أوعدها إني ما أديهالكِش غير… بعد.»

أخذت الرسالة من يده.

«عايزة أقراها لوحدي.»

قال:

«سلمى…»

لكنني ابتعدت قبل أن يكمل.

دخلت إلى كنيسة المستشفى الصغيرة، وكانت خالية تمامًا.

جلست في الصف الأخير وفتحت الورقة بيدين مرتعشتين.

كان أول سطر:

ماما،

لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى الحاجة اللي كنت بتمنى تحصل حصلت فعلًا.

توقفت.

ما الذي كانت تتمنى حدوثه؟

ثم واصلت القراءة.

وأنا بتعالج، اتعرفت على بنت اسمها سارة. كنا بنلعب كوتشينة لما نكون تعبانين ومش قادرين نعمل حاجة تانية. هي بتغش، بس كنا بنضحك.

سارة.

فجأة، أصبح للسر اسم.

كتبت مريم أن سارة كانت تنتظر زراعة عضو منذ ما يقرب من عامين.

في البداية، كانت تراها مجرد طفلة أخرى عالقة في المستشفى مثلها.

لكن مع الوقت، بدأت تلاحظ والدتها.

بتقعد في غرف الانتظار زيك يا ماما.

بتبص في وش الدكتور قبل ما يتكلم حتى.

بتجيب قهوة وتنسى تشربها.

توقفت عن القراءة ومسحت دموعي.

ثم واصلت.

وفي يوم، فهمت إني مش ببص عليها هي…

أنا كنت ببص علينا إحنا.

ارتجفت يداي.

علشان كده طلبت من بابا يساعدني أعرف إذا كان ينفع أتبرع مباشرةً بجزء من أعضائي لسارة. هو ساعدني أسأل ونعرف الإجراءات والأوراق المطلوبة.

بابا قال لي أقولك.

أغمضت عيني.

ثم قرأت:

قلت له لأ.

مش علشان أنا بثق فيه أكتر منك.

لكن علشان إنتِ لسه مستنية إني أرجع البيت.

بدأت الكلمات أمام عيني تتداخل.

تذكرت كل مرة قلت فيها لمريم:

«لما ترجعي البيت…»

«لما تبقي أحسن…»

وكل مرة كانت تبتسم لي بهدوء، من غير ما تصحح كلامي.

كنت عارفة إنك محتاجة الأمل ده.

ومكنتش عايزة أخليكي تقعدي جنبي وإنتِ مستنية تعرفي إذا كانت بنت تانية هتعيش لو أنا مت.

وضعت الرسالة على صدري.

الآن فهمت.

مريم لم تخفِ الأمر لأنها أرادت إبعادي عنها.

بل لأنها كانت تعرفني أكثر مما كنت أتصور.

ثم وصلت إلى السطور التي حطمتني تمامًا:

أنا مش هقدر أرجع البيت معاكي يا ماما.

بس كنت أتمنى أساعد سارة إنها ترجع بيتها مع مامتها.

وضعت يدي على فمي حتى لا يخرج صوت بكائي.

وفي أسفل الصفحة كتبت مريم:

من فضلك ما تزعليش من بابا أوي.

هو كان متضايق جدًا إنه مخبي عليكي.

بس أنا اللي خليته يوعدني.

بحبك.

مريم

انفتح باب الكنيسة خلفي.

كان أحمد واقفًا في الصف الخلفي.

قالت لي دموعي:

«كان لازم تقول لي.»

رد بصوت مكسور:

«عارف… بس إزاي كنت هرفض طلب بنتي وهي بتموت؟»

نظرت إليه.

قال:

«مريم عندها تمنتاشر سنة. طول السنة اللي فاتت، كل الناس كانت بتاخد قرارات تخص جسمها وحياتها. هي طلبت مني أسيبلها حاجة واحدة تقررها بنفسها.»

ثم انكسر صوته.

«ما قدرتش آخد ده منها كمان.»

سألته:

«والزوجين اللي فوق؟»

قال:

«دول أهل سارة.»

ثم تنفس بصعوبة.

«سارة دلوقتي في العمليات علشان زراعة الكلى.»

توقفت.

«كلية مريم؟»

قال:

«الدكاترة مش هيأكدوا أي حاجة، لكن… التوقيت معناه إن ده الاحتمال الأكبر.»

نظرت إلى الرسالة.

«طب ليه توسلت للدكتور ما يقوليش؟»

قال ببساطة:

«علشان وعدت مريم.»

ظل الغضب بداخلي.

لكنني فهمت الآن الثمن الذي دفعه أحمد هو الآخر مقابل الوفاء بوعده لها.

طويت الرسالة بعناية.

ثم وقفت.

«عايزة أقابل أهل سارة.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى