
نزلت طيارتي من دبي بدري ثلاث ساعات عن ميعادها، فقلت أرجع البيت فجأة وأعمل مفاجأة للولاد، سيف وفريدة، ولأمي حبيبتي صفاء. لكن بدل المفاجأة، دخلت على كابوس. ”أمك جاية هنا تخدم وتشتغل، مش تسترخيلنا!” صوت حماتي، حميدة، كان جايب آخر الشارع وهي بتزعق جوه الصالة. “تقعد لما العشا يخلص ويجهز!”
وقفت مكاني متسمرة عند الباب.
حميدة كانت ممددة على الكنبة المذهبة في الصالة، بتشاور بإيدها ناحية المطبخ وكأن أمي شغالة عندها باليومية. وجنبها جوزي، شريف، قاعد بيتفرج على الماتش في التلفزيون، ماسك كانز في إيد والموبايل في الإيد التانية ولا كأنه سامع حاجة.
فجأة سمعت صوت فريدة بتعيط بكسرة قلب.
جريت على المطبخ.
أمي كانت واقفة قدام البوتاجاز والهوا سخن ومولع، شايلة فريدة على صدرها وبتقلب الحلة الكبيرة بالإيد التانية. وسيف ماسك في جلابيتها، خايف ومعيط من التعب. وش أمي كان أصفر زي الليمونة، والعرق مبلل طرحتها وهدومها، وصوابع إيدها الورمانة بالعافية ماسكة معلقة الخشب.
أمي عندها روماتويد شديد في العظام، في أيام بتعدي عليها مابتقدرش تقوم من السرير ولا تخطي خطوة من غير مساعدة.
”أمي! إيه اللي بتعمليه ده؟!”
أمي بصت في الأرض وعينيها مليانة دموع: “طنطك حميدة طلبت صينية بطاطس باللحمة.. وطلبت مني أغير ملايات السراير، وأغسل هدوم شريف وأكوي قمصانه.”
مديت إيدي عشان أخد فريدة منها، بس أمي اتخضت واتحركت لورا بسرعة.
في اللحظة دي.. شفت العلامة الزرقا الزاحفة على وشها عند خدها.
رفعت كمها بسرعة، لقيت علامات وزرقان مغطي معصمها وذراعها كله.
صوتي كان بيرتجف ودمي اتجمد: “مين اللي عمل فيكي كده؟!”
أمي شدت الكم بسرعة وغطت ذراعها: “وقعت على السلم يا بنتي..”
بس مابصتش في عيني، وكانت بتهرب بوشها.
صوت حميدة جه من الصالة بصوت عالي ومستفز: “قوليلها تخلي بالها من الأكل عشان ميتأمررش زي المرة اللي فاتت!”
شريف ضحك بصوت عالي: “ولسه مخلصتش غسيل قمصاني البيضا!”
في اللحظة دي، في حاجة جوايا اتكسرت وتحولت لثلج ونار.
بقالي سبع سنين أنا اللي شايلة البيت ده كله من ألفه لياءه. أنا اللي دافعة ثمن الشقة في التجمع، أنا اللي شارية العربية اللي شريف بيركبها ويتباهى بيها قدام أصحابه، أنا اللي بطلعهم مصايف الساحل، وأنا اللي بغطي مصاريف علاج حميدة في أكبر المستشفيات. شريف عايش دور الباشا والراجل الغني لمجرد إني سمحتله بكده!
وفي الغيبة دي.. بيهينوا المرأة اللي باعت حتة الأرض اللي حيلتها في البلد عشان تدفعلي مصاريف جامعتي وتخليني مهندسة قد الدنيا؟
جريت مسكت شنطة أمي، شلت سيف على دراعي، وأخدت فريدة من حضن أمي.
”إحنا ماشيين من هنا فوراً.”
طلعت حميدة من الصالة وهي بتزعق: “ماشية فين؟ هي لسه خلصت اللي وراها؟!”
وقف شريف عند الباب ووقف قصادي بجسمه: “اتأسفي لأمي فوراً وادخلي كملي شغل المطبخ من غير جنان!”
مسكت الموبايل، وفتحت أبلكيشن التحكم في البيت Smart Home.
كهرباء الشقة: إيقاف.
خط المية الرئيسي: قفل.
الكارت البنكي المربوط بحسابه: إلغاء وتجميد.
التلفزيون انطفا فجأة، النور اتطفا والشقة بقت ضلمة كحل، وموبايل شريف بدأ يزمر بإشعارات إلغاء الكروت وإيقاف الخدمات.
شريف صرخ في وشي وهو مش فاهم حاجة: “إيه اللي عملتيه ده؟! إنت جنيتي؟!”
بصيت له بمنتهى الهدوء والبرود: “رجعتك للحجم الطبيعي والعيشة اللي تقدر تدفع ثمنها من جيبك.”
مشيت وسبتهم، مسكت إيد أمي وشايلة ولادي، وخرجنا من العمارة. عدّيت الشارع الناحية التانية ووقفت قدام أكبر قصر وفيلا في الحي كله.. القصر اللي في الشارع المقابل.
حطيت بصمة إيدي على الجهاز الذكي للباب الخارجي.
الجرار الحديدي الكبيرة فتح بهدوء.
جري شريف ورايا حافي في الشارع وهو بيصرخ بذهول: “إنت بتعملي إيه؟! إزاي الباب ده بيفتحلك؟ إنت ليكي علاقة بإيه هنا؟!”
لفيت وبصيتله من بين الضفتين بتوع البوابة وهما بيتقفلوا بيني وبينه بالكهرباء:
”عشان القصر ده أنا شرياه من ثلاث سنين.. مدفوع ثمنه بالكامل للشركة، وإسمك مش مكتوب في ورقة واحدة منه.”الجزء الثاني: الكدمات
جوّه القصر، السكوت كان يرعب من كتر ما هو غير حقيقي. مفيش صوت تلفزيون بصوت عالي، مفيش زعيق، ومفيش شريف اللي عايش دور الباشا وبيطلب أوامر وخدمة طول الوقت.
سيف بصلّي بعينين كبار وهو ماسك في إيدي: “يا ماما.. إحنا هنعيش هنا خلاص؟”
وطيت عنده وهمستله: “أيوه يا حبيبي.. هنفضل هنا على طول ومافيش حد يقدر يضايقكم تاني.”
أمي صفاء اتكعبلت وقعدت على الكنبة في الصالة، وشهاب كان رمادي من كتر الوجع والخوف. قعدت الولاد قدام الشاشة الكبيرة وشغلتلهم كارتون يلهيهم، ورجعت قعدت تحت رجلين أمي.
”أمي.. أنا لازم أعرف الحقيقة كاملة.. مين اللي عمل فيكي كده؟”
أمي حاولت تتهرب وتداري عشان تحافظ على بيتي وجوازي: “يا بنتي مافيش حاجة.. شريف ده جوزك وأبو عيالك…”
-
عندي ٧٤ سنة واتجوزت ست اصغر مني بـ ٣٨منذ ساعة واحدة
-
لو نفسك يا امي في الحفيد الولدمنذ ساعة واحدة
-
مصيف عيلة زوجيمنذ ساعة واحدة
-
سر النملمنذ 21 ساعة







