قصص و روايات

الغريب الذي تبرع لي

زارت منزلنا مرتين، ثم رفضت المجيء لمدة ثلاثة أسابيع.

وأحيانًا كانت تتحدث معي.

مقالات ذات صلة

وأحيانًا كانت تتعامل وكأنني غير موجودة.

وتركت لها حرية الاختيار.

بدأ يوسف يتغير أيضًا.

عندما كانت مواعيد علاجه تتعارض مع الأيام التي وعد فيها سلمى بقضاء الوقت معه، لم يعد يتخذ القرار تلقائيًا نيابة عن الجميع.

كان يسألها:

«عايزة تيجي معايا؟»

«ولا أأجل الموعد؟»

«ولا تفضلي نعمل حاجة تانية؟»

كان هذا التصرف البسيط صعبًا عليه بشكل غريب.

وأنا أيضًا توقفت عن السماح ليوسف بإدارة كل تفاصيل حالتي الصحية.

في أحد الصباحات، مد يده نحو علبة أدويتي.

قلت:

«أنا أقدر أرتب أدويتي بنفسي.»

قال:

«عارف.»

نظرت إليه.

«طب اتصرف على أساس إنك عارف.»

ابتسم.

«عندك حق.»

أما علاجه من السرطان، فلم يكن سهلًا.

كانت بعض الفحوصات تمنحنا أسبابًا للأمل.

وفحوصات أخرى تفتح أمامنا أسئلة جديدة.

لم يتراجع الأطباء عن وصف المرض بأنه متقدم، ولم نحصل على يقين يسمح لنا بأن نتصرف وكأن أمامنا وقتًا لا ينتهي.

لكن يوسف بدأ يتعلم شيئًا مهمًا.

توقف تدريجيًا عن التعامل مع عدم اليقين باعتباره تصريحًا له بالتحكم في حياة الجميع.

بدأ يفهم أن مساعدة شخص لا تعني دائمًا إنقاذه.

وأحيانًا، تعني أن تسمح له باتخاذ قرار لا يعجبك.

وأحيانًا تعني أن تسمع غضب سلمى من غير أن تحاول إصلاحه.

وأحيانًا تعني أن تتركني أدير حالتي الصحية بنفسي.

وأحيانًا تعني أن تعترف بأن العطاء يمكن أن يتحول إلى أنانية عندما لا يسأل الشخص الذي يعطي عمّا يريده الآخرون فعلًا.

وفي ذلك الصيف، عدنا نحن الثلاثة إلى الحديقة نفسها التي أقيم فيها عقد زواجنا.

لكن هذه المرة لم تكن هناك مراسم.

مجرد نزهة بسيطة.

وصلت سلمى وهي تحمل علبتين ملفوفتين.

أعطتني الأولى.

فتحتها.

وجدت بداخلها كوبًا رخيصًا مكتوبًا عليه:

«أفضل زوجة أب معقدة في العالم.»

انفجرت في الضحك.

وضحك يوسف أيضًا.

أشارت إليه سلمى وقالت:

«ماتفرحش أوي… بتاعك أسوأ.»

فتح يوسف علبته.

وكان مكتوبًا على الكوب:

«اسأل عيلتك الأول.»

تأوه يوسف.

«حاضر.»

قالت سلمى:

«وتستاهل.»

قلت وأنا أضحك:

«جداً.»

سرقت سلمى قطعة فراولة من طبقه.

جلست بجوار يوسف، وأسندت رأسي إلى كتفه وأنا أراقبهما وهما يتجادلان حول الحلوى.

قبل عام، دخل يوسف حياتي لأنه كان يؤمن بأنه إذا استطاع مساعدة شخص ما، فعليه أن يفعل.

ذلك الاعتقاد أنقذ حياتي.

لكنه كان أيضًا أكبر نقطة ضعف لديه.

قضى يوسف سنوات معتقدًا أن الحب يعني أن يحل مشكلات الآخرين، وأن يحميهم من الحقائق التي قد تؤلمهم، وأن يتخذ القرارات الصعبة نيابة عنهم.

لكن سلمى دفعت ثمن ذلك.

وأنا أيضًا.

لم تكن الكلية هي المشكلة.

ولم يكن كرمه هو المشكلة.

المشكلة كانت في اعتقاده أن إعطاء جزء من نفسه لشخص ما يمنحه الحق في تحديد ما سيحدث بعد ذلك.

وأخيرًا، فهم يوسف الفرق.

كانت سلمى لا تزال تغضب أحيانًا.

وأنا أيضًا.

الثقة لم تعد فقط لأننا بقينا متزوجين.

بل بدأت تعود من خلال مئات المواقف الصغيرة، التي كان يوسف يتوقف فيها قبل أن يتخذ قرارًا جديدًا نيابة عنا، ويسألنا ببساطة:

«إنتوا عايزين إيه؟»

في ذلك اليوم داخل الحديقة، نظر يوسف إلى كوبه السخيف، ثم إلى سلمى، ثم إليّ.

ولأول مرة، لم يكن هناك شيء يحتاج إلى إصلاحه.

ولا أحد يحتاج إلى إنقاذه.

ولا أحد يحتاج إلى حمايته من الحقيقة.

لم يكن بحاجة إلى أن يتبرع بشيء.

ولا أن يرتب شيئًا.

ولا أن يقرر شيئًا.

فقط جلس معنا.

ومع مرور الوقت، أعتقد أن يوسف فهم أخيرًا أن الحب ليس دائمًا أن تعطي أجزاء من نفسك للآخرين.

أحيانًا يكون الحب أن تتوقف قليلًا، وتترك من بجوارك يتكلم… وتسمح له أن يختار بنفسه.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى