قصص و روايات

تظاهرت بالنوم

كان زوجي يضع لي حبة دواء كل ليلة بحجة أنها ستساعدني على الدراسة والتركيز… لكن في إحدى الليالي تظاهرت بأنني ابتلعتها، ثم بقيت ممددة بلا حراك. ظن أنني نائمة. وعند الساعة الثانية وسبعٍ وأربعين دقيقة فجرًا، دخل الغرفة مرتديًا قفازات سوداء، يحمل كاميرا صغيرة ودفترًا أسود. لم يلمسني بحنان. رفع جفني وهمس:

 

مقالات ذات صلة

— ذاكرتها لم تعد بعد.

اسمي ليلى الشامي، ولمدة عامين كاملين كنت أظن أن زوجي، الدكتور كريم الرفاعي، مجرد رجل شديد التحكم.

كان كريم طبيب أعصاب.

أنيقًا.

هادئًا.

من أولئك الأطباء الذين يتحدثون بصوت منخفض فيجعلون الجميع يشعرون بالجهل أمامهم.

حين بدأت دراسة الماجستير في الجامعة الأردنية بعمان، أخبرني أنني أعاني من القلق.

قال لي ذات مساء:

— أنتِ لا تنامين جيدًا يا ليلى. هذه  ستساعدك على الراحة والتركيز.

صدقته.

كل ليلة، بعد العشاء، كان يضع كأس ماء وكبسولة بيضاء على الطاولة قرب السرير.

ثم يقول:

— خذيها أمامي.

في البداية ظننت الأمر لطيفًا.

ثم تحول إلى قاعدة.

إذا لم أتناولها، يغضب.

إذا سألته عنها، يغيّر الموضوع.

إذا استيقظت بدوار، قال إن السبب هو الضغط النفسي.

لكن الأسوأ لم يكن الدوار.

بل الفراغات.

كنت أستيقظ أحيانًا مع كدمات صغيرة على ذراعي.

ورائحة معقمات طبية على جلدي.

وشعري مبلل رغم أنني لا أتذكر أنني استحممت.

وأحيانًا أجد جملًا مكتوبة في دفتري بخط لا أعرفه.

إحدى الجمل كانت تقول:

«لا تدعي كريم يعرف أنكِ تتذكرين».

ظننت أنني أفقد عقلي.

وهو أخبرني بذلك أيضًا.

— ليلى، عقلكِ يختلق الأشياء. ثقي بي.

لكن ذات ليلة، بينما كنت أغيّر أغطية السرير، وجدت كاميرا صغيرة مخبأة داخل جهاز إنذار الحريق.

لم تكن موجهة نحو الباب.

بل نحوي.

نحو السرير.

نحوي أنا.

في عصر ذلك اليوم، فتشت سلة المهملات في المكتب الذي كان كريم يستخدمه كعيادة منزلية.

وجدت علب أدوية فارغة، وملصقات ممزقة، وورقة مطوية تحمل اسمي.

كان مكتوبًا عليها:

«المريضة ل.ش. . المرحلة الثالثة.»

مريضة.

لا زوجة.

مريضة.

في تلك الليلة تظاهرت بالإرهاق.

أعطاني كريم الكبسولة.

وضعتها على لساني.

شربت قليلًا من الماء.

ابتسمت.

لكنني لم أبتلعها.

أخفيتها تحت لساني حتى أطفأ الضوء.

وحين دخل الحمام، بصقتها داخل منديل ورقي وعدت للاستلقاء.

تنفست ببطء.

ببطء شديد.

كما كان يراقبني دائمًا.

وعند الساعة الثانية وسبعٍ وأربعين دقيقة فجرًا، فُتح الباب.

لم يُصدر أي صوت.

لقد كان قد زيّت المفصلات مسبقًا.

دخل حافي القدمين، مرتديًا قفازات سوداء ويحمل مصباحًا صغيرًا.

أمسك معصمي.

تفقد نبضي.

ثم رفع جفني.

أردت أن أصرخ.

لكنني لم أفعل.

همس:

— جيد… لا مقاومة الليلة.

أخرج الدفتر الأسود.

وكتب شيئًا فيه.

ثم وضع هاتفه قرب أذني وشغّل تسجيلًا صوتيًا.

كان صوت امرأة.

هادئًا.

متعبًا.

مكسورًا.

قال الصوت:

— ليلى… يا حبيبتي… إذا كنتِ تسمعين هذا، استيقظي. زوجكِ لم ينقذكِ… بل وجدكِ.

شعرت بقلبي يقفز إلى حلقي.

يا حبيبتي.

ذلك الصوت لم يكن صوت أمي.

أمي ماتت عندما كنت في الخامسة.

أو هكذا أخبرني كريم دائمًا.

أوقف التسجيل بسرعة.

وتمتم:

— لا شيء بعد… ما زالت الذاكرة محجوبة.

ثم اتجه نحو الخزانة.

دفع اللوح الخشبي الخلفي فظهر باب سري لم أره من قبل.

خلف فساتيني ظهر ممر ضيق.

عاد كريم نحوي.

تركت جسدي مرتخيًا.

حملني عبر الممر السري إلى غرفة بيضاء باردة، مضاءة بمصابيح تشبه مصابيح المستشفيات.

كانت هناك شاشات مراقبة.

وملفات.

وصور لي وأنا نائمة.

ومقاطع فيديو لي وأنا أتحرك داخل المنزل بنظرات فارغة.

وعلى الجدار كان هناك خط زمني.

«حادث.»

«فقدان ذاكرة.»

«زواج.»

«تحكم دوائي.»

«الميراث قيد النقل.»

ميراث.

وضعني كريم فوق سرير طبي متحرك.

لم يقيّدني.

وهذا أخافني أكثر.

كان يثق كثيرًا في الدواء.

فتح خزنة صغيرة وأخرج ملفًا أحمر.

كان مكتوبًا على غلافه:

«قضية نور الحسيني. مفقودة منذ عام 2015.»

نور الحسيني.

لم أعرف السبب.

لكن جسدي عرف.

شعرت بحرارة في عيني.

اتصل كريم بأحدهم.

وقال:

— أصبحت جاهزة. غدًا توقّع التنازل وننتهي.

جاءه صوت امرأة عبر مكبر الصوت:

— وماذا لو تذكرت قبل ذلك؟

نظر كريم إليّ.

ثم ابتسم.

فُتح الباب السري مجددًا.

دخلت حماتي، سهام، مرتدية معطفًا طويلًا وتحمل حقيبة مليئة بالأوراق.

قالت:

— لا تستهِن بهذه الفتاة. أمها لم تكن تبدو خطيرة أيضًا… ومع ذلك رأيت ما حدث.

أمي.

أمي التي قيل إنها ماتت بالسرطان.

وضعت سهام الحقيبة فوق الطاولة.

رأيت بداخلها عقد زواج مزورًا، وتوكيلًا رسميًا، وصورة قديمة.

فتاة في الخامسة عشرة.

أنا.

لكن باسم مختلف مطرز على الزي المدرسي:

نور الحسيني.

أخرج كريم قلمًا ووضعه بين أصابعي التي ظنها نائمة.

وقال:

— نحتاج توقيعها فقط.

اقتربت سهام من وجهي وحدقت بي.

ثم قالت:

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى