منوعات

جاء المليونير لطرد المستأجرة

​جلس بجانبها وقال بصوت هادئ: «أهلاً يا سارة… أنا نعمان، صاحب العقار. أردت فقط أن تعلمي أن ابنتكِ بطلة حقيقية وتُحارب بشجاعة».

​لم تستطع سارة الرد، لكن شفتيها تحركتا ببطء بكلمات لم تُسمع.

مقالات ذات صلة

​غادر نعمان المستشفى وهو يشعر وكأن العالم صار أكثر قسوة وحزناً. وفي تلك الليلة، اتخذ قراراً حاسماً: لن يكتفي بالمساعدة من بعيد عبر الشيكات والمساعدات العابرة… بل سيتكفل بالجميع بنفسه، حتى لو كلفه ذلك خوض مواجهات مع أقرب الناس إليه أو زملائه في الشركة.

الفصل الثالث

​عاد نعمان يوم السبت التالي قبل شروق الشمس، ودون أن يطرق الباب هذه المرة. كان قد ملأ سيارته بالبقالة والمستلزمات، وركنها على بعد شارع من المبنى، ثم وضع الأكياس أمام باب الشقة (4ب)، مدساً مظروفاً فيه مبلغ نقدي داخل أحد أكياس الخبز لكي تكتشفه ليان بالصدفة.

​وفي اليوم التالي، زارهما بشكل رسمي. كانت ليان قد مشطت شعرها وارتدت ثوباً نظيفاً، وبدت لأول مرة مرتاحة ومستريحة. وقالت له وهي تجاريه في الحديث وكأن الجيران هم من تركوا الأكياس: «هناك من ترك هذه الأكياس أمام الباب». ثم قدمت له قطعة بسكويت بالفانيليا.

​وقبل أن يغادر، قدمت له قطعة قماشية صغيرة أعدتها بنفسها؛ مطرزة بحرفي اسمها واسمه بالخيط الأحمر، وتحيط بهما هالة على شكل قلب صغير. وقالت: «صنعتها لك بالأمس».

​شعر نعمان بدفء يغمر صدره وقال: «شكراً لكِ يا ليان… سآخذها معي إلى مكتبي حتى لا أنسى أبداً ما هي الأشياء الحقيقية التي تستحق الاهتمام في هذه الحياة».

​أثناء نزوله على الدرجات، تصادف مع دينا، مديرة إدارة العقارات لديه، وهي تنزل بخطوات حادة بصوت كعبها العالي وتحمل ملفاً تحت ذراعها.

​سألته باستغراب: «ما الذي تفعله هنا يا رئيس؟»

​«أمر شخصي.»

​«هل له علاقة بمستأجرة الشقة (4ب)؟ إنها متأخرة عن الإيجار لثلاثة أشهر، ووفقاً للعقد الذي وقّعت عليه أنت بنفسك، يفترض أن نرفع دعوى إخلاء هذا الأسبوع».

​لم يجبه نعمان على الفور. كان مصمماً في داخله على أنه لن يستطيع أحد إخراج ليان من تلك الشقة طالما أن له سلطة أو كلمة.

​لم تكن دينا غبية؛ فما إن رأت ملامح وجهه وهو يغادر المبنى يحمل تلك القطعة المطرزة، حتى أدركت أن هناك أمراً غير طبيعي. وفي بعد ظهر ذلك اليوم، بدأت بالتفتيش والبحث في سجلات العقارات، وتاريخ الإيجارات، والمراسلات، لتكتشف تحويلات مالية شخصية من حساب نعمان الخاص إلى حساب المستشفى الحكومي، ومدفوعات لصيدلية الحي. كان يدفع التكاليف بصمت دون أن يخبر أحداً.

​في تلك اللحظة، تغيرت ملامح دينا. لم تكن تملك أي تعاطف إنساني مع الق\ضية، بل رأت في الأمر فرصة سانحة؛ فإذا كان نعمان يحول أموالاً غير معلنة، فهذا يمثل ثغرة قانونية ومالية يمكن استخدامها للإطاحة به وإزاحته من منصبه في الشركة.

​في صباح اليوم التالي، ذهبت دينا إلى المبنى بمفردها وطرقات الباب بقوة على الشقة (4ب). فتحت ليان الباب.

​«هل أمكِ في البيت؟»

​«لا، هي في المستشفى.»

​«أخبري أمكِ أن أمامها ثلاثة أيام فقط لإخلاء الشقة. أنا أسفة، ولكن لا يوجد استثناءات».

​«أمي مريضة»، قالت ليان دون أن تتحرك من مكانها.

​«أعلم ذلك، وأنا أسفة لما تمكثين به، لكن هذه هي قوانين المالك».

​لم تقل ليان شيئاً؛ بل اكتفت بإغلاق الباب ببطء.

​وفي طريق خروجها، تقاطعت طرق دينا مع العجوز أم سمير على الدرج.

سألتها أم سمير بنبرة حادة: «هل أنتِ من تركتِ إشعار الإخلاء؟»

​«هذا عملي، ولا يوجد شيء شخصي في الأمر».

​«بالطبع، هذا ما يقوله الجميع دائماً»، تمتمت أم سمير بغضب. «ولكن عندما تصبح تلك الطفلة المسكينة في الشارع، هل ستكونين أنتِ من يشرح لها السبب؟».

لم تبالِ دينا واصلت طريقها دون إجابة.

​في بعد ظهر ذلك اليوم، مشت ليان إلى المستشفى وهي تحمل إشعار الإخلاء المطوي في حقيبتها المدرسية، وأرته لأمها. قرأت سارة الورقة وإغماضت عينيها من شدة العجز، فقد كانت أضعف من أن تتكلم، واكتفت بمد يدها لتمسد شعر ابنتها بحنان وحزن.

​في هذه الأثناء، تلقى نعمان اتصالاً من رقم مجهول. كان صوت دينا حاداً كعادته: «أمامك 24 ساعة فقط للتوقيع على قرار الإخلاء. إذا لم تفعل، فسأرسل الملف كاملاً إلى الشركاء ومجلس الإدارة، بما في ذلك كل التحويلات البنكية التي قمت بها… القرار لك».

أغلق نعمان الخط دون أن ينطق بكلمة، وكان فكاه مشدودين من شدة الغضب.

​عادت خطواته إلى الشقة في ذلك المساء.

​سألته ليان وهي تنظر إليه بعينين خائفتين: «ماذا ستفعل؟ أنا لا أستطيع الدفع، ولا أملك مكاناً نذهب إليه… ولكن إذا غادرت الشقة، كيف ستعرف أمي أين تجدني عندما تخرج؟».

​أغمض نعمان عينيه للحظة. لم تكن ليان تقلق على نفسها، بل كان كل همها ألا تفقد أمها طريقها إليها.

​قال لها بنبرة صلبة ومطمئنة: «لن تذهبي إلى أي مكان. لن أسمح لشيء كهذا بأن يحدث… أعدكِ».

يتبع ….

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى