منوعات

جاء المليونير لطرد المستأجرة

عندما طرق باب الشقة (4ب)، وكان طرقه هذه المرة رقيقاً وهادئاً، فتحت ليان الباب بسرعة أكبر من المرة الأولى. رفع نعمان أكياس البقالة قائلاً: «أحضرت لكِ بعض الأشياء». وضع الأكياس جانباً، ثم جثا على ركبتيه ليكون في مستوى نظرها وسألها: «هل أستطيع الدخول لدقيقة؟». لم تجب بالرفض، بل تنحت جانباً لفسح المجال له.

​سألها إن كانت قد تناولت طعامها، فهزت كتفيها وقالت بصوت خفيض: «خبز قليل مع بعض الملح».

مقالات ذات صلة

​جلس نعمان على الكرسي الوحيد الذي بدا متماسكاً في الغرفة وسألها: «هل أمكِ ما زالت في المستشفى؟». أومأت برأسها وهي تنظر إلى الأرض.

​«منذ متى؟»

​«منذ ثلاثة أيام.»

​«ومن يعتني بكِ الآن؟»

​«لا أحد… أنا بخير.»

​انعصر قلبه ألمًا، وسألها: «لماذا كنتِ تخيطين بالأمس؟».

​رفعت ليان رأسها، وللمرة الأولى بدت مستعدة للحديث: «عليّ أن أسلّم بعض أغطية الوسائد. السيدة أم سمير تعطيني بضع دراهم إذا أنهيتها بسرعة وبشكل جيد».

​«ومن هي السيدة أم سمير؟»

​«تسكن في الطابق الثالث، هي من علمتني الخياطة عندما مرضت أمي».

​«وما الذي تعاني منه أمكِ؟»

​صمتت ليان قليلاً، وعضت على شفتها وهي تسترق النظر نحو الباب كأنها تريد الهرب، ثم قالت بصوت خافت كأنه همس: «سرطان الدم (اللوكيميا)».

​«وماذا يقول الأطباء؟»

​«تقول إنها بحاجة إلى أدوية ونقل دم وعملية جراحية».

​«هل لديكما تأمين صحي؟»

​«لا».

​مرر نعمان يده على وجهه وهو يزفر بضيق. كان رجل أعمال يدير الصفقات الكبرى من مكتبه المكيّف الفاخر، وها هو الآن في غرفة مظلمة كادت الستائر تمنع عنها نور الشمس، يستمع لطفلة في السابعة تشرح له كيف تحارع الموت الخفي في جسد أمها، وكيف تخيط لتأمين لقمتها.

​«لماذا لم تخبريني بهذا بالأمس؟» سألها.

​هزت ليان كتفيها: «ظننت أنك لو عرفت الحقيقة فستطردنا من الشقة أو تستدعي دار الرعاية للقبض عليّ».

​وقعت كلماتها عليه كالصاعقة؛ لم تكن ليان خائفة من الغرباء، بل كانت خائفة من النظام، خائفة من الكبار الذين يتخذون القرارات دون علم الصغار، وخائفة من أن تُبعد عن أمها.

​قال لها بنبرة حازمة ومطمئنة: «لن أفعل ذلك أبداً. لن أأخذكِ إلى أي مكان دون موافقتكِ. كل ما أريده هو المساعدة».

​وللمرة الأولى، نظرت إليه ليان بشيء يشبه الثقة، وسألته: «من أنت أساساً؟».

​ابتسم نعمان ابتسامة خفيفة وقال: «لنقل إنني صاحب هذا المبنى… لكن اليوم، أنا لست هنا بصفتي صاحب الملك؛ اليوم أنا فقط نعمان».

​أومأت برأسها ببطء، ثم صبت له كوباً من الماء في كاس بلاستيكي.

​وبينما كانت تطلع على أغطية الوسائد التي تعمل عليها، لاحظ نعمان دفتر رسم في الزاوية مليئاً بالرسومات: رسمة لـ ليان وامرأة مستلقية وتتصل بها أنابيب طبية، وابتسامة حزينة ترسم وجههما، وبينهم قلب كبير، وتحت الرسمة كُتب بخط يد طفولي متعرج: «كل شيء سيكون بخير يا أمي».

​في تلك اللحظة بالذات، أدرك نعمان أن عليه التصرف فوراً، مهما تطلب الأمر.

​خرج من الشقة وهو يشعر بألم يعصر صدره. وقبل أن يغادر البناء، توقف عند الشقة (3أ)، حيث تسكن العجوز أم سمير، الجارة التي ترى كل شيء من نافذتها ولا تخفي الحقيقة.

​قالت أم سمير وهي تدعوه للدخول قبل أن يسألها حتى: «تلك المسكينة سارة، تصارع هذا المرض الخبيث منذ أشهر. والصغيرة ليان، يرحمها الله، تحاربت مع الدنيا بمفردها منذ أن عادت أمها للمستشفى. ليس لديهم أي عائلة أعرفها. تستيقظ الطفلة مبكراً، تشتري الخبز، تنظف البيت، تغسل الملابس بيدها، وتخيط فوق كل ذلك! أسمعها تبكي أحياناً في الليل، ولكن ماذا عسى عجوزاً مثلي أن تفعل؟».

​شعر نعمان بغصة تخنقه، فسألها: «هل تعرفين في أي مستشفى هي الآن؟».

​«في المستشفى الحكومي الكبير وسط المدينة، في قسم الأورام. أخذت لها بطانية مرة لأن الليالي هناك باردة جداً. لا أحد يزورها، سوى ابنتها عندما تستطيع».

​شكرها نعمان وغادر مسرعاً. اتصل بمديرة مكتبه لتلغي اجتماعاته المهمة لهذا اليوم، وقاد سيارته مباشرة نحو المستشفى، متوقفاً في الطريق لشراء بعض الفواكه والعصائر وبطانية ثقيلة.

​وجد سارة في الطابق الثالث؛ كانت نحيلة، شاحبة الوجه، وشعرها مقصوص بشكل قصير.

 

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى