
قبل خمسة عشر عامًا، كان لدينا طفلان، وحبٌّ ظل دافئًا وبسيطًا حتى بعد كل تلك السنوات…كان يدفئ جانبي من قبل أن أستلقي بجانبه.
كنت أظن أنني أعرف كل شيء عنه.
ثم جاءت كلمات الطبيب التي حياتنا.
المرحلة الرابعة من السړطان. لا يوجد علاج يمكنه شفاؤه، وكل ما نستطيع فعله هو تخفيف آلامه.
منذ ذلك اليوم، بدأ ديفيد يذبل أمام عيني يومًا بعد يوم.
أصبح جسده أضعف.
وصوته أكثر خفوتًا.
وحتى ابتسامته صارت تبدو وكأنها تتطلب جهدًا كبيرًا.
لكنني أدركت سريعًا أن المړض لم يكن الشيء الوحيد الذي يثقل قلبه.
في بعض الليالي كنت أستيقظ فأجده يحدق في السقف.
كان في عينيه خوف…
وشيء آخر.
شعور عميق بالذنب.
كلما سألته عمّا يقلقه، كان يضغط على يدي ويقول إنه مجرد إرهاق.
وفي إحدى الأمسيات، فتح درج الطاولة بجوار سريره وأخرج صورة قديمة.
كانت لفتاة مراهقة تنظر إلى الكاميرا بملامح هادئة وحزينة.
بدت في السادسة عشرة تقريبًا.
همس قائلًا
-
بعد ايام من ولادتي تؤاميمنذ 32 دقيقة
-
خرجت من جراحة في العمود الفقريمنذ 40 دقيقة
-
كان ينتظرهم شئمنذ ساعتين
-
سارة خليفهمنذ 5 ساعات
اسمها غريس… وأريدك أن تتبنيها قبل أن أموت.
تجمدت في مكاني.
وبرَدَت يداي وأنا أمسك بالصورة.
قلت بصوت مرتجف
من هي؟… ديفيد، هل هي ابنتك؟
أغمض عينيه وكأن السؤال آلمه.
ثم قال
سأشرح لك كل شيء… لكن أولًا، أرجوكِ اجعليها فردًا من عائلتنا.
ربما كان أي شخص آخر سيطالب بالحقيقة أولًا.
وربما كان سيرفض تمامًا.
لكن ديفيد كان يحتضر…
وأحببته أكثر من أن أرفض آخر أمنية طلبها مني.
بعد أيام قليلة، وصلت غريس.
كانت تحمل حقيبة ظهر قديمة، وكيسًا بلاستيكيًا يضم كل ما تملكه تقريبًا.
رحبت بها في المنزل، لكنني لم أستطع التوقف عن مراقبتها.
كل تعبير في وجهها.
كل حركة تقوم بها.
وكل مرة تنظر فيها إلى ديفيد.
كنت أبحث في ملامحها عن أي شبه به، وأتساءل إن كان زوجي قد أخفى عني ابنة طوال سنوات زواجنا.
أما طفلانا، فقد تقبلاها بسرعة.
كانت تساعد في إعداد الطعام.
وتساعدهما في الواجبات المدرسية.
وتجلس بجوار ديفيد عندما أحتاج إلى الراحة.
وكان كلما دخلت غرفته، يحدث شيء غريب.
تسترخي ملامحه المتعبة.
وتلمع عيناه.
ولبضع دقائق، يعود الرجل الذي عرفته قبل المړض.
لكن كان واضحًا أن بينهما سرًا.
كانت تدخل غرفته وتغلق الباب خلفها.
ويتحدثان بصوت منخفض لا أستطيع سماعه.
وفي أحد الأيام، مررت بالممر وسمعت غريس تبكي داخل الغرفة.
وعندما سألت ديفيد لاحقًا، كرر الجملة نفسها التي كان يقولها دائمًا
لاحقًا… ستفهمين كل شيء لاحقًا.
بعد أسبوعين فقط من انتقال غريس إلى منزلنا…
ټوفي ديفيد في المستشفى.
مرّت الچنازة كأنها حلم مشوش…
زهور…
تعازي…
ووجوه بالكاد استطعت تمييزها وسط حزني.
وفي اليوم التالي، بينما كنت أجلس وحدي في غرفة النوم، ظهرت غريس عند الباب.
بدت شاحبة وخائڤة.
قالت بهدوء
هناك شيء يجب أن تعرفيه… أنتِ لا تعرفين من كان زوجك حقًا.
نظرت إليها مذهولة.
قلت
عمّ تتحدثين يا غريس؟ لقد ډفنا ديفيد بالأمس فقط… ألا يمكن أن ينتظر هذا؟
ببطء، أخفت يدها خلف ظهرها.
وحين رأيت ما كانت تمسكه…
تشنج جسدي كله.
هزت رأسها وهمست
لا… لا يمكنه الانتظار.
دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها.
ثم قالت
ديفيد جعلني أعده أن أخبرك بالحقيقة… لكن فقط بعد
رحيله.
حكايات حماده
أغلقت غريس الباب برفق، ثم مدت يدها إلى الأمام.
كانت تحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا، تعلوه خدوش قديمة، ومفتاحًا نحاسيًا مربوطًا بخيط جلدي.
شعرت بانقباض في صدري.
ما هذا؟
قالت وهي تضع الصندوق على السرير ديفيد طلب مني ألا أفتحه أبدًا إلا بعد ۏفاته… وبحضورك.
ترددت للحظات، ثم أدرت المفتاح.
صدر صوت طقطقة خاڤت.
داخل الصندوق كانت هناك عشرات الرسائل، وصور قديمة، وملف طبي، وظرف كُتب عليه بخط يد ديفيد
إلى زوجتي… المرأة التي أنقذت حياتي دون أن تدري.
بدأت أقرأ، وكانت يداي ترتجفان.
إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أعد موجودًا. وأول ما أريدك أن تعرفيه هو أن غريس ليست ابنتي.
توقفت أنفاسي.
التفتُّ إلى غريس بسرعة.
كانت تبكي بصمت.
أكملت القراءة.








