
جدي بطل ياكل أول ما عرف إني بدفع إيجار لأبويا وأمي كل شهر… في الوقت اللي أختي عايشة معاهم ببلاش هي وعيالها الاتنين! ساعتها حط الشوكة على الطبق وقال جملة محدش كان متوقعها… وقلبت الدنيا.
ريحة الفراخ المحمرة والمحشي كانت مالية السفرة ليلة العيد، بس أنا مكنتش حاسس بأي حاجة. صوت الضحك والألعاب النارية برا، والأطفال اللي بيجروا في الشارع… كله كان كأنه بيحصل في عالم تاني.
لأن جملة واحدة اتقالت جوه البيت غيرت كل حاجة.
جدي عبد الرحيم نزل الشوكة من إيده بالراحة، وبصلي من آخر السفرة وقال
إزاي إنت بتدفع إيجار لأبوك وأمك… وأختك منى عايشة هنا هي وعيالها الاتنين ببلاش؟
البيت كله سكت.
أمي أمينة عضت على شفايفها، وأبويا حسن ضحك الضحكة الباردة اللي كان بيستخدمها كل ما يحب يطلع الظلم كأنه حاجة عادية.
قال
يا بابا بلاش تفتح الموضوع ده… أحمد عنده 26 سنة، ومن الطبيعي يساهم في مصاريف البيت.
لكن جدي مكانش باصص له…
كان باصصلي أنا.
يا أحمد… بتديهم كام كل شهر؟
بلعت ريقي بصعوبة.
8000 جنيه.
-
كان عندي 10 سنين لما مرات أبويامنذ ساعة واحدة
-
حدث قوي حكايات اسمامنذ 24 ساعة
-
الحصانمنذ 24 ساعة
-
المشكلة مش هنامنذ يومين
ستي حطت إيدها على وقالت
8000؟!
أمي استعجلت وقالت
ده مش إيجار… ده مجرد مساعدة للبيت، وكل واحد بيساعد على قد ما يقدر.
بصيت لكل اللي قاعدين على السفرة، وقلت لأول مرة الكلام اللي كنت بكتمه سنين.
أنا بنام في الأوضة الصغيرة اللي ورا السطح.
.. بجيب أكلي على حسابي، بدفع فاتورة موبايلي، وبنزين عربيتي، وتأمينها، ونص فاتورة الكهرباء وكمان الإنترنت.
أختي منى رفعت راسها وقالت باستهزاء
يا سلام يا أحمد… بتتكلم كأننا رابطينك بالسلاسل.
قلت بهدوء
أنا مقولتش كده.
ردت بسرعة
بس ده اللي بتحاول توصله. أنا عندي طفلين… وإنت متعرفش المسؤولية عاملة إزاي.
بصيت لها وقلت
إنتِ أصلًا مبتدفعيش حضانة… أمي هي اللي بتربي كريم وآدم كل يوم.
في اللحظة دي الجو اتقلب
.
أبويا خبط بإيده على السفرة وقال
خلاص… كفاية.
لكن جدي ما اتحركش.
أوقات كتير الناس بتفتكر إن الوقوف مع العيلة معناه تدافع عن أكتر واحد بيعلي صوته… لكن الحقيقة إن الشخص اللي بيتقال عليه أناني، بيكون أوقات أول واحد قرر يبطل يسكت.
جدي بص لأختي وسألها
يا منى… إنتِ بتدفعي أي حاجة مقابل قعدتك هنا؟
فتحت بقها…
ومطلعش منها ولا كلمة.
أبويا رد بدلها
لسه بتحاول تقف على رجليها بعد طلاقها.
جدي هز راسه وقال
وبقالها كام سنة بتحاول؟
أمي بصت في الأرض وقالت
مش كده يا عبد الرحيم.
لف جدي بعينه على الكل وقال
اللي مش عدل إن ابن يندفع منه فلوس عشان ينام في أوضة ضيقة، بينما بنته عايشة في البيت، وأكلها وشربها وعيالها على حسابه، وكل مرة تلاقولها ألف عذر.
منى زقت الكرسي بعصبية وقامت.
إنت مالكش حق تتكلم عني بالشكل ده!
جدي رد بهدوء
اقعدي.
ولأول مرة من سنين…
سمعت الكلام وقعدت.
بعدها بصلي وسألني السؤال اللي وجعني بجد.
بقالك قد إيه بتدفع؟
قلت بصوت
من وأنا عندي 19 سنة.
أمي بسرعة قالت
هو اللي عرض يساعد.
بصيت لها وقلت
أنا عرضت أدفع 2000 جنيه… بعدين بقوا 4000… وبعدها 6000… ودلوقتي 8000.
أبويا ضغط على سنانه.
كل حاجة غليت… وإنت مش قاعد في فندق.
بصيت له وقلت
بس منى قاعدة ببلاش.
ضحكت بمرارة وقالت
عندي أطفال يا أحمد… مضايقك إن ولاد أختك بياكلوا؟
قلت وأنا ببصلها في عينيها
اللي مضايقني إنكوا كل مرة تستخدموا عيالك حجة عشان تخلوا حياتي أقل قيمة.
السفرة كلها سكتت.
أمي بدأت تعيط.
وقالت
إنت البيت.
قلت وأنا حاسس بالقهر
أنا مش بخربه يا أمي… أنا بس بقول الحقيقة اللي كلكوا عارفينها.
أبويا شاور عليا بإيده وقال
اتكلم مع أمك باحترام.
في اللحظة دي…
جدي وقف.
وقال بصوت ثابت
لأ… إنت اللي المفروض تبص لنفسك وتشوف عملت فيه إيه طول السنين دي.
أبويا وقف هو كمان وقال بعصبية
ده بيتي.
رد جدي بمنتهى الهدوء
البيت ده اشتريته لما سلفتك مقدم الشقة وقت ما كنت غرقان في الديون… بلاش تنسى.
وش أبويا اصفر.
وأنا لأول مرة أعرف الحقيقة دي.
جدي لبس الجاكيت بتاعه وقاللي
يا أحمد… روح هات حاجتك.
أمي بصت له بذهول.
يعني إيه؟
قال
هييجي يعيش معانا من الليلة.
أبويا ضحك، لكن صوته كان مهزوز.
ده عايش تحت سقف بيتي.








