
أبويا خفض راسه ومش عايز يرد، فجدي رد بدله
أيوه يا بنتي، وكل ما كنت أطلب منك تروحي تشتغلي وتعملي حاجة بنفسك، كان يقوللي خلها ترتاح شوية، هي تعبانة من الجواز، وهو في الحقيقة بيخليك تعتمدي عليه عشان يقدر يتحكم فيك وفي كل حاجة تخصك، ويخليك تشوفي أخوك عدو ليك عشان تفضلي معاه وتكوني في صفه طول الوقت.
منى رجعت لورا لحد ما خبطت في الكرسي، وقعدت ببطء وعيونها مغرقة دموع. كانت عايزة تتكلم بس مش عارفة تقول إيه، كل اللي كانت مؤمنة بيه طول السنين بيتكسر قدام عينيها واحدة واحدة.
جدي لف بص لأمي وقال لها بهدوء مش عايز يجرحها بس عايز تقول الحقيقة
وأنتِ يا أمينة… أنا عارف إنك طيبة القلب، وإنك بتحبي ولادك كلهم، بس خوفك من جوزك وخوفك من المشاكل خلاكي تساعديه في الظلم ده، وخلتك تضحي بآرائك وبحق ابنك عشان تفضلي البيت هادي. كنتي تعرفي إن أحمد بيدفع أكتر من طاقته، وكنتي تعرفي إن الأوضة اللي نايم فيها مش صالحة لحد، وكنتي تعرفي إن منى تقدر تشتغل وتساعد نفسها، بس كنتي ساكتة، وكنتي تقولي ليه أبوك عارف أحسن، وكل حاجة هتتصلح، وكل ما يمر يوم بتتأكد الحقيقة إن مفيش حاجة بتتصلح لوحدها.
-
منظر ممكن تشوفهمنذ ساعة واحدة
-
حفيدة الشيخ علي جمعةمنذ 9 ساعات
-
داخل مصرفمنذ يومين
أمي بدأت تعيط بصوت عالي وقالت
أنا آسفة يا عبد الرحيم… أنا كنت خايفة، كنت فاكرة إن ده الحل الوحيد عشان ما يتفرقش البيت، مكنتش عارفة إن ده بيجري على حق أحمد كله…
قال جدي
الدمع مش بيرجع الحق يا بنتي، والندم مش بيعوض السنين اللي راحت. الحل إننا نبدأ من دلوقتي نصحح كل حاجة غلطناها، وإننا نعطي كل واحد حقه مهما كان الثمن.
بعدها بصلي جدي وقال
وأنت يا أحمد… أنا عارف إنك تعبت كتير، وعانيت أكتر مما أي حد يتحمل، وعرفت إنك كنت بتدفع الفلوس دي عشان تثبت إنك كفء، وعشان ترضيهم، وعشان ما يخسروكش، وكنت فاكر إن لو عملت كل حاجة هيعرفوا قيمتك. بس الحقيقة إن اللي بيحبك هيشوف قيمتك من غير ما تدفع ولا قرش واحد، واللي مش عايز يشوف قيمتك مهما عملت هيفضل يشوفك ناقص.
كنت واقف ومش عارف أتكلم، دموعي كانت بتسيل من غير ما أحس، وكل
كلمة بيتقالها كانت بتشيل حمل تقيل كان جوايا من سنين طويلة، كأني كنت شايل جبل على كتفي وفجأة اتشال من فوقي.
أبويا رفع راسه فجأة وقال بغضب مختلط بالخوف
وإيه اللي عايز تعمله دلوقتي؟ تاخد مني؟ تفرقنا كلنا؟
جدي رد بكل هدوء وثبات
أنا مش عايز أفرق حد، ولا عايز آخذ حاجة من حد إلا الحق. الشقة دي لما سجلتها باسمك كنت قايللك إنها أمانة، فأنا هطلب منك تغير الورق وتجعلها مكتوبة لثلاثتك ليكِ ولأحمد ولمنى، كل واحد ليه نصيبه متساوي، ولا فرق بين حد وحد. ومن النهارده مفيش حد بيدفع إيجار ولا مساعدة إجبارية، كل واحد بيعطي على قد ما يقدر وعلى راحته، ومش هنطلب من حد حاجة
.
كمل وقال
وأحمد هيعيش معايا أنا وستة في البيت بتاعنا لحد ما يبني حياته بنفسه، ولو عايز يرجع هنا في أي وقت هيلاقي أوضة واسعة ومكان كريم، ومش هيدفع ولا قرش واحد مقابل قعدته هنا. ومنى… أنا هساعدك تشتغلي وتعملي مشروعك الصغير من جديد، وهعلمك تعتمدي على نفسك عشان تربيعي ولادك وتبقي قدامهم قدوة، مش عشان تفضلي عالة على حد مهما كان قريب منك. ولو عايزة تفضلي هنا مع أبوكي وأمك فده حقك، بس من النهارده هتساعدي في مصاريف البيت على قد ما تقدر، ومش هتبقي كل حاجة عليهم وحدك ولا على أحمد.
ستي كانت عمالة تمسح دموعها وتبص لجدي بفخر، وقالت بصوتها الحنون
كل ده كلام صحيح يا عبد الرحيم، وكلنا لازم نسمع الكلام ده ونعمل بيه. كفاية ظلم بقي، وكفاية خوف، العيلة مش تفرق فلوس ومصاريف، العيلة حب وعدل ومساندة.
منى قامت من مكانها ومشيت نحوي خطوات بطيئة،
وعيونها كلها دموع، وقالت بصوت مهزوز ومليء بالندم
أنا آسفة يا أحمد… أنا كنت غبية، وكنت شايفة الحاجة من جهة واحدة بس، وكنت بستخدم عيالي عشان أبرر كل حاجة، ومكنتش شايفة قد إيه أنا ظالماك. كنت فاكرة إنك بكرهني وبكره ولادي، ومكنتش عارفة إن اللي بكرهه هو الظلم مش أنا. سامحني يا أخي، أرجوك سامحني.
قربت منها ومسكت إيدها، وقلت بصوت كله دموع بس كله رحمة
أنا مسامحك من زمان يا منى، بس كنت محتاجك تشوفي الحقيقة زي ما أنا شايفها. وأنا مش بكرهك ولا بكره ولادك، العكس ده كل ما أملك من عيلة، بس كنت عايزك تعرفي إن كل واحد ليه كرامة، ولازم نعتمد على نفسنا عشان نكسب احترام الناس واحترام نفسنا.
أمي جت وقفت بينا وبكت وقالت
سامحني يا ابني… أنا كنت أمك ومش قمت بواجبي نحوك، وكنت ساكتة على ظلمك، ومش عارفة إزاي كنت أتجرأ أطلب منك كل ده وأنا عارفة مقدار تعبك. حقك عليا كل الحق، وإن شاء الله من النهارده هعوضك عن كل السنين اللي فاتت.
قلت لها وأنا بمسح دموعها
مش محتاج تعوضيني حاجة يا أمي، اللي عايزه بس إنك تكوني معايا، وإنك تشوفي الحقيقة، وإننا نبقى كلنا مع بعض بقلوب صافية من غير خداع ولا ظلم.
بقينا كده فترة طويلة كل واحد فينا بيقول كلام وبيعتذر، وكل واحد بيعرف أخطاءه، وجدي كان قاعد يتابعنا وابتسامة خفيفة على وشه، كأنه كان عارف إن اللحظة دي هتيجي في يوم من الأيام.
بعد ما هدأت الأمور شوية، جدي قال
يلا يا جماعة، كفاية بكاء وعتاب، النهارده عيد، والعيد فرحة ومحبة. خلينا نكمل أكلنا، وننسى كل اللي حصل، ونبدأ صفحة جديدة من النهارده، صفحة ما فيها غير الحق والعدل والمحبة.
رجعنا كل واحد لمكانه على السفرة، بس الجو كان اتغير تماماً، ما كانش فيه توتر ولا خوف ولا غضب، كان فيه راحة وقلوب طايرة من السعادة لأن الحقيقة طلعت وكل واحد أخذ حقه. الأكل اللي كنت مش شايفه طعمه من شوية بقى أطعم أكل أكلته في حياتي، لأن كل لقمة كنت بأكلها وأنا حاسس بكرامتي رجعت لي، وحاسس إن العيلة دي لسه فيها خير كتير.
من بكرة الصبح، جدي بدأ ينفذ كل كلامه. راح مع أبويا لمكتب المحامي عشان يغيروا الورق بتاع الشقة، واتأكد إن كل واحد ليه نصيبه متساوي، وما خلى أبويا يقدر يعترض ولا يقول كلمة. بعدين راح مع منى وساعدها تختار مشروع صغير مناسب ليها، واشترالها كل اللي محتاجاه، وعلمها كيف تبدأ وتشتغل بجد، ووقف جنبها لحد ما بدأت تحقق أرباح بسيطة لكنها كانت مبسوطة بيها جداً لأنها جاية من تعب جهدها مش من حد تاني.








