قصص و روايات

وعد الصعيد

كانت بتجري وسط الزرع والنفس بيتحرق جوه صدرها، فستانها اللي كان من ساعات رمز لفرحتها بصحبتها في ليلة عرسها، بقى دلوقتي عبارة عن خرقة دايبة بتتكعبل في رجليها الحافية. الصمت في غيطان الصعيد واعر، مبيسمعش غير صوت ضربات قلبها وهي بتهرب من رعد.. الراجل اللي عينه منزلتش من عليها طول الفرح، الراجل اللي فاكر إن كل حاجة ينفع تتاخد بالقوة.

 

مقالات ذات صلة

فجأة، خبطت في صدر صلب زي الحجر، صرخت وهي بتغمض عينها وبترجع لورا بانهيار:
لا.. ابعد عني.. أبوس يدك سيبني في حالي!
فتحت عينها براحة، لقت راجل واقفه هيبته تهد جبال، لابس جلبابه الصعيدي وواقف في نص الأرض ببرود وثبات. مكنش رعد، كان حد تاني خالص، ملامحه فيها قسوة الأرض بس عينه فيها لمعة شهامة.
يا فتاح يا عليم.. إيه اللي جابك هنا يا بت الناس في وقت زي ده؟ وإيه اللي عاملك فيكي كدة؟
وقعت تحت رجله وهي بتنهج بدموع:
أنا غريبة.. أنا ضيفة.. وديني عند كبير البلد، هما قالوا إنه راجل حقاني وهيحميني.. أبوس يدك وديني لدواره.
عاصم وطى مستواها، وبص في عينها اللي بتلمع بالرعب، صوته طلع رخيم وهادي بس فيه قوة تطمن بلد:
قومي يا بت القاهرة.. انشفي واصل. إنتِ وقفتي في المكان الصح.. أنا عاصم الهواري، وأنا كبير البلد اللي بتدوري عليه، والي دخل حدودي مفيش مخلوق يقدر يمسه، ولو كان جان من جنون الجبل.
سندها لحد وصلوا الدوار، وأمر الكل يخدمها، لحد مايشوف حكايتها الصبح.
الخبر وصل لـ رعد إن البنت اللي قلبت موازينه هربت وراحت لعدوه اللدود، عاصم الهواري. مكنستفه غير إنه يروح ياخدها، دخل الدوار ببرود ورجالته وراه، وعينه بتلف في المكان زي الصقر.
عاصم كان قاعد في صدر المضيفة، بيشرب قهوته ببرود يحرق الأعصاب، وأول ما رعد دخل، عاصم محركش ساكن، فضل باصص لفنجانه وقال بصوت واطي بس مسموع:
منور يا رعد.. بس مش عوايدك تدخل بيوت الناس من غير إذن.
رعد ضحك ضحكة صفرا وقال:
إحنا أهل يا عاصم، والبيت بيتنا.. أنا جاي آخد الأمانة اللي عندك، البنت ضيفة عندي وتاهت منهم في الزحمة، وهما قلقانين عليها.
عاصم رفع عينه وبصله بنظرة خلت رعد يبلع ريقه:
الأمانة اللي دخلت داري، خلاص بقت تخصني.. والبنت قالت إنها لا قريبتك ولا تعرفك، واستجرت بيا.. وإنت عارف عاصم الهواري كويس، اللي يستجير بيا ميتسلمش للي زيك. مايا خالد
الجو اتكهرب، ورعد قرب خطوة وبنبرة تهديد:
هتقوم مشاحنات بين الصاوي والهوارية عشان خاطر بنت مالهاش أصل يا عاصم؟ سلمها بالذوق أحسن ما تكبر الأمور بيننا.
عاصم قام ووقف بكل طوله، وبقى وشه في وش رعد:
لو الشدة هي اللي هتعليمك الأدب، فأنا حاضر.. البنت دي حمايتي، والكلمة اللي قلتها هي اللي هتنفذها.. اطلع بره يا رعد، وإياك رجلك تخطي حدود الأرض دي تاني طول ما هي فيها.
رعد خرج وهو بيتوعد.
عاصم أتأكد أن ورا البنت دي مشكلة كبيرة ولازم يفهمها..
الصبح طلع وشقاشق النور بدأت تملى الدوار، بس عاصم مكنش نام.. فضل طول الليل في المندرة عين مابتغفلش، بيفكر في البنت اللي أترمت في طريقه، وفي جراءة رعد اللي زادت عن حدها.
مايان صحيت على صوت زقزقة العصافير وريحة الخبيز اللي مالية المكان. نزلت بخطوات مهزوزة، لقت الحاجة آمنة أم عاصم واقفة وسط الفرن، وبنات الدوار حواليها. أول ما شافتها الحاجة آمنة، وشها نور وضحكت:
تعالي يا جمر.. تعالي يا بتي افطري وبلّي ريقك، ده إنتِ وشك كان مخطوف امبارح خطفة تقطع القلب.
مايان بكسوف حاولت تنسحب، بس حنية الأم في صوت الحاجة آمنة شدتها. بدأت تقعد معاهم، ومع الوقت، لقت نفسها من غير ما تحس بتمد يدها تساعدهم. أصلها كانت يتيمة وعاشت طول عمرها تعتمد على نفسها، فمقدرتش تقعد ضيفة والكل شغال حواليها.
خليني أساعدك يا طنط.. أنا بعرف أعجن شوية، كنت بساعد صاحبتي في القاهرة.
الحاجة أمنه أرتاحت وياها وقالت لها: اي طنط دي جولي ياما هتطلع منك جمر زيك.
ماياخالد
في الوقت ده، كان عاصم بيتمشى في حوش الدوار، وقف بعيد ورا نخلة، عينه جات عليها. شافها وهي بتضحك مع أمه، وشاف العفرة بتاعة الدقيق على مناخيرها.. لأول مرة يحس إن الدوار فيه روح جديدة، روح رقيقة مكنتش موجودة وسط الصعايدة وكلمتهم الناشفة.
مر أسبوع وكل ما يحاول يكلمها يفهم منها سبب غرض رعد منها وليه مصمم يرجعها دوارهم بتهرب منه وتخاف فيسيبها على راحتها لحد ماتيجي هي تحكي.
وفضل مراقبها من بعيد لبعيد. شافها بتنضف الخضار، وبترش الحوش بالماية قبل المغرب عشان البرودة، وبقت يدها في يد أمه في كل حاجة. الحاجة آمنة مكنتش بتبطّل كلام عنها قدامه:
يا عاصم يا ولدي، البنية دي رزق.. رقيقة وحسيسة، وبقت زي بنتي اللي مخلفتهاش، بس عينيها فيها غيمة حزن مابتفارقهاش واصل شوف حكايتها وحلها زي عادتك يا ولدي.
عاصم: حاضر ياست الكل هشوف مشكلتها وأحلها.
في يوم، عاصم دخل المطبخ فجأة وهي كانت لوحدها بتغسل المواعين. اتنفضت لما شافته، والصحن وقع من يدها اتكسر.
أنا.. أنا أسفة يا عاصم بيه، مكنتش أعرف إنك هنا.
قرب منها عاصم بخطوات هادية، ونظرة عينه كانت غريبة.. فيها حنية ممتزجة بحدة:
عاصم بس يا مايان.. مفيش بيه بيني وبينك. وإنتِ هنا مش خدامة، إنتِ هنا ضيفة.
مايان وشها جاب ألوان، وقلبها بدأ يدق بسرعة. الكرم اللي شايفاه منه ومن أهله بيخلي السر يتقّل على قلبها أكتر. كانت حاسة إنها بتخدعهم، إنها لو قالت الحقيقة عاصم هيرميها بره الدوار، أو رعد هيوصلها ويكمل كسرها وهي يتيمة.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى