
عاصم كمل كلامه وهو عينه في عينها:
أنا بعتّ ناس القاهرة يسألوا عليكي.. عرفت إنك يتيمة وبتشتغلي سكرتيرة في عيادة، وإنك متميزة وشاطرة.. بس لسه معرفتش إيه اللي يخلي رعد الصاوي يقلب الدنيا عليكي ويقول إنك ضيفته؟ رعد مبيعملش واجب مع حد يا مايان، إلا لو كان وراه مصلحة.. قوليلي يا بت الناس، إيه اللي مخبياه في عينيكي؟
مايان بدأت تترعش، والدموع بدأت تتجمع في عينها. عاصم قرب خطوة كمان، ويدُه القوية لمست كتفها براحة كأنه بيطمنها:
انطقي.. أنا حلفت أحميكي، والكلمة عندي عقد.
مايان مكنتش قادرة، بس كانت خايفة من حبه اللي بدأ يكبر وهي حاسة إنها بدأت تحبه وشايفه في عينه هو كمان أعجاب.
سكتت وهي بتبكي بصوت مكتوم، وعاصم كان واقف قدامها زي الجبل، بيحاول يفهم السكوت ده وراه إيه، وهو مش عارف إن السكوت ده هو اللي هيهد الجبل ده بعدين.
عاصم بدأ يشوف فيها سكنه، وهي بدأت تشوف فيه الأمان اللي عمرها ما عرفته، بس خايفه تلمسه.
فات شهر، وبقت مايان جزء من روتين الدوار. عاصم كان بيحب يراقبها وهي مش واخدة بالها. في يوم، كانت الدنيا شتا والجو برد واصل في الصعيد، عاصم رجع من الغيط ولقى مايان قاعدة في ركن في الحوش، وماسكة قميص من قمصانه كانت الخية بتاعته مقطوعة، وبتحاول تخيطه بتركيز والبرد منشف صوابعها.
وقف عاصم يراقبها، كانت بتنفخ في صوابعها عشان تدفيهم وترجع تكمل خياطة. قلب الكبير رقّ، قرب منها وقال بصوت واطي:
سيبي اللي في يدك ده يا مايان.. البرد في الحوش يِكسر العضم، قومي ادخلي جوه جِوار الفرن.
مايان اتخضت ورفعت عينها، لمعة الإعجاب في عين عاصم خلت وشها يورد رغم البرد:
خلاص يا عاصم، غرزتين وهخلص.. القميص ده غالي عندك، الحاجة آمنة قالتلي إنك بتحب تلبسه في القعدات الكبيرة.
عاصم ابتسم، ودي كانت نادرة، وطلع الشال الصوف اللي على كتفه وحطه على كتافها هي.. الشال كان فيه ريحته، ريحة أرض وهيبة. مايان حست بدفا غريب، دفا واصل لقلبها.
دفي كتافك.. والقميص فداكي، لو باظ نشتري غيره، بس إنتِ ميتعوضش تعبك.
مايان بصت في الأرض، الكلمة كانت كبيرة وقوية. عاصم حب يشيل التوتر، فبدأ يسألها عن حياتها في مصر، عن وحدتها، وعن أحلامها اللي اتسرقت. كانت بتحكي وهو بيسمع بقلبه قبل ودنه، لقى نفسه بيوعد نفسه إن اليتيمة دي مش هتعرف طعم اليتم تاني طول ما هو عايش.
وفي ليلة تانية، عاصم تعب شوية من نزلة برد شديدة. الدوار كله اتقلب، والحاجة آمنة كانت تعبانة مش قادرة تقف. مايان هي اللي سهرت جنبه، كانت بتعمله كمادات وتغيرله الماية طول الليل وهو غايب عن الوعي.
في لحظة، عاصم فتح عينه نص فتحة، لقى إيدها الناعمة على جبهته، وشعرها نازل على وشها بتعب. مسك إيدها وهو مش دريان، وقال بهمس:
متمشيش يا مايان.. خليكي هنا.. الدوار من غيرك ملوش طعم.
مايان قلبها كان هيقف، عيطت في صمت وهي بتبوس إيده من غير ما يحس:
يا ريت ينفع أفضل يا عاصم.. يا ريتني كنت قريبة لقلبك كفاية.
عاصم فاق الصبح، لقاها نايمة على الكرسي جنبه من التعب. بصلها بحب حقيقي، حب ملوش علاقة بالشفقة. بقى بيخلق أعذار عشان يكلمها، يطلب منها تعمل له القهوة مخصوص، يطلب رأيها في لون دهان في المندرة الجديدة.. كان بيحسسها إنها ست البيت مش مجرد ضيفة.
لكن وسط كل ده، كان رعد زي الخيال الأسود، بيظهر في أحلامها، ويظهر في نظرات رجالته اللي بيعدوا من قدام الدوار كل يوم. هي كانت بتموت من جوه، كل ما عاصم يقرب خطوة، هي ترجع خطوتين بخيالها، خايفة إن الحلم ده ينتهي بكابوس اسمه الحقيقة.
رعد مكنش من النوع اللي ينسى، والسكوت بتاعه كان هدوء ما قبل العاصفة. كان بيغلي وهو شايف إن عاصم الهواري مش بس كسر كلامه، لا ده كمان مأمن البنت وعامل لها شنة ورنة في الدوار.
في يوم، عاصم كان في الغيط، بيشرف على جني المحصول، والجو كان هادي زيادة عن اللزوم. فجأة، سمع صوت فرامل عربيات. رعد نزل من عربيته ومعاه رجاله.
عاصم وقف ببرود، وبص لرعد بنظرة سخرية:
إيه يا ولد الصاوي؟ جيت الغيط بموكب، خايف من شجر الذرة لا يطلعلك فيه عفاريت؟ مايا خالد
رعد قرب ووشه محقون بالغل:
العفاريت إنت اللي محضرهم يا عاصم. أنا جيت أقصر معاك الكلام.. البنت اللي عندك دي، أنا عارف إنك بدأت تتمسح فيها، بس حابب أقولك إنك بتلعب في أرض مش أرضك.. البنت دي كانت ضيفة في بيتي، والناس بدأت تتكلم، وصيتها بقى على كل لسان.. سلمها بالذوق، بدل ما أخلي سيرتك وسيرتها لبانة في بق الكل.
عاصم قرب من رعد لحد ما النفس بقى في النفس:
عرضك؟ إنت تعرف يعني إيه أصول أصلاً؟ البنت دخلت حمايا، ولو نملة لمستها يبقى حسابك معايا ثقيل.. والناس اللي بتتكلم، أنا أقطع لسانها، وإنت أولهم لو نطقت اسمها تاني.
رعد ضحك بصوت عالي ومستفز:
ماشي يا كبير الهوارية.. بكرة لما تعرف حقيقتها، إنت اللي هترميها. البنت دي مش زي ما إنت فاكر يا مغفل.. اسأل نفسك هي ليه بتهرب من عيني كل ما تشوفني؟ وليه مرعوبة من رعد بالذات؟
رعد سابه ومشي، بس الكلمات دي زرعت شك بسيط في قلب عاصم، مش شك في أخلاق مايان، لكن شك إن فيه مصيبة رعد عاملها وهي اللي مأثرة عليها.
عاصم رجع الدوار بالليل ووشه ميتفسرش، دخل لقى مايان واقفة في الطرقة بتستناه وبيدها فوطة عشان يغسل وشه من تراب الغيط. أول ما شافت عينه، قلبها انقبض.
مالك يا عاصم؟ فيك إيه؟ حد حصل له حاجة في الغيط؟
عاصم بصلها نظرة طويلة، نظرة كانت عايزة تخترق ضلوعها وتعرف المستخبي. مسك يدها فجأة وقال بصوت فيه نبرة غريبة:
رعد كان عندي في الغيط يا مايان.. رعد بيقول إنك كنتي في بيته وسيرتك بقت على لسان الناس.. رعد بيقول إن فيه حاجة أنا معرفهاش.
مايان حست إن الأرض بتلف بيها، دمها هرب من عروقها، والفوطة وقعت من يدها. كانت عايزة تنطق، بس لسانها اتجمد.
هو.. هو قالك إيه؟
عاصم ضغط على يدها براحة:
ميهمنيش هو قال إيه، يهمني إنتِ تقولي إيه.. أنا مش مصدقه، بس سكوتك ده بيحرقني يا مايان.. قوليلي مفيش بينك وبينه حاجة، قوليلي إنه كداب وأنا أروح أوقفه عند حده دلوقتي.
مايان بدأت تترعش بانهيار، مكنتش قادرة تبص في عينه. سحبت يدها منه وجريت على أوضتها وهي بتعيط بحرقة. عاصم فضل واقف مكانه، قلبه بيتعصر.. حاسس إن فيه حيطة سد بينه وبين البنت اللي عشقها، والحيطة دي رعد هو اللي بناها.
الليل دخل وسكنت الحركة في الدوار، بس النار اللي رعد قادها في صدر عاصم مكنتش راضية تهمد. عاصم فضل قاعد في الحوش، ماسك مسبحته وصوت حباتها وهي بتخبط في بعضها كان زي دقات طبول الحرب.
أما مايان، فكانت في أوضتها، قافلة على نفسها وبتموت في كل ثانية مية مرة. كلام رعد لعاصم كان معناه إن النهاية قربت، وإن الستر اللي استخبت فيه شهر كامل بدأ يتكشف. مكنتش خايفة من رعد، كانت خايفة من نظرة الاحتقار اللي ممكن تشوفها في عين عاصم لو عرف.
قامت ببطء، غسلت وشها، ولبست شالها الصوف، وقررت إن النهاردة لازم يكون آخر يوم للخوف. نزلت السلم بخطوات زي الخيال، لقت عاصم قاعد لوحده، ضهره محني لأول مرة وكأنه شايل جبل.
وقفت وراه وقالت بصوت مهزوز:
عاصم..
-
كنت بغير لاميمنذ 4 ساعات
-
كل يوم صبح جارتنامنذ 13 ساعة
-
الحارسمنذ 13 ساعة
-
عادت من غير ما تبلغ حدمنذ 13 ساعة








