
لما جه ميعاد تقديم العشا، حماتي ندهت عليا بصوت عالي: “يلا العشا يا سمر”.
شيلت الصواني التقيلة وخرجت بيها.. كنت مكسوفة من شكلي، جلابيتي المتبهدلة، وشعري اللي طالع من الطرحة من التعب، وريحة البصل والصلصة المغرقاني. بدأت أرص السفرة بحرج شديد، ووجسمي كله بيترعش من الكسوف، ورديت السلام عليهم بصوت خافت ومكسور، ولسه هلف ضهري علشان أدخل المطبخ تاني وأستخبى، أم العريس بحلقت فيا باستغراب، وبصت لحماتي وقالت بنبرة فيها عجب: “أمال مين دي؟ معرفتوناش عليها ليه من الصبح؟”.
في اللحظة دي اخت جوزي “منة” بصتلي، وشافت منظري المبهدل اللي ماليان بقع، وحست إن شكلي مش من مستواهم وميشرفش قدام أهل خطيبها الغني.. لقيتها بتبصلي بغضب وجحود، وقالت ببرود هز جدران قلبي: “دي شغالة عندنا.. خشي جوه هاتي باقي الأكل!”.
-
دخلت علي جوزيمنذ يوم واحد
-
داسمنذ يومين
-
جوزي طلب مني اخدم اختهمنذ 5 أيام
-
مصطفي وعايدةمنذ أسبوع واحد
أنا اتصدمت.. الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، كأن حد بقلم على وشي قدام الناس. الصدمة خلتني مش قادرة أتحرك. بصيت لأحمد.. بصيت لجوزي اللي ياما شيلت أهله علشانه، كنت مستنياه يتكلم، مستنياه يقولهم”دي مراتي، دي ست البيت “.. بصيت له وأنا مذهولة وكلي عتاب، وقلت في بالي هينصفني وهيجيب لي حقي..
لكن الصدمة الأكبر كانت منه هو.. أحمد اتصدم في الأول من رد أخته، بس في ثانية، راح موطي راسه في الأرض وسكت! سكت تماماً ونزل دماغه علشان ميكدبش أخته وعلشان الجوازة متبوظش..
حماتي لما لقت الجو اتهز، خافت والتوتر ظهر على وشها، فقالت بسرعة وبصوت آمر وهي بعينيها: “أيوه.. روحي هاتي العشا للناس اخلصي!”.
في اللحظة دي، وأنا باصة لجوزي وهو موطي راسه، وحماتي اللي بتأمرني، واخت جوزي اللي بتبصلي باحتقار.. في اللحظة دي بالذات، انكسر جوايا كل حبل ود، وفهمت إن محدش هياخد حقي غيري، ولقيت نفسي بقول بكل هدوء وثقة: “حاضر.. من عيوني”.
لفيت ضهري ودخلت المطبخ.. واللي عملته بعدها خلاهم كلهم يتجمدوا من الصدمه !!!!!!
وقفت في المطبخ، دقات قلبي كانت عاملة زي الطبول، وصوت الضحك والهزار اللي جاي من الصالة كان بيتحول في وداني لصفير مزعج. بصيت ليديا الشقيانة، لجلابيتي المبهدلة، وافتكرت نظرة أحمد وهو موطي راسه. . النظرة دي غسلت من قلبي أي حلم بالود أو العشرة، وصحّت جوايا وحش كان نايم.
قلت لنفسي: “بقى أنا الشغالة؟ تمام.. يبقى هقوم بدوري كشغالة بس على أصوله، واليوم ده مش هيعدي على خير.”
مسكت فوطة ومسحت عرق وشي ببرود تام، وبدأت أتحرك زي الآلة، بس بخطة مرتبة. دخلت الصالة وشيلت باقي الأكل، وحطيته على السفرة بكل هدوء. أم العريس كانت بتبصلي بترفّع، وحماتي ومنة كانوا بياخدوا نفسهم بارتياح فاكرين إن الليلة عدت وسلكت، وأحمد لسه عينه في الأرض مش قادر يرفعها فيا.
نزلت الأكل كله، ووقفت في جنب، وحماتي شاورتلي بإيدها من تحت لتحت بمعنى “غوري على المطبخ”. لكن أنا وقفت مكاني، وبأعلى صوت عندي، نبرة قوية وثابتة هزت السفرة، قلت:
ـ “بالهنا والشفا يا جماعة.. الأكل ده كله من إيد الشغالة سمر.. بس ياريت يا ست منة، ويا حماتي العزيزة، تفتكروا تدوني حسابي بتاع النهاردة، لأن المجهود ده كله وعزومة بالحجم ده لشخصين مهمين زي عريسنا وأمه، حسابها برا برة البيت مش أقل من ألفين جنيه، ده غير حساب الأيام والشهور اللي فاتت اللي كنت بخدمكم فيها ببلاش!”
السكوت حل على الأوضة كأن على رؤوسهم الطير. المعالق وقفت في الهوا، وأم العريس برقت بعينيها وبصت لمنة ولحماتي وقالت: “حساب إيه؟ وشغالة باليومية إزاي؟!”
هنا حماتي وشها جاب ألوان، وقامت تقف وهي بترتعش من الغل، وقالت بصوت هسيس: “ادخلي جوه يا بت أنتِ.. حساب إيه اللي بتتكلمي فيه قدام الضيوف؟ حسابك فوق بعدين!”
ضحكت بمرارة وصوت عالي وقلت لها: “لأ يا حماتي، الحساب لازم يكون قدام الأكابر، طالما الغيرة على المظاهر كلت قلبكم لدرجة إنكم تنكروا وجودي. العريس وأمه ناس محترمين ولازم يعرفوا الحقيقة.. أنا مش الشغالة اللي مأجرينها من برة.. أنا سمر، مرات ابنك أحمد المحترم اللي قاعد كاتم ومش ناطق ده! أنا اللي طابخة وخابزة ومنضفة البيت ده من يوم ما دخلته، وعلشان هدومي اتوسخت من عمايل العزومة لأخته، استخسرتوا فيا تخلوني ألبس وأنضف عشان مش من مقامكم!”
العريس اتصدم وبص لأحمد وقال له: “أحمد! الكلام ده حقيقي؟ ! دي مراتك؟!”








