
رد الطفل بثقة
كتبت عنك.
سكت الجميع، بينما امتلأت عينا مصطفى بالدموع.
فتح الولد الكراسة وبدأ يقرأ
قدوتي هو أبي، لأنه علمني إن الإنسان الكبير مش اللي معاه فلوس كتير، لكن اللي يحترم الناس كلهم، ويساعد المحتاج، وما يذلش حد أبدًا. بابا بيقولإن الكلمة الطيبة ممكن تغيّر حياة إنسان، وأنا نفسي لما أكبر أبقى زيه.
لم تتمالك الجدة نفسها، وانهمرت دموعها وهي تقول
الحمد لله… ربنا استجاب دعوتي، وطلع حفيدي شبه أبوه.
ابتسم مصطفى، ونظر إلى زوجته التي شاركته كل لحظة صعبة، وقال
الفضل بعد ربنا ليكي… لأنك عمرك ما شككتي فيا.
ابتسمت له وقالت
وأنت عمرك ما خذلتني.
وفي نهاية اليوم، التقطت العائلة صورة جماعية، وقف فيها الجميع جنبًا إلى جنب، بلا فرق بين غني وفقير، ولا كبير وصغير.
كانت صورة عادية في شكلها، لكنها كانت تحمل حكاية كاملة عن الاحترام، والتسامح، والكرامة، وكيف يمكن لموقف واحد مليء بالحكمة أن يغيّر قلوب عائلة بأكملها.
وهكذا بقي اسم مصطفى مرتبطًا في عائلته ليس لأنه أصبح ميسور الحال، بل لأنه أثبت أن الأخلاق هي الثروة الوحيدة التي لا تنقص مهما مرّ الزمن ومرت الأعوام، وكبر الأحفاد، وأصبحت الحكاية تُروى لكل جيل جديد.
وفي أحد الأيام، عاد ابن مصطفى من الجامعة، وقال لوالده
النهارده حصل موقف خلاني أفتكرك.
ابتسم مصطفى وسأله
خير يا ابني، إيه اللي حصل؟
قال
واحد من زمايلي كان لابس هدوم بسيطة، وبعض الطلبة كانوا بيتريقوا عليه. افتكرت كلامك، فقعدت جنبه واتكلمت معاه، وبعدها اكتشفنا إنه من أوائل الدفعة، وأخلاقه أحسن من ناس كتير.
نظر إليه مصطفى بفخر وقال
أهم حاجة إنك ما حكمتش عليه من شكله.
ابتسم الابن وقال
أنا اتعلمت منك إن احترام الناس مش محتاج سبب.
كانت الأم تتابع الحوار من بعيد، وابتسمت وهي تشعر أن الدرس الذي بدأ منذ سنوات لم ينتهِ، بل انتقل إلى جيل جديد.
وفي إحدى الليالي، جلست الجدة مع أحفادها وقالت
عايزين تعرفوا أكبر غلطة عملتها في حياتي؟
هزّ الأطفال رؤوسهم في فضول.
قالت
إني افتكرت يومًاإن قيمة الإنسان في فلوسه. لكن ربنا علمني على إيد مصطفى إن الإنسان الحقيقي يُعرف
بأخلاقه، لا بما يملك.
ثم أضافت وهي تنظر إلى مصطفى
سامحني يا ابني.
اقترب منها مصطفى، وقبّل رأسها وقال
أنا سامحتك من يوم ما اعترفتي بغلطك… وإحنا عيلة واحدة.
امتلأ البيت بالسكينة، وشعر الجميع أن أجمل ما ورثوه لم يكن مالًا ولا عقارًا، بل قيمة عظيمة اسمها الاحترام.
وهكذا بقيت الحكاية تُحكى في كل مناسبة، لتؤكد أن الكلمة قد تجرح، لكن الاعتذار الصادق يداوي، وأن الأخلاق تظل دائمًا أغلى من أي ثروة.
النهاية الحقيقية… أن الخير الذي يزرعه الإنسان في قلوب الناس يعيش بعده لسنوات طويلة وبعد سنوات طويلة، شاب شعر مصطفى، وأصبح يمشي بخطوات أهدأ، لكن ابتسامته بقيت كما هي.
وفي يوم تكريمه بعد إحالته إلى التقاعد، اجتمع زملاؤه وأفراد أسرته في قاعة صغيرة احتفالًا بمشواره.
وقف مديره وقال
كلنا اتعلمنا من مصطفى إن النجاح مش بس أرقام وإنجازات، النجاح الحقيقي إنك تسيب سيرة طيبة وقلوب بتحبك.
ثم طلبوا من مصطفى أن يقول كلمة.
وقف وسط تصفيق الجميع، ونظر إلى زوجته، ثم إلى أمه التي جلست في الصف الأول، وإلى أولاده وأحفاده، وقال
زمان افتكرت إن أصعب حاجة في الدنيا هي الفقر… لكن اكتشفت إن الأصعب هو إن الإنسان يخسر احترامه أو يظلم غيره. ربنا كرمني بناس وقفت جنبي، وعلمني إن التسامح أقوى من الانتقام، وإن الكلمة الطيبة ممكن تغيّر حياة كاملة.
ساد الصمت، ثم دوّى التصفيق في القاعة.
بعد انتهاء الحفل، اقترب حفيده الصغير وأمسك بيده وسأله
يا جدو… إيه أغلى حاجة سبتها لولادك؟
-
سبع سنين كاملةمنذ أسبوع واحد
-
في صباحيتي اراد زوجيمنذ أسبوعين
-
بنتي رجعت من رحلة مدرسيةمنذ أسبوعين






