Uncategorized

سبع سنين كاملة

كل حاجة، لحد ما الدنيا كلها صدقت إن اللي تحت التراب هو أنا. أمي كانت بتبكي من غير صوت. وهند كملت مش كده وبس… حتى التحاليل اتغيرت. كان في ناس ساعدته، وناس زورت التقارير، وناس  فلوس عشان الحقيقة تختفي.
قلت لها وأنا مش مصدق يعني كل اللي حصل… كان متخطط له؟ هزت راسها وقالت أيوه… وكل واحد خد فلوس سكت. وسكتت لحظة، قبل ما تقول بصوت كله وجع وفي واحد بنفسه لعب في نتيجة التحاليل، وخلى الكل يصدق إن الرفات بتاعي.

 

قلت بسرعة
وده فين دلوقتي؟
بصتلي هند نظرة خوفتني…
وقالت
اختفى… وبعد اختفائه، محدش عرف له طريق، ولا حتى إذا كان لسه عايش… أو اتخلصوا منه هو كمان عشان  السر معاه.
هند سكتت شوية، وكانت كل شوية تمسح  بطرف كمها، وبعدها بصتلنا وقالت بصوت عمره ما هيفارق وداني فاكرين إني كنت محبوسة في مكان واحد؟… وهزت راسها وهي بتبتسم ابتسامة كلها  ، وقالت والله العظيم، طول السبع سنين دول، ما كانوش بيسيبوني في مكان أكتر من كام شهر، أول ما يحسوا إن حد ممكن يشك أو يسأل، كانوا ياخدوني بالليل وأنا مغمية عيني، وأصحى ألاقي نفسي في بيت تاني، وباسم تاني، ومع ناس تانية، لدرجة إني في وقت من الأوقات نسيت أنا مين، وبقيت أخاف حتى أنطق اسمي الحقيقي.
كانت أمي بتسمعها  على صدرها وتقول يا  قلبي عليكي يا ضنايا… وأنا كنت كل ليلة أقعد عند   فاضي وأقرأ لك الفاتحة، وإنتِ عايشة ومستنية حد ينقذك.

هند حضنتها وهي بتبكي، وقالت والله يا أمي، كنت كل يوم بدعي إنك متصدقيش إني  ، لأن إحساسي كان بيقولي إن قلب الأم عمره ما بيكدب.
وبعدين بصتلنا وقالت أنا ما خرجتش لأنهم رقّوا لحالي، ولا لأن أبويا ضميره صحي، أنا خرجت لأن ربنا كتبلي عمر جديد، المكان اللي كنت محبوسة فيه اتعمل عليه مداهمة فجأة، والناس دخلت، وساعتها اكتشفوا إني مش  الوحيدة، كان في ناس غيري عايشين نفس الجحيم، وكل واحد فيهم كان ليه حكاية أبشع من التانية.
وسكتت لحظة، وبعدها مدت إيديها ناحية آخر ملف كان على الترابيزة، وقالت بس ده كله ولا حاجة… اللي جوه الملف ده هو اللي  وأنا لسه عايشة.
فتحت الملف قدامنا، وبدأت تطلع ورقة ورا ورقة، سجلات، وإيصالات، ورسائل قديمة مكتوبة بخط إيد أبويا، وأول ما شفت خطه، حسيت إن قلبي وقع، لأن ده نفس الخط اللي كان بيكتب لنا بيه رسايل العيد، ونفس الخط اللي كان بيكتب بيه لينا الأدعية ويعلقها في البيت.

قالت وهي بتقلب الورق أنا كنت فاكرة إن كل اللي عمله بدأ يوم عرف إني اكتشفت سره… لكن الحقيقة إن الكدب كان أكبر من كده بكتير، وأقدم من اختفائي بسنين.
قريت أول ورقة، وحسيت إن الأرض بتميد بيا، لأن كل اللي كنا عايشين عليه كان كدب، وكل الفلوس اللي كان بيقول إنها من تعبه وشقاه، كانت جاية من شغل عمره ما كان حلال، وكان طول الوقت يضحك على أمي، ويخليها تفتخر بيه قدام الناس، وهي ما تعرفش إنها كانت عايشة مع راجل بوشين.

وساعتها بس فهمت إن هند ما كانتش ضحية راجل غريب، ولا عصابة خطفتها من الشارع… هند كانت ضحية أبوها.
بعدها بأيام، سلمنا كل اللي كان مع هند، ومن اللحظة دي  اتفتحت من أول وجديد، وكل يوم كنا بنروح تحقيق، وكل يوم يطلع سر جديد، وكل يوم نكتشف إن اللي حصل ما كانش غلطة ولا صدفة، ده كان ترتيب معمول من سنين طويلة.
وفي وسط كل ده، صاحبة أمي كلمتنا وهي بتنهج، وقالت لقيت حاجة… والله اللي لقيته هيقلب  كلها.
ولما روحنا لها، طلعت جزء من الملف القديم، وقالت وهي بتورينا الورق بصوا كويس… الصفحات دي اتشالت، واتحط مكانها ورق تاني.

وبعدين طلعت تقرير قديم، وقالت التقرير ده اتدفن مع القضية، ومحدش شافه.
أخدته من إيديها، ولما قريته حسيت إن روحي خرجت مني، لأنه كان بيقول بالحرف إن الرفات اللي اتدفنت وقتها مافيش أي دليل مؤكد إنها تخص هند، وإن وقتها كان لازم التحقيق يكمل، لكن فجأة جه أمر بقفل  ، وإعلان  هند بشكل رسمي.
وساعتها أنا وأمي بصينا لبعض، ولأول مرة بعد السبع سنين، فهمنا ليه كانوا مستعجلين  ، وليه منعوا أي حد يدور أو يسأل أو حتى يشك… لأن طول ما هند ميتة على الورق، محدش هيفكر يدور على البنت اللي كانت لسه عايشة، ومحدش هيعرف إن الحقيقة كانت  مع جنازة عمرها ما كانت  .
من يوم ما القضية اتفتحت من أول وجديد، أبويا اختفى كأنه فص ملح وداب. لا رجع البيت، ولا رد على مكالمة، ولا حتى حاول يطمن على أمي، وكأنه كان مجهز من زمان مكان يستخبى فيه لو الحقيقة خرجت للنور.
ومرت الشهور…
وكل يوم كنا ندخل تحقيق، ونطلع من تحقيق، وكل مرة يظهر اسم جديد، أو ورقة  ، أو سر  من سنين.
لحد ما في يوم…
رن التليفون.

ولأول مرة من ساعة اختفائه، حسيت إن النهاية قربت.
لقوه.
كان مستخبي في شقة محدش يعرفها، متأجرة باسم شركة ورقية ملهاش أي نشاط، وكأنه كان عامل حسابه على اللحظة دي من زمان.
ولما دخلوا  عليه…
ما لقوش راجل هربان وبس.
لقوا أوراق مزورة،

ومستندات، وحسابات بأسماء مختلفة، وفلوس بالملايين، وأدلة أكدت إن كل كلمة قالتها هند كانت حقيقة.
وساعتها…
وقع واحد… وراه واحد.
بدأوا يقبضوا على كل اللي شاركوه، ناس زورت تقارير، وناس خبت ملفات، وناس  فلوس عشان الحقيقة تفضل  ، وكل واحد كان بيحاول ينقذ نفسه على حساب التاني.
لكن أكتر خبر هزنا…
ما كانش القبض على أبويا.
كان الخبر اللي جه بعدها بكام أسبوع.
بعد مراجعة بلاغات التغيب القديمة، وتحليل الحمض النووي، اتعرفت أخيرًا هوية البنت اللي  مكان هند.
كانت هي كمان مفقودة من سنين، وأهلها كانوا لحد آخر يوم مستنيين باب البيت يخبط وترجع لهم، من غير ما يعرفوا إنها كانت مدفونة طول الوقت… باسم بنت تانية.

والله العظيم.. .
ساعتها حسيت إن ربنا، حتى بعد العمر ده كله، رد للبنت دي حقها، ورجع لها اسمها، وخلى أهلها يودعوها الوداع اللي تستحقه، ويدعوا لها باسمها الحقيقي.
أما هند…
فالناس كانت فاكرة إن أول ما خرجت، الحكاية خلصت.
لكن الحقيقة…
إن أصعب حاجة ما كانتش الخروج.
أصعب حاجة كانت ترجع تعيش.
كانت تقوم من النوم مفزوعة، وتخاف من صوت الباب، وتنتفض لو حد علي صوته، وساعات تفضل قاعدة بالساعات ساكتة، تبص قدامها، وكأنها لسه محىىبوسة هناك.
وأمي…
ما كانتش بتسيبها لحظة.
كانت كل يوم تحضنها، وتمشي وراها، وتبصلها وهي نايمة، كأنها خايفة تصحى في يوم ومتلاقيهاش تاني.
أما أنا…
فيمكن أكتر حاجة  ، ما كانتش إن أبويا اتحكم عليه.
لكن إن الراجل اللي كنت أقول للناس طول عمري نفسي أبقى زيه… طلع هو اللي هدم بيتنا بإيده.
ومرت الأيام…

وحاجة عمرها ما كانت تيجي على بالي حصلت.
البيت اللي عاش سبع سنين كله وجع، بدأ يرجع يدب فيه الروح من تاني.
دخلنا  اللي اتقفلت من يوم ما قالوا إن هند  .
شيلنا الورد الدبلان، ولمّينا كل حاجة كانت بتفكرنا بالكدبة اللي عيشناها، وحتى الصورة الكبيرة اللي كانت معلقة على الحيطة، نزلناها.
هند وقفت قدامها شوية…
وبعدين خدت صورة قديمة لينا وإحنا صغيرين.
، وقالت
دي بس اللي هتفضل.
سألتها

ليه؟
ابتسمت ابتسامة وجعت قلبي، وقالت
عشان دي آخر مرة كنا فيها عيلة بجد… قبل ما الكدب يدخل بيتنا، وقبل ما الخوف  عمرنا.
والله العظيم…
الجملة دي فضلت ترن في وداني أيام.
وأمي…
كل صباح كانت أول ما تفتح عينيها، تبص لهند، وتحمد ربنا وهي بتبكي، بعد ما قضت سبع سنين تقرأ الفاتحة على  ، مالوش أي  ببنتها.
أما أنا…
فاتعلمت درس هيعيش معايا لآخر يوم في عمري.
اتعلمت إن مش كل حد بنحطه فوق راسنا يستحق الثقة.
وإن مش كل واحد الناس تشهدله بالصلاح… يبقى فعلًا صالح.
إحنا عيشنا سنين نصدق كدبة…
مش لأنها كانت قوية.
لكن لأن اللي قالها… كان أكتر واحد وثقنا فيه.
وساعتها فهمت…
إن أخطر كدبة…
مش الكدبة اللي بتتقال.
أخطر كدبة…
هي اللي بيقولها لك واحد، عمرك كله ما  على بالك إنه ممكن  .
ومن يومها…
بقيت مؤمن إن وجع الحقيقة، مهما كان قاسي، أهون بكتير من إنك تعيش سنين  .
أهون من إنك تصحى كل يوم، تدعي، وتبكي، وتقرأ الفاتحة…
وأنت فاكر إن حتة من روحك تحت التراب.
وبعد العمر ده كله تكتشف إن أختك ما كانتش تحت التراب

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى