
مسح دموعه وحسيت بنبرة صوته اتغيرت، الكسرة بدأت تتحول لجمود وقسوة، وقال
من اليوم مش هيدخلوا بيتي، وأمي دي فوق راسي بس علاقتي بيها حدودها هتبقى مكالمة وسؤال من بعيد، هما ميرضيهمش إني أكون راجل وصاحب بيت، هما عايزينني دايما مكسور وتحت طوعهم.
فات يومين والبيت عندنا كان كأنه سرادق عزا، الجو مشحون، ومصطفى نزل شغله ورجع وهو ساكت، بس بيحاول يتماسك قدامي. أنا كنت حاسة إن الهدوء ده وراه عاصفة، وحماتي مش من النوع اللي هيسكت بعدما خطتها فشلت وفلوس شيماء اتردت في وشها.
وفي اليوم الثالث، العصر كده، الباب خبط. قمت فتحت، لقيت أحمد، أخو جوزي الصغير، اللي الشقة كانت عشانه. كان واقف ووشه في الأرض، باين عليه الإحراج والكسوف.
دخلت وقلت له اتفضل يا أحمد، ادخل.
مصطفى خرج من الأوضة لما سمع صوته، وبص له بنظرة جافة من غير أي ترحيب. أحمد قعد على طرف الكنبة ومكنش عارف يبدأ منين، فضل يفرك في إيده شوية وبعدين قال
أنا أسف يا أبيه… والله العظيم أنا ما كنت أعرف إن أمي وشيماء هيعملوا كده. أنا عرفت باللي حصل في موضوع الفلوس وجيت جري، أنا ميرضينيش إنك تتكسر بسببي، ولا يرضيني أخد شقتك.
مصطفى أخد نفس عميق وقال له
الشقة دي موضوع وقفلناه يا أحمد، ومظنش إنك جاي عشان الشقة بس. أمك بعتاك تقول إيه؟
أحمد بلع ريقه وقال بصوت واطي
أمي زعلانة ومقاطعة البيت، وبتقول إنك أختك ورميت لها الفلوس في وشها، والناس في الحتة عمالة تتكلم. وهي… هي بتقول إنها مش هتسامحك إلا لو جيت واعتذرت ليها وبست على إيدها، ورضيت باللي هي عايزاه بخصوص الجوازة.
مصطفى ضحك ضحكة كلها وجع وسخرية
أعتذر؟ أعتذر عشان في وسط بيتها؟ أعتذر عشان أختك زقت إيدي والفلوس اتطوحتعلى الأرض؟ روح لأمك يا أحمد،
وقول لها مصطفى بيقول لك شكراً على التربية، وأنا معنديش اعتذار لحد، واللي عايز يزعل يزعل.
أحمد حاول يتكلم ويهدي النفوس
يا أبيه طيب فكر، دي أمك برضه، والناس بتاكل وشنا في الشارع.
هنا أنا مقدرتش أسكت، وقلت له
والناس مكلتش وشكم ليه يا أحمد وأخوك عشان ألفين جنيه؟ فين كان شكلكم والناس بتتفرج عليه وهو بيتهموه إنه مبيعرّفش يرجع فلوس الناس؟ معلش يا أحمد، اللي يخاف على شكل الناس، يحترم ابن عيلته الأول.
أحمد قام وقف وهو حاسس إن مفيش فايدة من الكلام، بص لمصطفى وقال له
أنا ماشي يا أبيه، بس بجد أنا مليش ذنب في كل ده، وأنا مستحيل كنت هقبل أعيش في شقة أنت تعبت فيها.
لما أحمد خرج، مصطفى بصلي وقال
تفتكري الموضوع هيقف لحد هنا؟ أمي مش هتسكت، أنا عارفها لما بتعوز حاجة وتتحداها، بتعمل المستحيل عشان تكسر كلمة اللي قدامها.
قلت له بثقة
طول ما إحنا إيد واحدة ومفيش بينا فجوة، محدش هيقدر يكسرنا يا مصطفى. سيبها على الله.
مر أسبوع كامل، والوضع هدي ظاهرياً، ومصطفىبدأ يرجع لطبيعته شوية بشوية، وبدأنا نركز في شغلنا وحياتنا ونحاول ننسى . وفي يوم الجمعة، كنا قاعدين بنفطر وبنخطط هنقضي اليوم إزاي، وفجأة لقيت تليفوني بيرن برقم غريب.
رديت، لقيت صوت راجل كبير ووقور بيقول لي
السلام عليكم، مدام منى معايا؟
قلت له أيوه يا فندم، مين معايا؟
قال أنا الحاج عبد العزيز، صاحب العمارة القديمة اللي فيها شقة والدة مصطفى.
قلبي انقبض فجأة، وحسيت بمصيبة جديدة جاية في الطريق. بصيت لمصطفى اللي كان باصص لي باستغراب، وقلت للحاج عبد العزيز
أهلاً وسهلاً يا حاج، خير في حاجة؟
الراجل سكت شوية وبعدين قال بنبرة كلها إحراج
والله يا بنتي أنا مكنتش عايز أكلمك أنتِ، بس والدة مصطفى قفلت تليفونها وأحمد مش بيقفل الخط في وشي. الشقة القديمة اللي تحت دي، حصل فيها تسريب مية رهيب من المواسير الداخلية، والمية دخلت على أساسات الدور اللي تحتها والسقف هيقع على الجيران، وأنا محتاج حد ييجي فوراً يفتح الشقة عشان نصلح الكارثة دي قبل ما نعمل محضر في القسم ونكسر الباب.
أنا هنا حسيت إنالدنيا اسودت في عيني. الشقة القديمة دي اللي حماتي كانت عايزانا ننزل نعيش فيها! الشقة اللي كانت بتقول عليها موجودة وخلاص ومفيش منها مشكلة.
قلت له حاضر يا حاج، ثواني ومصطفى هيكلمك.
قفلت الخط وبصيت لمصطفى، وشرحت له اللي حصل. مصطفى وشه اتغير وقام وقف بسرعة
تسريب إيه وسقف إيه؟ الشقة دي مقفولة بقالها سنة، وأمي كانت بتقولي إنها زي الفل ومش محتاجة غير وش نظافة!
نزلنا بسرعة وأخدنا تاكسي وطلعنا على العمارة القديمة. أول ما وصلنا، لقينا الجيران واقفين في الشارع والكل عمال يزعق ويصوت، وصاحب البيت واقف مستنينا. أول ما مصطفى فتح الباب… المنظر كان صدمة عمرنا ما تخيلناها..
الريحة كانت لا تطاق، والمية كانت مغرقة الخشب والعفش القديم كله، والحيطان مأكلة والرطوبة واصلة للسقف لدرجة إن المحارة كانت تقع على الأرض وإحنا واقفين. الشقة مكنتش محتاجة وش نظافة زي ما حماتي قالت… الشقة كانت عبارة عن خرابة منهارة تماماً ومحتاجة إحلال وتجديد يتكلف ألوف مؤلفة، والأساسات مهددة بالانهيار!
وفي وسط ما إحناواقفين مذهولين من حجم الكارثة والنصب اللي كنا هنقع فيه لو وافقنا، لقيت تليفون مصطفى بيرن… وبصينا على الشاشة لقينها… حماتي!
مصطفى فتح الخط وهو ايديه بترتعش وعينه على الحيطة اللي بتتشقق قدامه، وحماتي قالت بصوت كله برود مريب
إيه يا مصطفى؟ روحت الشقة القديمة ولا لسه؟ أهو ربنا كبير، والشقة باظت خالص عشان تعرف إنك لو كنت سمعت كلامي من الأول وجبت أخوك يعيش في شقتك الجديدة، كنا زماننا بعنا القديمة دي وخلصنا من قرفها… بس أنت اللي طماع، وأهو ربنا جاب حقي وحق أخوك منك!
مصطفى وقف متنح، ومبقاش عارف يرد يقول إيه، والصدمة الحقيقية كانت لما الجار اللي تحتنا دخل الشقة وهو ماسك في إيده ورقة رسمية وقال بصوت عالي قدام كل الجيران
المحضر ده معمول من شهرين يا مصطفى بيه! وأمك كانت عارفة إن الشقة فيها قرار تنكيس وإصلاح من الحي، ومخبية عليكم عشان تلبسوهالكم وتآخد شقتكم الجديدة ع الجاهز…
الدنيا لفت بيا، وبصيت لجوزي اللي حسيت إنه هيقع من طوله… لكن اللي حصل بعد كده كان أقوى من كل
-
كنا مشغلين ماتش لكاس العالممنذ ساعتين
-
مكالمة غريبةمنذ 3 ساعات
-
حلق بنتيمنذ 3 ساعات
-
بعد 20 سنة زواجمنذ يومين
. قرار تنكيس وإصلاح من الحي من شهرين! الجار كان واقف رافع الورقة الرسمية في وشنا، والناس كلها بتتفرج. مصطفى لسه التليفون في إيده، وصوت حماتي جايلنا منه وهي لسه بتتكلم بمنتهى البرود وتقول ألو.. ألو يا مصطفى؟ سكت ليه؟ ما تنطق!
مصطفى رفع الموبايل عند ودنه، وصوته خرج مخنوق، كأنه طالع من البير
أنتِ كنتِ عارفة يا أمي؟ كنتِ عارفة إن الشقة فيها قرار تنكيس من شهرين؟ وعايزاني آخد مراتي وأنزل أعيش في الخرابة دي عشان تقع فوق دماغنا، وتاخدي شقتي الجديدة تديها لأحمد ع الجاهز؟
الخط قطع فجأة… حماتي أول ما سمعت سيرة قرار الحي والمحضر، قفلت السكة في وشه علطول. الخوف من المواجهة خلاها تهرب، بس هروبها كان الإثبات الأكبر على إنها كانت رتبت كل حاجة بدم بارد.
الجار اللي تحتنا اتنهد وقال بصوت هادي شوية لما شاف وش مصطفى اللي بقا زي الأموات
يا ابني أنا أسف إني جرحتك بالكلام، بس أنا بقالي شهرين بترجى والدتك تفتح الشقة عشان نصلح قبل ما السقف يقع على عيالي، وهي كل مرة تقولي اصبر يا حاج عبد السميع، أسبوعين بالكتير ومصطفى ابني هيستلم الشقة وهيصلح كل حاجة على حسابه. أنا مكنتش أعرف إنها








