منوعات

غيابي

قلت له ببرود تام:
ـ تمام يا فندم، مفيش أي مشكلة. هبعت لحضرتك المنيو بالتفاصيل والأسعار على الواتساب على نفس الرقم

ده، وحضرتك اختار الأصناف وحدد عدد الأفراد، وعشان نعتمد الحجز، بندفع عربون 50% من إجمالي المبلغ، والباقي مع الاستلام.
قال لي بثقة وغطرسة:
ـ مش مشكلة الفلوس، ابعتي المنيو فوراً وأنا هحولك العربون حالا على المحفظة الإلكترونية باسم الشركة.
قفل الخط، وأنا فضلت واقفة باصة للموبايل وإيديا بتترعش.. بس مش من الخوف، من الفرحة! القدر هو اللي جابه لحد عندي، ورجله هي اللي اتسحبت للمصيدة من غير ما أعمل أي مجهود.
جريت علطول على الأوضة مسكت التليفون وكلمت المحامي، وكنت بتكلم بسرعة ومن كل قلبي:
ـ أستاذ أحمد.. صيد سمين وج لحد عندي، طليقي كلمني بنفسه يحجز بوفيه لفيته الأسبوع الجاي من غير ما يعرف طبعاً إني أنا صاحبة المشروع! وهيحول لي حالا العربون من محفظة الشركة!
المحامي ضحك بصوت عالي وقالي:

ـ يا فرج الله! ده هو اللي بيبعت لنا إثباتات أملاكه ورقم حسابات شركته على المقشر. اسمعي بقى يا أمنيه ، إحنا هنمشي معاه في الخط للاخر، واطلبي منه يبعت لك السجل التجاري أو بيانات الشركة عشان الفاتورة الضريبية لو طلب، وحولي لي بيانات التحويل دي فوراً.. إحنا كده هنرتب له المفاجأة الكبيرة في نفس يوم العزومة بتاعته!
قفلت مع المحامي وأنا حاسة إن طاقة جديدة جرت في عروقي، طاقة واحدة بتاخد حقها بإيديها. دخلت على الواتساب وبعت له المنيو والأسعار، وبمنتهى الذكاء والاحترافية قولت له:
ـ يا فندم عشان الإجراءات الحسابية للمطبخ، ياريت تبعت لي صورة السجل التجاري أو بطاقة الشركة مع تحويل العربون عشان نثبت الحجز باسم المؤسسة.

مفيش عشر دقائق، ولقيت رسالة بتأكيد تحويل مبلغ محترم على المحفظة، ومعاها صورة السجل التجاري لشركته! مسكت الموبايل وفضلت باصة للاسم.. اسمه الثلاثي جمب اسم شركتة الجديدة للمقاولات والتوريدات. أخدت “سكرين شوت” لكل حاجة وبعتها للمحامي وأنا بكتب له: “كده تمام؟”.
رد عليا في ثانية: “كده ورقنا كمل، والتحريات هتنزل على عنوان الشركة ده علطول. جهزي نفسك ليوم العزومة”.
الأسبوع ده مكنتش بنام فيه غير ساعتين في اليوم. كنت بشتغل بحماس مرعب، بجهز أكل يكفي أكتر من خمسين فرد، بس المرة دي مكنتش لوحدي، كنت مأجرة اتنين شيفات يساعدوني، وجايبة ستات من المنطقة ينظفوا ويقطعوا ورايا. المطبخ بقى خليه نحل. كل صنف كنت بعمله، كنت بحط فيه كل مهارتي، عايزة الأكل يطلع لوحة فنية، عشان لما الصدمة تيجي، تبقى على نضافة ووسط كل ضيوفه ومعازيمه.
وجيه يوم العزومة المنشود..
الصبح بدري، كلمت المحامي اتأكدت إن كل الإجراءات الإدارية والقانونية جاهزة، وقالي: “أنا مجهز المحضر ومعايا القوة، وهنتحرك بناءً على الميعاد اللي هتقوليلي عليه”.

جهزت الأكل كله في السرافيس الكبيرة، ولفيته بأحلى شكل، واتفقت مع شركة توصيل بعربيات مجهزة تنقل الأكل لحد باب الفيلا. وقبل ما العربيات تتحرك، لبست أحسن عباية عندي، عباية سوداء شيك جداً، ولفيت طرحتي، وبصيت في المراية.. مكنتش شايفة الست الغلبانة اللي كانت بتعيط في المطبخ من أسبوعين، كنت شايفة أم قوية، صاحبة عمل، رايحة تاخد حق عيالها بكرامتها.
وصلنا الفيلا.. نفس المكان اللي اتكسرت فيه من أسبوعين، بس المرة دي دخلت من الباب الكبير وأنا واقفة على رجلي. العربيات بدأت تنزل الأكل، والشغالة أول ما شافتني شهقت من المفاجأة ولطمت على صدرها وقالت بصوت واطي:
ـ أبلة؟! هو أنتِ صاحبة المطبخ؟!

ابتسمت لها بثقة وقولت لها:
ـ أيوا يا حبيبتي أنا.. دخلي الأكل ورصيه على السفرة برة علطول، مش في المطبخ.
وفعلاً، الأكل بدأ يترص، والروائح قلبت المكان، والضيوف ورجال الأعمال بدأوا يوصلوا ويدخلوا الصالون والجنينة، وطليقي واقف ببدلته الغالية والسيجار في إيده بيرحب بيهم، والست بتاعته جنبه مستعرضة فستانها ودهبها.
أنا وقفت في جنب بعيد، مستنية اللحظة الحاسمة. أول ما لقيت الصالون اتملى على آخره والكل بدأ يقعد، طلعت موبايلي ورنيت على المحامي:
ـ أسمفيش خمس دقائق، ولقيت جرس الباب بيرن رن متواصل وقوي، رن خلى الكل يسكت هيثم استغرب ويبص للشغالة عشان تفتح.
فتحت الشغالة الباب، ودخل أستاذ أحمد المحامي وبحزم وراه قوة من القسم، اتنين أمناء شرطة ومعاهم محضر تنفيذ. الصالون كله سكت، والمعازيم ورجال الأعمال بدأوا يبصوا لبعض بوشوشة واستغراب. هيثم وشه جاب ألوان، ساب السيجار من إيده وقرب بسرعة وهو بيحاول يداري كسفته وقال بصوت عالي
إيه ده؟ في إيه؟ أنتوا مين ودخلتوا هنا إزاي؟ أنتوا مش عارفين أنا مين ولا إيه؟

أستاذ أحمد المحامي خطى خطوة لقدام، وبكل برود وثقة طلع ورقة المحضر الرسمية وقاله بصوت جهوري سمعه كل اللي قاعدين
حضرتك الأستاذ هيثم؟ إحنا معانا أمر تنفيذ قضائي وحجز على المنقولات والسيارة، وأمر ضبط وإحضار في قضية تبديد ذهب ومؤخر صداق، وقضايا نفقة متجمدة لأولادك اللي سايبهم من غير مصاريف بقالك شهور، بناءً على التحريات اللي ثبتت دخلك وأملاكك وسجلك التجاري.
هيثم رجع لورا خطوة ووشه بقى أصفر زي الليمونة، وبدأ يتلعثم في الكلام وهو بيبص لمعازيمه اللي نظراتهم

ليه اتحولت لشك واحتقار
نفقة إيه ودهب إيه؟ أنتوا أكيد غلطانين في الاسم! أنا راجل أعمال معروف في السوق!
في اللحظة دي، قررت إن وقت الاختفاء انتهى. خطيت خطوات واثقة وطلعت أنا، أمنية من المدارى ووقفت في نص الصالون، عيني في عينه بكل قوة. أول ما هيثم شافني، عينه برقت وصدمته كانت أكبر من صدمة المحضر نفسه. بق مكنش قادر يفتحه، والكلمات طارت من لسانه.
بصيت له وابتسمت ابتسامة النصر وقولت له بصوت مسموع وواضح
لأ مش غلطانين في الاسم يا باشا.. المحضر مظبوط، والاسم مظبوط بالملي. مش أنت برضه اللي كنت بتدور على بوفيه يشرفك قدام رجال الأعمال؟ أهو الأكل ده كله من شقايا وتعب إيديا اللي كنت بتستعر منهم، والفلوس اللي كبرت بيها دي فلوس دهبي وشبابي اللي سرقتهم واختفيت.

مراته الجديدة، هايدى قربت وهي بتزعق ومخضوضة من المنظر والفضائح وسط الناس
أنتِ مين يا ست أنتِ؟ وإزاي تدخلي بيتي بالطريقة دي؟
رديت عليها وأنا بلف ضهري وبستعد للخروج وأنا في قمة شموخي
أنا صاحبة الفضل على الراجل اللي واقف جنبك ده يا مدام هايدي.. أنا الصفر اللي بدأ منه ولما افتري رماني غيابي وساب ولاده.. بس القانون مبيرميش حد، والنهاردة كل مليم هيطلع من عينيه بالقانون وقدام الكل.
بصيت لأستاذ أحمد وقولت له
اتفضل يا متر، كمل إجراءاتك، وأنا مستنياك برة في العربية.
خرجت من باب الفيلا الكبيرة وأنا حاسة إن الهوا بيدخل صدري صافي ومفيش فيه أي غصة. ركبت عربيتي وأنا ببص للسما وبشكر ربنا من كل قلبي.. حق أولادي هيرجع، والمشروع اللي بدأ بالطلب بقى هو السند والدرع اللي بيحميني. دموع الكسرة بتاعت زمان خلاص ماتت، والنهاردة بدأت حياة أمنية القوية اللي محدش هيقدر يكسرها تاني أبدًا.
مر يومين اتنين بس على ليلة العزومة، كنت قاعدة في بيتي وسط أوردرات المطبخ اللي مابتخلصش، والباب رن. فتحت ولقيت هيثم واقف قدامي. وشه كان شاحب، والغرور اللي كان مالي عينيه اتمحى، وبقى باين عليه آثار البهدلة والفضائح اللي حصلت قدام معازيمه ورجال الأعمال.
بصيت له ببرود وسندت على الباب ومنعته يدخل، وقلت له بنبرة جافة
عايز إيه يا هيثم؟ جاي هنا ليه؟
بص حواليه بخوف ليكون حد من الجيران شايفه، وقال بصوت واطي ومكسور
أرجوكِ يا أمنية، خليني أدخل نتكلم دقيقتين بس.. الموضوع ميتكلّمش فيه على الباب.

سبته ودخلت الصالون وقعدت، وهو دخل ورايا ووقف مش عارف يقعد فين. أخد نفس طويل وبدأ يتكلم بسرعة كأنه بيسابق الزمن
أنا جاي وأنا عارف إني غلطت.. بس الفضيحة اللي حصلت دي هتهد كل اللي بنيته في السوق، وشركتي مهددة. أنا جاي أساومك ونقفل الصفحة دي خالص.. هديكى قرشين حلوين، وهيرجعلك دهبك اللي أخدته زمان، بس تروحي مع المحامي وتنازلي عن كل القضايا والمحاضر دي، وما تفتحيش بوقك بكلمة تانية تخصني في السوق أو قدام حد.
في اللحظة دي، الشيطان كان ممكن يوز أي واحدة تانية ترفض وتكمل في عنادها عشان تدمره، بس أنا دماغي بقت بتفكر تفكير تجاري بحت، تفكير واحدة عايزة تأمن مستقبل عيالها وتكبر مشروعها من غير وجع دماغ ومحاكم تطول سنين.
بصيت له، ورفعت حاجب وبمنتهى الثقة قعدت وحطيت رجل على رجل وابتسمت
تدينى قرشين وترجع دهبي؟ لأ يا هيثم.. أنت فاكرني لسه أمنية الطيبة بتاعة زمان؟ الدهب اللي أنت أخدته زمان كان بسعر ، والنهاردة جرام الدهب في السما..
تاذ أحمد.. الكل موجود، والباشا وسط ضيوفه. اتفضلوا ادخلوا.
لو عايزني ألم الفضيحة وأتنازل، يبقى شروطي هي اللي هتمشي، وبشروطي أنا.
بلع ريقه بتوتر وقال
شروط إيه؟ أنطقي.

تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى