
جوزي كان كل ما يشوفني قاعدة جنب سرير أبوه وبقرأ له، يضحك ويقول
إنتِ لسه بتقري له؟! يا ستي بطّلي تضيعي وقتك الراجل خلاص لا بيسمع ولا بيفهم!
وأمه كانت تضحك وراه، وهي داخلة بأكياس هدوم وحاجات جديدة من المول.
ست شهور كاملة وأنا اللي كنت قاعدة جنب سرير حمايا، برعاه يوم ورا يوم، في الوقت اللي جوزي وأمه كانوا بيصرفوا فلوسه كأنها فلوسهم.
لكن في ليلة، حصلت حاجة محدش كان متوقعها.
الراجل العجوز فتح عينه لأول مرة من شهور، وبص لي، وقال لي تمن كلمات قلبوا حياتنا كلنا.
وتاني يوم الصبح، حطيت ملف أحمر على ترابيزة السفرة
وأول ما جوزي شافه، وشّه اتقلب أبيض كأنه شاف عفريت.
الجزء الأول
إنتِ لسه بتقري له يا مريم؟
قالها جوزي حسام وهو واقف على باب الأوضة، وبص لأبوه الراقد على السرير، وبعدها ضحك بسخرية
يا بنتي كفاية بقى ده الراجل خلاص! ده لا بيسمعك ولا حاسس بالدنيا حواليه. إنتِ بتكلمي نفسك!
وأمه سعاد كانت واقفة وراه، بتضحك وهي بتطلع من الأكياس هدوم وحاجات جديدة كانت لسه شاريها.
بصيت لها، وبعدين بصيت لحسام، وما رديتش.
لأني كنت عارفة حاجة هما الاتنين مش فاهمينها
إن الإنسان ممكن يكون عاجز عن الكلام والحركة، من غير ما يكون فاقد السمع أو الوعي.
بقالى ست شهور، كل يوم تقريبًا، كنت بقعد جنب سرير حمايا عم جابر في بيتهم في منطقة هادية في المنصورة.
كنت بغسله، وأغيّر له هدومه، وأقلبه كل شوية عشان جسمه ما يتجرحش من القعدة، وأرطّب شفايفه، وأفضل جنبه بالساعات.
وكان أكتر حاجة بحاول أعملها عشانه إني أقرأ له.
عم جابر كان بيحب الروايات القديمة جدًا، خصوصًا الحكايات اللي فيها مغامرات وصعيديّة وجدعنة وانتقام، فكنت كل يوم أقرأ له كام صفحة قبل ما أنام.
هو كان أصيب بجلطة قوية جدًا، والدكاترة قالوا إن حالته ممكن تستمر فترة طويلة من غير ما يستجيب لأي حد.
لكنهم قالوا لنا كمان حاجة أنا كنت عارفاها بحكم شغلي القديم في رعاية المرضى
ممنوع أبدًا نفترض إن الشخص مش سامع لمجرد إنه مش قادر يتكلم أو يتحرك.
لكن جوزي وأمه ما كانوش شايفين عم جابر بالطريقة دي.
بالنسبة لهم
أبوه خلاص مفيش منه فايدة.
والأغرب إنهم بدأوا يتعاملوا مع فلوسه بنفس الطريقة.
كأن الراجل طالما بقى عاجز، يبقى فلوسه كمان بقت سايبة.
عم جابر كان موظف حكومي طول عمره، واشتغل أكتر من أربعين سنة في المحكمة.
كان راجل دقيق جدًا، بيحتفظ بكل إيصال، وكل ورقة، وكل تاريخ.
ولو قلت له إنك قلت له حاجة من عشر سنين، ممكن يفكّرك بالساعة اللي قلتها فيها!
عمره ما كان غني، لكن كان راجل مدبّر.
بيته ملكه، وعنده مبلغ محترم محوّشه، ومعاه شوية استثمارات، ومعاش كويس يقدر يعيش منه مرتاح.
بعد الجلطة، أمه سعاد بدأت تتحكم في جزء من حساباته، لأنها كانت معاها توكيل قديم كان عم جابر عامله لمراته تحسبًا لأي ظرف.
في البداية، قالت إن الفلوس كلها هتتصرف على علاجه ورعايته.
لكن بعد فترة
بدأت الفلوس تختفي.
مرة أثاث جديد للبيت.
مرة ساعة غالية.
وبعدها حسام سدّد قسط كبير من عربيته بفلوس أبوه.
أما أمه، فدفعت مبلغ كبير في جلسات تجميل وعناية كانت هي شايفاها ضرورية.
وفي الشهر التالت، حصل اللي خلاني مش مصدقة عيني.
الاتنين سافروا أسبوع كامل للمصيف.
سابوني أنا لوحدي مع عم جابر.
ولما سألت سعاد، قالت بكل برود
إحنا محتاجين نغيّر جو شوية يا مريم هنرجع متقلقيش.
بصيت لها وقتها وأنا بفكر
هو أنا بقى إيه؟
أنا بقالى تلات شهور بنام على كرسي جنب سرير الراجل، وبصحى على صوته وهو بيتوجع، وبقضي يومي كله في خدمته
وهم محتاجين يغيّروا جو؟
كنت سيبت شغلي مؤقتًا عشان أرعاه.
وأصلًا لما طلبت أرجع شغلي، قالولي
ما هو ليه نجيب حد غريب وندفع له فلوس، وإنتِ موجودة؟
كأن وجودي في البيت معناه إني بقيت مسؤولة عن كل حاجة.
من غير مرتب.
من غير حتى كلمة شكر.
وفي الليلة دي تحديدًا، حسام وأمه كانوا خارجين يتعشوا.
أنا خلصت قراءة الفصل اللي كنت بقرأه لعم جابر، وقفلت الكتاب وحطيته على الترابيزة.
وبعدين ابتسمت له وقلت
خلاص يا عم جابر كفاية لحد هنا. بكرة نكمّل.
كنت على وشك أقوم من مكاني
لما سمعت صوت ضعيف جدًا.
صوت بالكاد يتسمع.
مريم
جسمي كله اتنفض.
رجعت قعدت مكانى بسرعة.
أنا هنا يا عم جابر.
وفجأة
فتح عينه.
مش فتحة بسيطة زي كل مرة.
لأ.
فتح عينه وبص لي مباشرة.
نظرة واضحة
واعية
كأنه كان صاحي من زمان ومستني اللحظة دي.
قربت وشي منه وأنا مش مصدقة.
إنت سامعني؟
حاول يبلع ريقه بصعوبة، وبعدها قال كلمة كلمة
صندوق خشب تحت البطانية
سكت شوية عشان ياخد نفسه.
وبعدين كمل
ملف أحمر.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قربت أكتر.
ملف أحمر إيه يا عم جابر؟
بص لي نظرة غريبة، وقال
بكرة حطيه على الترابيزة.
سكت لحظة.
وبعدين سألته وأنا مرعوبة
ليه؟
عينيه اتغيرت.
ولأول مرة من ست شهور، شفت فيهم حاجة ما شفتهاش من قبل.
قوة.
وقال بصوت واطي
جه الوقت يعرفوا إني كنت سامع كل حاجة.
وبعدها
قفل عينه تاني.
كأنه ما قالش أي حاجة.
فضلت واقفة مكاني ثواني طويلة.
مش عارفة أعمل إيه.
أقرب منه؟
أنادي دكتور؟
ولا أعتبر اللي حصل ده مجرد لحظة عابرة؟
لكن الفضول غلبني.
فتشت تحت البطانية.
وفعلًا
لقيت صندوق خشب صغير، قديم، متخبي تحت كذا بطانية متنية.
فتحته.
جواه كان فيه ملف أحمر سميك، مربوط بشريط.
مسكته بإيدي.
قلبته من كل ناحية.
وعلى الغلاف، كانت مكتوبة كلمة واحدة بخط عم جابر المرتب والدقيق
مهم جدًا.
إيدي وقفت عند الشريط.
كنت أقدر أفتحه.
وأعرف كل حاجة.
لكن ما عملتش.
قفلت الصندوق، وخدت الملف، وحطيته على الترابيزة.
تاني يوم الصبح
نزل حسام للمطبخ وهو لسه نص نايم.
كان داخل ياخد قهوته، لكنه وقف فجأة لما شاف الملف الأحمر في نص الترابيزة.
بص لي.
وبعدين بص للملف.
ده إيه؟
رديت بهدوء
افتحه.
مد إيده وفك الشريط.
طلع أول ورقة.
قرأ أول سطر
وبعدين السطر التاني.
وفجأة
وشه اتسحب منه الدم.
إيده بدأت ترتعش.
إيه اللي جاب ده هنا؟!
ما رديتش.
في اللحظة دي دخلت أمه سعاد.
في إيه يا حسام؟
لف لها.
ومسك الملف بإيده.
وبص لها بنظرة عمرها ما شافتها منه.
وقال بصوت مرتعش
إنتِ قلتي لي إنها عمرها ما هتعرف!
سعاد اتجمدت مكانها.
حسام وطّي صوتك!
صرخ فيها
إنتِ قلتي إن مفيش حد هيعرف!
أنا كنت واقفة بعيد عنهم
ومش فاهمة لسه إيه اللي في الملف.
لكن من شكل الاتنين
فهمت حاجة واحدة بس
عم جابر ما كانش غايب عن الدنيا زي ما كانوا فاكرين.
كان سامع.
وكان بيراقب.
وكان بيسجل كل حاجة.
والملف الأحمر اللي حطيته قدامهم
ما كانش مجرد أوراق.
كان القنبلة اللي عم جابر خبّاها لمدة ست شهور
واختار بنفسه اللحظة اللي تنفجر فيها.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها
إن أول ورقة في الملف كانت مجرد بداية.
أما الحقيقة اللي بعدها
فكانت هتخليني أكتشف إن كل الفلوس اللي اختفت، وكل التصرفات اللي حصلت في البيت، وكل حاجة حسام وأمه عملوها وأنا فاكرة إنهم بس بيستغلوا مرض الراجل
كانت وراها حكاية أكبر بكتير.
وحسام كان عارفها.
وسعاد كانت خايفة منها.
وعم جابر
كان مستني اللحظة المناسبة عشان يفضحهم قدامي.
ولما قلبت الصفحة التانية من الملف، فهمت أخيرًا ليه عم جابر قال لي جه الوقت يعرفوا إني كنت سامع كل حاجة.
لما قلبت الصفحة التانية من الملف، فهمت أخيرًا ليه عم جابر قال لي
جه الوقت يعرفوا إني كنت سامع كل حاجة.
الصفحة كانت عبارة عن كشف حساب بنكي.
بصيت للأرقام، وبعدين
بصيت لحسام.
كان واقف قدامي ساكت، وشه أصفر، وإيده ماسكة الملف كأنه خايف يقع منه.
قلبت الصفحة.
كشف حساب تاني.
وبعده إيصالات.
وبعدهم صور لمشتريات، وتحويلات بنكية، وفواتير بأسماء مختلفة.
كلها من حساب عم جابر.
وفي جنب كل عملية، كان عم جابر كاتب بخط إيده التاريخ والسبب.
اشتريتوا أثاث جديد.
دفعتوا قسط العربية.
سحبتوا مبلغ كبير نقدي.
حجزتوا مصيف.
دفعتوا علاج تجميلي.
والمبلغ اللي اتصرف خلال الست شهور كان أكبر بكتير مما كنت متخيلة.
بصيت لحسام وقلت
دي فلوس أبوك؟
ما ردش.
أمه سعاد قربت بسرعة وخطفت الملف من إيدي.
إنتِ مالك بكل ده؟!
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
مالي؟! أنا اللي كنت قاعدة ست شهور جنب سريره، وإنتِ اللي كنتِ بتصرفي فلوسه!
صرخت
دي فلوس جوزي!
وجالي الرد من وراها بصوت هادي جدًا.
لأ.
اتجمدنا كلنا.
كان صوت عم جابر.
حسام لف ناحية الأوضة كأنه شاف حاجة مستحيل تحصل.
بابا؟!
عم جابر كان لسه على السرير.
عينه مفتوحة.
المرة دي ما كانتش مجرد لحظة.
كان صاحي.
واعِي.
وسامع.
وقال
فلوسي مش فلوسكم.
سعاد بدأت ترتعش.
جابر إنت كنت بتسمعنا؟
بصلها ثواني طويلة.
وقال
من أول يوم.
سعاد حطت إيدها على بقها.
أما حسام فبدأ يتكلم بسرعة
بابا، إحنا كنا بنصرف على البيت وعلى احتياجاتك
قاطعه
احتياجاتي؟
سكت حسام.
عم جابر كمل
كنت محتاج ممرضة.
وبص لي.
وهي كانت بتعمل شغل تلاتة.
وبعدين رجع بص لحسام
وإنت كنت محتاج تسدد قسط عربيتك؟
حسام ما عرفش يرد.
عم جابر قال
ومراتك كانت محتاجة تعمل مصيف؟
سعاد بدأت تعيط.
إحنا غلطنا يا جابر
رد عليها
الغلط مرة.
وسكت.
إنما اللي عملتوه ست شهور اسمه اختيار.
أنا كنت واقفة مش قادرة أستوعب.
عم جابر كان فاكر كل حاجة.
كل مرة سعاد كانت تدخل الأوضة وتقول
هو خلاص مش حاسس.
كل مرة حسام كان يدخل ويقول
مريم، متتعبيش نفسك معاه، ده مش فاهم حاجة.
كل مرة كانوا بيتكلموا عن فلوسه قدامه.
كل مرة اختلفوا على مين هياخد إيه بعد وفاته.
كان سامع.
ساكت.
وبيستنى.
لكن كان فيه حاجة في الملف لسه مش فاهمها.
بصيت للورق وقلت
طب ليه ما قلتش من الأول؟
عم جابر بص لي.
لأن لو كنت اتكلمت بدري كانوا هيعرفوا إني قادر أتكلم.
سكت لحظة.
وأنا كنت عايزهم يكملوا.
استغربت.
يكملوا إيه؟
قال
يغلطوا.
حسام قرب من أبوه.
بابا، أنا ابنك.
عم جابر رد بمنتهى الهدوء
عارف.
يعني بعد كل السنين دي هتعمل فيا كده؟
أنا مش اللي عملت فيك حاجة.
حسام سكت.
عم جابر أشار للملف.
إنت اللي عملت في نفسك.
وبعدين قال
افتحي آخر جزء يا مريم.
فتحت آخر مجموعة أوراق.
ولقيت ورقة من مكتب محامي.
وبعدها توكيل جديد.
وبعدها ورقة تانية عليها توقيع عم جابر.
قرأت أول سطر.
اتصدمت.
بصيت لحسام.
ثم لسعاد.
هو التوكيل القديم اتلغى؟
عم جابر قال
من تلات شهور.
سعاد قربت منه
بس أنا كنت لسه بسحب من الحساب!
عارف.
سعاد وشها اتغير.
يعني إنت كنت عارف؟
كل جنيه.
وبعدين بص لي وقال
وعشان كده طلبت من المحامي يعمل حساب جديد باسمي، ومايبقاش لأي حد حق يسحب منه من غير علمي.
حسام ضرب إيده على الترابيزة.
طب الفلوس اللي اتصرفت؟
عم جابر رد
المحامي ماسك كل حاجة.
ثم بص له
وكل عملية عنده نسخة منها.
حسام سكت.
لأول مرة شفته مش عارف يقول إيه.
لكن عم جابر ما كانش خلص.
مد إيده ناحية الملف.
فيه حاجة تانية.
قلبت الصفحات.
لقيت ورقة مكتوب فيها أسماء.
اسمي كان موجود.
اتخضيت.
أنا؟
قال
أيوه.
بصيت له.
ليه؟
ابتسم لأول مرة من شهور.
وقال
عشان الست الوحيدة اللي ما أخدتش مني حاجة كانت بتديني كل يوم من وقتها وصحتها.
سعاد صرخت
إنت ناوي تديها فلوسنا؟!
عم جابر بص لها وقال
دي فلوسي.
سعاد سكتت.
وبعدين قال
وأنا حر أعمل بيها اللي أنا عايزه.
قعدت على الكرسي وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
أنا ما كنتش مستنية منه فلوس.
ولا حتى كنت فاهمة هو ناوي يعمل إيه.
لكن فجأة حسام بص لي بنظرة مختلفة.
نظرة مليانة غضب.
وقال
إنتِ السبب.
استغربت.
أنا؟
آه.
قرب مني.
إنتِ اللي خليتيه يقلب علينا.
عم جابر رفع صوته لأول مرة
محدش يقرب منها!
حسام وقف.
عم جابر كمل
لو حد هنا المفروض يتحاسب، يبقى اللي استغل ضعفي.
وبعدين بص لحسام وقال
مش اللي وقف جنبي.
في نفس اليوم، جه المحامي.
راجل كبير اسمه الأستاذ فؤاد.
دخل البيت ومعاه شنطة جلد، وسلم على عم جابر، وبعدها قعد على الكرسي.
حسام كان متوتر جدًا.
سعاد كانت ساكتة.
أما أنا فكنت قاعدة بعيد.
الأستاذ فؤاد فتح الشنطة وطلع ملف تاني.
وقال
قبل ما أبدأ، لازم تعرفوا إن عم جابر طلب مني أوثق كل حاجة من تلات شهور.
حسام قال بسرعة
يعني إيه؟
يعني إن الأستاذ جابر كان مدرك لكل تصرف حصل في الفترة دي.
سعاد قالت
بس هو كان مش قادر يتكلم!
المحامي رد
عدم القدرة على الكلام مش معناها عدم الإدراك.
وبعدين حط قدامهم ظرف صغير.
وده تسجيل صوتي.
حسام بص له.
تسجيل إيه؟
المحامي ضغط على زر.
وخرج صوت عم جابر.
صوته كان ضعيف
لكن واضح.
وكان بيتكلم عن كل حاجة.
عن سعاد لما كانت بتدخل وتطلب فلوس.
عن حسام لما كان بيتكلم عن بيع البيت بعد وفاته.
عن كلامهم وهما فاكرين إنه مش سامع.
عن المرات اللي كانوا بيتخانقوا فيها على مين هياخد نصيب أكبر.
وعن مريم
عن كل مرة كنت بدخل فيها عليه وأقول
أنا هنا يا عم جابر.
الصوت توقف.
الغرفة كلها كانت ساكتة.
ثم سمعنا صوت عم جابر في التسجيل
مريم الوحيدة اللي عمرها ما اتعاملت معايا كأني عبء.
بصيت للأرض.
دموعي نزلت غصب عني.
لكن التسجيل كمل.
عشان كده لو حصل لي حاجة، عايز حقي يرجع الأول، وبعدها كل واحد ياخد اللي يستحقه.
حسام وقف فجأة.
يعني إيه يستحقه؟
المحامي بص له.
يعني إن الوصية الجديدة مختلفة عن القديمة.
سعاد قالت
قديمة إيه؟
المحامي فتح ورقة.
الوصية اللي كتبها الأستاذ جابر قبل مرضه كانت بتوزع كل حاجة بين ابنه ومراته.
حسام تنفس براحة.
لكن المحامي كمل
أما الوصية الجديدة، فبتحفظ حق زوجته، وبتخصص جزء من أمواله لعلاج ورعاية نفسه، وجزء لأعمال خيرية، وجزء محدد لزوجة ابنه مريم.
حسام انفجر
إنت مجنون؟!
عم جابر قال
لأ.
ثم أضاف
أنا لأول مرة من شهور حاسس إني صاحي.
لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش الفلوس.
الأستاذ فؤاد طلع ورقة تانية.
وقال
فيه موضوع أخطر.
حسام بص له.
إيه؟
التحويلات اللي اتعملت من حساب الأستاذ جابر بعد إصابته.
سعاد قالت
إحنا قلنا إنها مصاريف البيت.
بعضها آه.
ثم قلب ورقة.
لكن فيه تحويلات تانية اتعملت لحساب شخص اسمه مدحت.
حسام وشه اتغير.
المحامي بص له مباشرة.
تعرف مدحت؟
حسام ما ردش.
أنا بصيت له.
مين مدحت؟
سعاد تدخلت بسرعة
واحد صاحب حسام.
المحامي قال
مش بس صاحبه.
وسكت لحظة.
ده كان بيحاول يشتري البيت من ورا الأستاذ جابر.
اتصدمت.
يشتري البيت؟!
حسام قال
الموضوع ما تمش!
المحامي رد
عارف.
وبعدين طلع ورقة.
لأن والدك كان عارف.
عم جابر قال
وأنا كنت ساكت.
حسام قرب منه
بابا، أنا كنت بحاول أساعدك!
رد
لأ.
والله كنت
كنت بتحاول تاخد البيت.
حسام سكت.
عم جابر قال
البيت ده أنا بنيته من أول طوبة.
وبعدين أشار لمريم.
وهي كانت أكتر واحدة بتحافظ عليه.
بعدها حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
عم جابر طلب مني أقعد جنبه.
مسك إيدي.
وكانت إيده ضعيفة جدًا.
وقال
مريم، أنا عارف إنك اتظلمتي.
قلت له
أنا ما كنتش مستنية حاجة.
ابتسم.
عشان كده بالذات.
وبعدين بص للمحامي.
نفّذ اللي اتفقنا عليه.
المحامي هز رأسه.
بعد أسبوع، حصلت مواجهة أخيرة.
حسام رجع البيت لوحده.
كان باين عليه إنه مش ناوي يتخانق.
دخل وقعد قدامي.
وقال
أنا غلطت.
ما رديتش.
وأمي غلطت.
فضلت
ساكتة.
بس أنا عايز أصلح.
بصيت له وقلت
تصلح إيه؟
كل حاجة.
لا يا حسام.
سكت.
فيه حاجات بتتصلح وحاجات بتتعلّم منها.
بص لي.
يعني إنتِ هتسيبيني؟
قلت
أنا مش بسيبك بسبب الفلوس.
سكت.
أنا بسيبك عشان الست شهور اللي كنت فيها شايلة أبوك لوحدي، وإنت كنت شايفني بتعب ومش فارق معاك.
نزل عينه.
كنت فاكر إنك هتفضلي موجودة مهما حصل.
قلت
ودي كانت أكبر غلطتك.
اتطلقت من حسام بعد فترة قصيرة.
مشيت من البيت من غير ما آخد منه حاجة.
ولا حتى الأثاث اللي كنت أنا اللي مختاراه.
لكن قبل ما أخرج، دخلت أوضة عم جابر.
كان قاعد على كرسي جنب الشباك.
بقى قادر يحرك إيده شوية، وكلامه رجع تدريجيًا.
بص لي وقال
هتمشي؟
قلت
آه.
سكت.
وبعدين قال
زعلانة مني؟
ابتسمت.
بالعكس.
طب ليه؟
عشان أخيرًا عرفت إن سكوتك ما كانش ضعف.
ضحك.
وقال
أوقات السكوت بيخلي الناس تقول حاجات ما كانوش هيقولوها لو عارفين إنك سامع.
ضحكت.
وبعدين قال
استني.
طلع من درج صغير ظرف.
ده ليكي.
رفضت آخده.
لا يا عم جابر.
قال
مش فلوس.
فتحته.
كان جواه كتاب قديم.
نفس نوع الروايات اللي كنت بقرأها له كل يوم.
وفي أول صفحة كان كاتب بإيده
لمريم الست اللي قرأت لي وأنا ساكت، وصدقت إني لسه موجود.
ما قدرتش أتكلم.
حضنته.
وكان أول مرة أحس إن الست شهور اللي عشتهم مش كلها كانت خسارة.
بعد شهرين، عم جابر طلب مني أزوره.
لما وصلت، لقيته واقف على رجله.
بمساعدة عصاية.
بص لي وقال
تعالي.
قلت
إنت بقيت بتمشي؟
قال وهو بيضحك
شوية.
وبعدين أشار للترابيزة.
كان عليها نفس الملف الأحمر.
لكن المرة دي كان مقفول.
وقال
الملف ده هيتقفل النهارده.
استغربت.
ليه؟
قال
عشان كل اللي كان لازم يتكشف اتكشف.
وبعدين قال
حسام سدد جزء كبير من الفلوس اللي أخدها.
وسعاد؟
ابتسم.
رجعت حاجات كتير كانت شاريها.
ضحكت.
بجد؟
قال
أيوه.
وبعدين سكت لحظة.
والأهم إنهم عرفوا إن أبوهم ما كانش غايب عن الدنيا.
بعدها بسنة، سمعت إن حسام بدأ شغل جديد بعيد عن تجارة أبوه، وإن علاقته بأمه اتغيرت جدًا.
أما سعاد، فبقت تزور عم جابر من وقت للتاني.
لكن ما بقتش تدخل بيته وتطلب فلوس.
بالعكس
كانت بتجيب له أكل وتقعد معاه.
يمكن لأول مرة في حياتها فهمت إن رعاية الإنسان مش معناها استغلاله.
أما أنا، فرجعت لشغلي.
وبدأت أشتغل في رعاية كبار السن، لكن المرة دي بمقابل محترم، وبشروط أنا اللي بحطها.
وفي يوم، وأنا قاعدة مع واحدة ست كبيرة بقرأ لها كتاب، افتكرت عم جابر.
افتكرت جملته
مريم أنا كنت سامع كل حاجة.
وفهمت وقتها إن أكبر درس في الحكاية كلها ما كانش عن الفلوس.
كان عن الناس اللي بيستضعفوا شخص لمجرد إنه مش قادر يرد.
بيفتكروا إن السكوت معناه غياب.
وإن العجز معناه إن صاحبه ما بقاش فاهم.
لكن عم جابر علّمهم العكس.
كان ساكت
بس كان بيسمع.
وكان عاجز عن الحركة
بس كان واعي.
وكان ظاهر إنه خسر السيطرة على حياته
بينما في الحقيقة كان بيجهز بهدوء عشان يستردها.
أما الملف الأحمر؟
فضل عنده.
مش كدليل على فلوس ضاعت.
ولا كذكرى لخيانة ابنه.
لكن كدليل على ست شهور كاملة
الناس فيها كشفت حقيقتها بنفسها.
وفي آخر مرة زرته، سألته
هو إنت من أول يوم كنت عارف إن كل ده هيحصل؟
ضحك وقال
لأ.
أمال كنت عامل إيه؟
بص لي وقال
كنت مستني أعرف مين فيهم هيعاملني كإنسان ومين هيعاملني كإن الفلوس أهم مني.
سكت شوية.
وبعدين ابتسم
ولقيت الإجابة.
قلت
وإيه الإجابة؟
بص لي وقال
إنتِ.
وساعتها عرفت إن أوقات أكبر مكافأة ممكن ياخدها الإنسان مش فلوس ولا بيت ولا ورث
إنما إنه يعرف، في أصعب وقت في حياته، إن فيه حد واحد على الأقل
ما باعش قلبه مقابل مصلحته.
وده كان آخر فصل في حكاية الملف الأحمر.
أما حسام وسعاد، فقد خسروا جزءًا كبيرًا من المال اللي كانوا فاكرين إنه مضمون، والأهم إنهم خسروا ثقة عم جابر فيهم.
لكن عم جابر ما انتقمش منهم.
هو بس
خلّاهم يتحملوا نتيجة اختياراتهم.
وأنا؟
أنا خرجت من البيت من غير ميراث، ومن غير فلوس، ومن غير حتى ما أخد حاجة تخصني.
لكن خرجت بحاجة أهم بكتير
خرجت وأنا عارفة إن قيمتي مش بتتحدد بمدى احتياج الناس لخدمتي
وإن الإنسان اللي بيحترمك وإنتِ في أضعف حالاته
هو اللي يستاهل وجودك في أقوى حالاتك.



