
حكايات_زيزي
وليه، بعد ما العشرين صياد دخلوا الغابة، بدأت تحصل حا جات مرعبة خلت كل واحد فيهم يشك إن الدور عليه؟
ا غرب إن بلاك وود كان فاكر إنه هو اللي اختار الفريسة
لكن الحقيقة إن من اللحظة اللي إلياه دخل فيها الغابة، الصيادين هما اللي بقوا مطاردين!
الجزء التاني الغابة اللي دخلها عشرين صياد ومحدش فيهم كان متخيل إنه ممكن يرجع منها!
فجر يوم 17 أغسطس سنة 1869، كانت المزرعة كلها غرقانة في صمت غريب.
العشرين صياد وصلوا من الليلة اللي قبلها، وكل واحد فيهم كان جاي بعربية مليانة أسلحة ومعدات، ومستعد يقضي يوم استثنائي في مطاردة إنسان اعتبروه أضعف منهم.
بلاك وود وقف قدامهم، لابس معطف بني طويل، وفي إيده بندقية مزخرفة، وعلى وشه ابتسامة واحد متأكد إنه كسب قبل ما اللعبة تبدأ.
قال بصوت عالي
يا رجالة، النهارده مش هنصطاد حيوان عادي. النهارده هنصطاد راجل افتكر إنه يقدر يتحداني ويهرب من أملاكي! واللي يقدر يمسكه الأول، هياخد مكافأة تساوي مرتب سنة كاملة!
الرجالة ضحكوا، وبدأوا يراجعوا أسلحتهم، وكل واحد فيهم كان عايز يثبت إنه أشطر صياد في المجموعة.
لكن في اللحظة دي، حصلت حاجة محدش خد باله منها.
باب المخزن القديم اتفتح للحظات، وخرج منه عامل عجوز شايل صندوق خشبي صغير.
كان صامويل ريد!
بص ناحية الحراس، ولما اتأكد إن محدش بيراقبه، خبّى الصندوق تحت ألواح عربية المؤن، وبعدها رجع مكانه وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن اللي ماكانش يعرفه صامويل إن فيه عينين كانوا بيتابعوا كل حركة عملها.
العينين دول كانوا لواحد من أقرب رجال بلاك وود.
اسمه توماس غراي، وكان مسؤول عن حسابات المزرعة ومخازنها، وواحد من الناس القليلين اللي بلاك وود كان بيثق فيهم ثقة عمياء.
توماس ماواجهش صامويل، لكنه قرر يتبعه من بعيد، لأنه كان عارف إن الصندوق ده مرتبط بسر خطير ممكن يدمّر سيده.
وفي نفس الوقت، إلياه كان بيتجهز لبدء المطاردة.
الحراس فكوا القيود من إيديه، لكنهم ربطوا في رجله سلسلة حديدية قصيرة، متخيلين إنها هتخليه بطيء وسهل الإمساك بيه.
بلاك وود قرّب منه، وانحنى ناحية ودنه وقال بسخرية
آخر فرصة ليك تعتذر وتطلب الرحمة.
إلياه رفع عينه وقال بهدوء
أنا مش اللي محتاج الرحمة النهارده.
بلاك وود ضربه على كتفه، وأشار للحراس يفتحوا البوابة الخلفية.
خرج إلياه ناحية الغابة، والعشرين صياد وراه.
كانوا بيصرخوا ويضحكوا، وصوت حوافر الخيول بيتردد بين الأشجار، لحد ما اختفى الجميع وسط الضباب الكثيف.
وبعد أقل من عشر دقائق، اختفى صوتهم تمامًا.
الغريب إن إلياه ماكانش بيجري بأقصى سرعته، زي ما أي شخص بيحاول يهرب من عشرين مسلح ممكن يعمل.
كان ماشي بخطوات محسوبة، ويبص للأرض، ويتوقف أحيانًا كأنه بيدور على حاجة.
أحد الصيادين، واسمه ريتشارد ميلر، شافه من بعيد وصاح
شايفينه؟! الراجل ده مش عارف حتى !
بلاك وود رفع بندقيته، لكن قبل ما يقدر يوجّهها، إلياه اختفى خلف مجموعة من الأشجار.
أمر بلاك وود رجاله ينقسموا لمجموعات صغيرة، وكل مجموعة تاخد اتجاه مختلف.
وكان ده أول قرار غلط اتخذوه في الغابة.
لأن إلياه كان عارف إن الغابة دي مش مجرد أشجار وحيوانات.
كان عارف إن الأرض الطينية بتحتفظ بآثار الأقدام، وإن الأغصان المكسورة ممكن تكشف اتجاه الحركة، وإن صوت الطيور أحيانًا بيكون أهم من أي علامة على الأرض.
أما الصيادون، فكانوا بيعتمدوا على بنادقهم وكلابهم وثقتهم الزايدة في نفسهم.
وبعد نص ساعة، حصلت أول حاجة خلت الضحك يختفي من وشوشهم.
المجموعة اللي كان فيها ريتشارد ميلر وصلت لبقعة أرض موحلة، وهناك لقوا آثار أقدام واضحة.
آثار إلياه!
ريتشارد ابتسم وقال
أهو! أخيرًا لقينا طريقه.
لكن واحد من الرجال انحنى ناحية الأرض، وفضل يتأمل الآثار باستغراب.
قال
استنى شوية إزاي آثار الأقدام بتبدأ من هنا، وتنتهي فجأة عند الشجرة دي؟
ريتشارد بص حواليه، وبعدها أمر اتنين من رجاله يطلعوا فوق جذع شجرة ساقط، يمكن يقدروا يشوفوا أثره من الناحية التانية.
لكنهم ما لقوش أي حاجة.
لا آثار أقدام، ولا أغصان مكسورة، ولا حتى علامة واحدة تدل على اتجاهه.
كأن إلياه تبخّر في الهوا!
واحد من الصيادين حاول يضحك عشان يخفي خوفه، وقال
يمكن وقع في مستنقع!
لكن قبل ما يكمل كلامه، سمعوا صوت نارية بعيدة.
واحدة بس.
وبعدها ساد الصمت.
محدش رد.
وبعد ثوانٍ، سمعوا صوت بوق الصيد اللي كان بيستخدمه بلاك وود عشان يتواصل مع رجاله.
لكن بدل ما يطلع صوت واحد طويل، زي الإشارة المتفق عليها، طلع صوتين قصيرين، وبعدهم صوت طويل متقطع.
ريتشارد اتجمد مكانه.
لأنه كان عارف إن الإشارة دي مش موجودة ضمن أي اتفاق بينهم.
قال بصوت منخفض
اللي بيضرب البوق ده مش واحد من رجالتنا
وقبل ما حد يسأله يقصد إيه، ظهرت من بين الأشجار مجموعة من الطيور السوداء، طارت فجأة بأعداد كبيرة، وكأن حاجة خوّفتها من مكان قريب.
الخيول بدأت تتحرك بعصبية، والكلاب شدت السلاسل اللي مربوطة فيها، وواحد من الصيادين أقسم إنه سمع خطوات بتتحرك وراه، لكنه كل ما يلف، ما يلاقيش حد.
أما إلياه، فكان بيراقب المشهد من مكان مرتفع بين الأشجار.
ماكانش بيحاول يواجه عشرين رجل مسلح في معركة مباشرة.
كان هدفه أكبر من كده بكتير.
كان عايز يخليهم يفقدوا السيطرة على المطاردة، ويجبرهم يبعدوا عن الطريق المؤدي للمزرعة، لحد ما أصحابه يقدروا ينفذوا الجزء التاني من الخطة.
لكن فجأة، لمح حاجة خلت قلبه ينقبض.
على جذع شجرة قدامه، كان فيه شريط قماش أحمر مربوط بطريقة معينة.
دي ماكانتش علامة هو عملها.
دي كانت العلامة اللي اتفق عليها مع صامويل لو حصل خطر غير متوقع.
معنى العلامة دي إن الخطة اتكشفت!
إلياه نزل من مكانه بسرعة،
وبدأ يتحرك ناحية المزرعة من طريق جانبي.
لكنه ماكانش يعرف إن توماس غراي وصل بالفعل للمكان اللي كان صامويل مخبّي فيه الصندوق.
فتح توماس الصندوق، ولما شاف الورق الموجود جواه، وشه اتغير تمامًا.
كان فيه سجلات قديمة، وأسماء أشخاص، وإيصالات مالية، ورسائل مختومة بتوقيعات رجال أصحاب نفوذ.
لكن الورقة اللي كانت فوق كل الأوراق كانت الأخطر.
كانت رسالة مكتوبة بخط إيد بلاك وود نفسه، ومؤرخة قبل إلغاء العبودية بسنين.
وفي آخر الرسالة، كان فيه اسم واحد متكرر أكتر من مرة.
اسم شخص كان الجميع فاكرين إنه مات من زمان!
توماس همس لنفسه
مستحيل لو الراجل ده لسه عايش، يبقى كل اللي بلاك وود بناه ممكن ينهار في يوم واحد!
وفجأة، سمع صوت خطوات وراه.
قفل الصندوق بسرعة، ولف بجسمه.
كان صامويل واقف عند باب المخزن.
العجوز بص له وقال
إنت فتحت الصندوق ليه؟
توماس حاول يتظاهر بالهدوء، لكنه كان ماسك الورقة بإيد مرتعشة.
صامويل قرّب خطوة وقال
رجّع الورق مكانه يا توماس. إنت لسه ما تعرفش الحقيقة كلها.
توماس رد بعصبية
أنا أعرف أكتر مما تتخيل! أنا عارف إن بلاك وود مخبي أكبر من مجرد إجبار الناس على الشغل عنده. وعارف إن إلياه مش الشخص الوحيد اللي حياته بسببه!
صامويل سكت للحظات، وبعدها قال جملة خلت توماس يرجع خطوة لورا
إلياه ما جاش هنا بالصدفة يا ابني فيه حد كان مستنيه من سنين.
وقبل ما توماس يقدر يسأله عن معنى الكلام، دوّى صوت طلقة تانية من ناحية الغابة.
وبعدها مباشرة، سمعوا صهيل خيل وصراخ رجال جايين من بعيد.
المطاردة خرجت عن السيطرة.
لأن أحد الصيادين اختفى بالفعل، وكل اللي لقوه منه كان بندقيته مرمية على الأرض، وقبعتها معلقة فوق غصن شجرة مرتفع!
وبلاك وود، اللي كان لحد اللحظة دي فاكر نفسه سيد الغابة، بدأ يكتشف إن رجاله مش بيتعقبوا إلياه وحده.
كان فيه شخص تاني بيتحرك بينهم.
شخص يعرف أسماءهم، ويعرف نقاط ضعفهم، ويعرف بالضبط إيه اللي يخلي كل واحد فيهم يفقد أعصابه.
وفجأة، ظهر رجل من بين الأشجار وهو بيجري بأقصى سرعته، ووشه شاحب، وهدومه متقطعة.
كان واحدًا من الصيادين.
وصل لبلاك وود، ووقع على ركبتيه وهو بيحاول يلتقط أنفاسه.
بلاك وود مسكه من ياقة قميصه وصاح
إيه اللي حصل؟! فين باقي المجموعة؟!
الرجل رفع عينه بصعوبة، وقال بصوت مرتعش
إحنا مش لوحدنا في الغابة فيه حد عارف كل تحركاتنا!
بلاك وود هزّه
مين؟! إلياه؟!
الرجل هز راسه بسرعة.
لأ مش إلياه!
وبعدين بص وراه، وكأنه خايف إن حد يكون بيتبعه، وهمس
أنا شفت الراجل اللي إنت قلت لنا إنه مات من عشرين سنة شفته بعيني!
في اللحظة دي، اختفت كل علامات الغرور من وش بلاك وود.
البندقية وقعت من إيده، ولأول مرة من سنين طويلة، ظهر الخوف الحقيقي في عينيه.
لأنه عرف إن الماضي اللي دفنه بإيده رجع .
لكن مين الراجل اللي ظهر في الغابة بعد عشرين سنة من إعلان موته؟
وليه كان عارف كل أسرار بلاك وود؟
والأخطر إيه إلياه بالسر اللي جوه الصندوق الخشبي؟
يتبع في الجزء الثالث
الجزء الثالث الرجل اللي رجع من الموت والسر اللي خلّى بلاك وود يرتعش من الخوف!
بلاك وود فضل واقف مكانه، مش قادر يستوعب اللي سمعه.
الراجل اللي قدامه كان بيترعش، وبيحاول ياخد نفسه، وكل شوية يبص وراه كأنه متأكد إن فيه حد بيتبعه.
بلاك وود مسكه من كتفيه وصاح فيه
إنت متأكد من اللي بتقوله؟! بص في عيني وقولي إنك شفت الراجل ده فعلًا!
الصياد هز راسه بسرعة.
أقسم لك إني شفته! كان واقف بين الأشجار، لابس معطف أسود قديم، وفي وشه ندبة طويلة. أول ما قربت منه، قال لي اسمي كامل وقال لي إني هادفع تمن اللي عملته من سنين!
بلاك وود سابه فجأة، ورجع خطوتين لورا.
الندبة الطويلة!
مفيش حد في المنطقة كلها كان عنده ندبة بالشكل ده غير رجل واحد.
الرجل اللي بلاك وود أعلن بنفسه إنه سنة 1849.
اسمه ناثان كول.
كان ناثان في الماضي واحدًا من أشهر المرشدين اللي بيعرفوا طرق المستنقعات والغابات في لويزيانا. وكان بيشتغل مع التجار اللي بينقلوا البضائع بين المدن، لحد ما اكتشف إن بعض الرحلات دي كانت بتُستخدم لنقل بشر مخطوفين وبيعهم بعيد عن عائلاتهم.
قرر وقتها يبلغ السلطات، لكن قبل ما يقدر يكشف الحقيقة، اختفى في ظروف غامضة.
وبعد أسابيع، انتشر خبر ، واتقال إن في منطقة بعيدة وسط الغابة.
والشخص الوحيد اللي شهد على كان بلاك وود نفسه!
عشان كده، لما الصياد حكى له عن الندبة، بلاك وود فهم إن فيه حاجة مستحيل تحصل حصلت فعلًا.
لكن بدل ما يعترف بخوفه، رفع صوته وقال
الراجل ده نصاب! حد بيحاول يخوفنا عشان يخلينا نسيب الغابة. هنلاقيه، وهنجيب إلياه، واللي يقف في طريقنا هيندم!
وبعدين أمر رجاله يطلقوا ثلاث طلقات في الهوا، باعتبارها إشارة تجمع.
استنوا دقيقة.
وبعدين خمس دقايق.
وبعدين عشر دقايق.
لكن مفيش حد ظهر.
من أصل عشرين صياد دخلوا الغابة، بقى عدد قليل بس واقف مع بلاك وود، والباقي اختفى في الطرق المتشعبة بين الأشجار.
واحد من رجاله قال بصوت متوتر
يا سيدي، لازم نرجع للمزرعة. إحنا مش عارفين إيه اللي بيحصل هنا!
بلاك وود بص له بغضب.
ترجعوا من غير الفريسة؟! إنتوا فاكرين الناس هتقول علينا إيه؟
الرجل رد
أنا مش خايف من كلام الناس. أنا خايف إننا ما نرجعش أصلًا!
بلاك وود رفع بندقيته ناحيته، لكن قبل ما يقدر يهدده، سمعوا صوت البوق الغريب مرة تانية.
صوتين قصيرين وصوت طويل متقطع.
المرة دي، الصوت كان قريب جدًا.
وبعده مباشرة، ظهر على جذع شجرة قدامهم نقش محفور حديثًا.
ثلاث كلمات بس
ارجع لورا يا بلاك.
بلاك وود قرأ الكلمات، ووشه احمر من الغضب.
ضرب جذع الشجرة بمؤخرة بندقيته وصاح
أنا مش هرجع! اللي بيستخبى هنا فاكر إنه يقدر يلعب معايا؟!
لكن وهو بيتكلم، لاحظ حاجة غريبة.
النقش كان محفورًا فوق نقش أقدم، وكأن حد تعمّد يزيل الكلمات القديمة ويكتب مكانها الرسالة الجديدة.
بلاك وود قرّب من الشجرة، وبدأ ينضف التراب عن الجزء السفلي منها.
وفجأة، ظهرت حروف صغيرة كان يعرفها كويس.
حروف اسمه!
وتحتها تاريخ قديم، مكتوب بجانبه رقم ملف كان فاكره اتدمر من سنين طويلة.
همس لنفسه
الملف ده كان في الصندوق
وفي اللحظة دي، افتكر توماس غراي.
افتكر المخزن، والسجلات، والصندوق الخشبي اللي كان متأكد إن محدش يعرف مكانه.
لكن بلاك وود ماكانش يعرف إن توماس فتح الصندوق فعلًا، وإن صامويل كشف له جزءًا من الحقيقة.
في الناحية التانية من الغابة، كان إلياه بيتحرك بسرعة بين الأشجار، متجنبًا الطرق اللي ممكن الصيادين يراقبوها.
وصل إلى جدول مية ضيق، وركع عند حافته.
هناك، لقى قطعة قماش صغيرة مربوطة في غصن منخفض.
كانت العلامة اللي اتفق عليها مع هنري كولينز.
معناها إن المجموعة اللي جوه المزرعة نجحت في تجهيز العربات والمؤن، وإنهم مستنيين الإشارة الأخيرة للخروج.
لكن كان فيه تفصيل واحد ناقص.
صامويل كان المفروض يقابله عند الجدول قبل شروق الشمس، ويسلّمه مفتاح البوابة الخلفية.
وماجاش.
إلياه وقف، وبص ناحية الطريق اللي بيؤدي للمزرعة.
كان قدامه اختياران يكمل خطته وينقذ الناس اللي مستنيينه، أو يرجع يدور على صامويل، ويخاطر إن كل اللي خططوا له ينهار.
فضل ساكت لحظات، وبعدين قال لنفسه
صامويل عمره ما كان بيتأخر من غير سبب.
قرر يرجع.
لكنه قبل ما يتحرك، سمع صوتًا جايًا من وراه
لو رجعت للمزرعة دلوقتي، هتدخل في الفخ اللي اتعمل لك.
إلياه لف بسرعة، ورفع غصنًا سميكًا كان ماسكه في إيده.
كان فيه رجل عجوز واقف بين شجرتين، لابس معطفًا أسود قديمًا، وعلى وشه ندبة طويلة تمتد من جبهته لحد خده.
نفس الوصف اللي حكاه الصياد لبلاك وود.
الرجل رفع إيديه بهدوء وقال
أنا مش عدوك يا إلياه.
إلياه ما نزلش إيده.
إنت تعرف اسمي منين؟
الرجل ابتسم ابتسامة حزينة.
لأني كنت مستنيك من يوم ما سمعت إن شاب أفريقي اسمه إلياه وصل مزرعة بلاك وود.
إلياه ضيّق عينيه.
إنت مين؟
الرجل رد
ناثان كول.
إلياه سكت.
كان الاسم ده أول مرة يسمعه، لكن طريقة كلام الرجل كانت بتقول إنه مش شخص عادي.
ناثان قرّب خطوة، وقال
أنا عارف إنك بتحاول تنقذ خمسة وسبعين شخصًا من المزرعة. وعارف إنك قضيت شهور بتراقب الحراس وبتجهز للهروب. لكن فيه حاجة إنت مش عارفها.
إلياه سأله بحذر
إيه هي؟
ناثان بص ناحية المزرعة وقال
بلاك وود عرف بخطتك قبل ما تبدأ رحلة الصيد.
إلياه حس إن الأرض بتتحرك تحت رجليه.
مين اللي قال له؟
ناثان ما ردش فورًا.
طلع من جيب معطفه ورقة مطوية، ومدّها لإلياه.
كانت الورقة فيها أسماء بعض العمال، ومواعيد خروج العربات، وتفاصيل دقيقة عن الطريق اللي كانوا ناويين يستخدموه للهروب.
إلياه بص للأسماء، ولما وصل لآخر سطر، اتجمد مكانه.
الورقة كانت موقعة باسم شخص واحد.
شخص كان إلياه واثق فيه ثقة كاملة.
هنري كولينز!
إلياه قبض على الورقة بقوة.
مستحيل هنري مش ممكن يخوننا!
ناثان رد بهدوء
يمكن يكون فيه تفسير تاني. لكن اللي أنا متأكد منه إن بلاك وود مجهز رجاله عند البوابة الخلفية، ومستني الناس تخرج عشان يقبض عليهم كلهم مرة واحدة.
إلياه رفع عينه وقال
لو ده حقيقي، يبقى لازم نرجع فورًا.
ناثان هز راسه.
مش قبل ما تعرف الحقيقة عن الصندوق.
إلياه بص له باستغراب.
إنت تعرف الصندوق؟
ناثان أخرج من جيبه مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، عليه نفس العلامة المحفورة فوق جذع الشجرة.
وقال
الصندوق ده فيه دليل على جريمة بلاك وود، لكن فيه كمان ورقة هتفسر لك ليه أنا رجعت بعد عشرين سنة، وليه هو مستعد يحرق المزرعة كلها عشان الورق ده ما يوصلش للسلطات.
إلياه قرب منه وقال
إيه علاقة الورق بيا؟
ناثان بص في عينيه طويلًا، وبعدها قال جملة قلبت كل حسابات إلياه
لأن أختك غريس ما ماتتش في الرحلة اللي اتاخدتوا فيها من قريتكم وفيه دليل إنها وصلت لويزيانا قبلك بسنين.
إلياه حس إن نفسه اتسحب من صدره.
غريس!
أخته اللي قضى سنين وهو بيحاول يعرف مصيرها، واللي كان فاكر إنه فقدها للأبد.
مسك ناثان من ذراعه وسأله بصوت مرتعش
إنت متأكد؟ غريس عايشة؟!
ناثان رد
أنا مش هقول لك إنها عايشة من غير دليل. لكن اسمها موجود في السجلات، وفيه توقيع لشخص استلمها من أحد تجار البشر، وبعدها اختفى أثرها تمامًا.
إلياه سكت، وعينيه مليانة صدمة وأمل في نفس الوقت.
كان طول الشهور اللي فاتت بيخطط لإنقاذ خمسة وسبعين شخصًا، لكنه لأول مرة بقى عنده سبب شخصي يخليه يواجه بلاك وود مهما كان الثمن.
قبل ما يسأل ناثان عن أي تفاصيل إضافية، دوّى صوت جرس من ناحية المزرعة.
جرس الإنذار!
وبعده مباشرة، ارتفع دخان أسود فوق الأشجار.
إلياه جري ناحية أقرب مرتفع، وبص من بين الأغصان.
كان فيه حريق بيبدأ عند المخزن القديم.
وناثان، أول ما شاف الدخان، وشه اتغير.
قال بصوت منخفض
هو بدأ يمسح الأدلة.
إلياه قبض على إيده وقال
مش هسمح له ياخد مني أختي مرة تانية.
لكن ناثان مسكه من كتفه وقال
استنى! لو دخلت من البوابة الخلفية، هتقع في إيد رجاله. لازم تعرف مين اللي فتح له باب الخيانة من جوه.
وفي نفس اللحظة، ظهر رجل بيجري بين الأشجار ناحية الجدول.
كان هنري كولينز!
هدومه مليانة تراب، وإيده بتنزف، وبيجري كأنه هرب من الموت.
أول ما شاف إلياه، صرخ
إلياه! ما تصدقش الورقة اللي معاه! أنا ما خنتكش!
إلياه وقف مكانه.
هنري وصل له وهو بينهج، وبعدها بص لناثان، ولما شاف الندبة اللي في وشه، رجع لورا فجأة.
وشه شحب، وقال بصوت مخنوق
إنت إنت المفروض تكون ميت!
ناثان ما ردش.
هنري بص لإلياه وقال بسرعة
اسمعني! بلاك وود مسك صامويل، وأخد الصندوق، لكنه لسه ما فتحش الدرج السري اللي جواه. ولو فتحه، مش هيكتفي بقتلنا هيقتل كل شخص اسمه موجود في السجلات!
إلياه سأله
والورقة اللي عليها توقيعك؟
هنري نزل عينه، وطلع من جيبه قطعة ورق ممزقة.
قال
التوقيع ده مش توقيعي الحقيقي. حد قلّد اسمي عشان يوقعك في الفخ. وأنا عرفت مين عمل كده، لكن الشخص ده
توقف فجأة.
لأنه سمع صوت خطوات قريبة.
ثلاثة رجال كانوا بيتحركوا بينهم وسط الأشجار، وكل واحد فيهم شايل بندقية.
هنري همس
وصلوا لنا!
ناثان أشار لإلياه ناحية ممر ضيق بين الصخور.
لكن قبل ما يتحركوا، سمعوا صوت بلاك وود من خلف الأشجار، وهو بيصرخ
إلياه! أنا عارف إنك سامعني! عندي عرض ليك!
وبعدها قال جملة خلت إلياه ينسى للحظة كل حاجة حواليه
سلّم نفسك، وأنا هقول لك مكان أختك غريس!
إلياه وقف مكانه، وبص ناحية الصوت.
وبلاك وود كمل
لكن لو رفضت مش هتكون غريس هي الوحيدة اللي هتخسرها النهارده!
يتبع في الجزء الرابع
يا ترى بلاك وود فعلًا يعرف مكان غريس، ولا بيستخدم اسمها عشان يستدرج إلياه؟ ومين الشخص اللي زوّر توقيع هنري، وإيه السر الموجود في الدرج الخفي للصندوق؟
الجزء الرابع بلاك وود كشف السر اللي كان مخبيه عشرين سنة لكن إلياه قلب الطاولة!
إلياه وقف وسط الأشجار، وعينيه مثبتة على المكان اللي جاي منه صوت بلاك وود.
اسم غريس كان كفيل إنه يوقفه عن التفكير للحظة.
سنين طويلة وهو بيسأل نفسه إذا كانت أخته لسه عايشة، وإذا كانت بتدور عليه زي ما هو بيدور عليها، وإذا كان ممكن ييجي يوم ويشوفها تاني.
والنهارده، الراجل اللي دمّر حياته بيقول له إنه يعرف مكانها!
هنري مسك ذراعه وهمس
إوعى تصدقه يا إلياه. بلاك وود مستعد يقول أي كذبة عشان يمسكك.
لكن إلياه ما ردش.
كان بيفكر في حاجة واحدة لو بلاك وود فعلًا عنده معلومة عن غريس، لازم يعرفها، من غير ما يعرّض الناس اللي في المزرعة للخطر.
ناثان كول قرّب منه وقال
اسمعني كويس. الراجل ده عنده نقطة ضعف عمره ما قدر يتخلص منها. هو بيعتقد إن كل الناس ممكن تشتريها بالفلوس أو تخوفها بالسلاح. لو عرف إنك مستعد تتصرف من غير تفكير بسبب أختك، هيستغل ده ضدك.
إلياه بص له وقال
ولو كانت عايشة فعلًا؟ أسيب الفرصة تضيع مني؟
ناثان رد بحزم
لأ. لكن لازم تاخد الحقيقة منه، مش تقع في الفخ اللي عامله لك.
وفجأة، صوت بلاك وود ارتفع مرة تانية من بين الأشجار.
عندك خمس دقايق يا إلياه! بعدها، مش هضمن إن المعلومات اللي عندي هتفضل موجودة!
هنري بص لإلياه، وبعدها قال
أنا عرفت هو جاب اسم غريس منين. الصندوق اللي أخده من صامويل فيه سجل قديم، لكن فيه صفحة اتشالت منه من سنين. الصفحة
دي فيها أسماء الناس اللي اتنقلوا من الميناء إلى المزارع في لويزيانا.
إلياه سأله بسرعة
وإنت عرفت الكلام ده إزاي؟
هنري اتردد، وبعدها رد
لأني شفت الصفحة دي قبل كده، في مكتب توماس غراي.
ناثان رفع راسه فجأة.
توماس؟!
هنري هز راسه.
أيوه. هو اللي مسؤول عن حسابات المزرعة. ومن شهر تقريبًا، شفته بيدخل المكتب بالليل، وبيخرج منه ومعاه ورق ملفوف. ولما سألته كان بيعمل إيه، هددني إني لو اتكلمت هتكون دي آخر ليلة ليا في المزرعة.
إلياه بدأ يربط الأحداث ببعضها.
توماس عنده إمكانية الوصول للسجلات، وعارف تفاصيل المزرعة، وقريب من بلاك وود لدرجة تخليه يقدر يغيّر أوراق من غير ما حد يشك فيه.
لكن ليه يزوّر توقيع هنري؟ وليه يساعد بلاك وود يخفي الأدلة، لو كان هو نفسه بيخاطر إنه يتفضح؟
قبل ما إلياه يقدر يسأل، سمعوا صوت صفارة حادة من ناحية المزرعة.
ناثان اتغيرت ملامحه.
قال
دي مش صفارة الحراس العادية. دي إشارة إنهم لقوا حاجة في المخزن.
هنري رد بسرعة
الصندوق! لو عرفوا يفتحوا الدرج السري، كل حاجة انتهت!
إلياه بص له باستغراب.
إيه الموجود في الدرج ده؟
هنري فتح فمه عشان يرد، لكن في اللحظة دي، خرج واحد من رجال بلاك وود من بين الأشجار، ووجّه بندقيته ناحيتهم.
محدش يتحرك!
وخلفه ظهر رجلان آخران.
بلاك وود نفسه كان واقف على مسافة قصيرة، ماسك بندقيته، وعلى وشه ابتسامة باردة.
قال
كنت متأكد إنك هترجع يا إلياه. إنت ذكي، لكن عندك مشكلة واحدة بتفكر في غيرك أكتر ما بتفكر في نفسك.
إلياه وقف قدامه من غير ما يتحرك.
بلاك وود أشار لهنري وقال
خدوا الراجل ده بعيد عني.
واحد من الحراس قرب من هنري، لكن هنري فجأة صاح
قبل ما تعمل كده، اسأله عن اللي حصل سنة 1849! اسأله ليه ناثان كول اختفى، وليه كل الناس اللي كانوا معاه ماتوا أو اختفوا بعده!
ابتسامة بلاك وود اختفت.
ولثانية واحدة، عينيه راحت ناحية ناثان.
الثانية دي كانت كفاية لإلياه عشان يفهم إن هنري لمس سرًا حقيقيًا.
بلاك وود رجع ليتكلم، لكن ناثان سبقه.
قول لهم يا بلاك. قول لهم إيه اللي حصل في الليلة اللي اتهمتني فيها بالسرقة، وإنت كنت بتحاول تتخلص من السجلات اللي تثبت جرائمك!
بلاك وود صرخ
كفاية كذب! إنت هربت، وسِبت رجالتك يموتوا!
ناثان رد بصوت هادي
أنا ما سبتهمش. إنت اللي بعتهم لطريق كنت عارف إنه مقفول، عشان تمنعهم من الوصول للميناء. ولما رجعت عشان أنقذ اللي قدرت عليه، كنت إنت أول واحد أعلن إني مت.
الرجال اللي واقفين مع بلاك وود بدأوا يبصوا لبعض.
واحد منهم سأل
يا سيدي، الكلام ده حقيقي؟
بلاك وود لف له بغضب.
إنت بتسألني أنا؟!
لكن السؤال كان اتقال، والشك بدأ ينتشر.
إلياه استغل اللحظة وقال
إنتوا جيتوا هنا عشان تصطادوا إنسان، لأن بلاك وود وعدكم بمكافأة. لكن حد فيكم سأل نفسه ليه الراجل ده مصرّ يقتلني بدل ما يرجعني للمزرعة؟ وليه بيخاف من صندوق خشب أكتر ما بيخاف من عشرين ؟
محدش رد.
بلاك وود رفع سلاحه ناحية إلياه، لكن قبل ما يضغط على الزناد، سمعوا صوت حصان جاي من ناحية الطريق.
ظهر توماس غراي، ووشه شاحب، وفي إيده ورقة مختومة.
نزل من الحصان بسرعة، وبص لبلاك وود وقال
لازم نتكلم حالًا.
بلاك وود صاح فيه
مش شايف إني مشغول؟!
توماس قرّب منه وهمس، لكن صوته كان مسموعًا بما يكفي للي واقفين قريب
الورقة اللي كنت بتدور عليها مش موجودة في الصندوق.
بلاك وود اتجمد.
إيه؟!
توماس بلع ريقه وقال
الدرج السري فاضي. اللي كان جواه اتنقل من زمان.
ناثان ابتسم لأول مرة.
أما إلياه، فبص لتوماس وسأله
اتنقل لفين؟
توماس ما ردش، لكن عينيه اتحركت ناحية هنري.
وفي اللحظة دي، فهم إلياه إن هنري كان مخبي عنه معلومة مهمة.
هنري رجع خطوة لورا، وقال بسرعة
إلياه، اسمعني قبل ما تحكم عليّ. أنا ما خنتكش، لكن فيه حاجة ما قدرتش أقولها لك.
إلياه بص له بحدة.
إيه هي؟
هنري نزل عينه، وبعدها قال
أنا اللي نقلت الورق من الصندوق بأمر من صامويل. لأن صامويل اكتشف إن فيه صفحة واحدة ممكن تكشف مكان غريس، لكن لو وقعت في إيد بلاك وود، عمرنا ما هنقدر نوصل لها.
إلياه حس إن قلبه بيدق بسرعة.
إنت معاك الصفحة؟
هنري هز راسه.
لأ. أنا سلّمتها لشخص واحد بس، شخص يقدر يحافظ عليها بعيد عن بلاك وود.
ناثان سأله
مين الشخص ده؟
هنري بص ناحية المزرعة، وقال
مارجريت هال.
في نفس اللحظة، كانت مارجريت واقفة داخل الكوخ اللي كانت بتستخدمه لتخزين المؤن.
كانت سامعة أصوات الحراس وهم بيتحركوا ناحية المخزن المحترق، وعارفة إن الوقت بيضيق.
فتحت صندوقًا صغيرًا تحت سريرها، وطلعت منه رسالة قديمة، وصورة باهتة لفتاة شابة واقفة جنب امرأة أكبر منها.
على ظهر الصورة، كان فيه اسم مكتوب بخط غير واضح.
غريس.
مارجريت ضمّت الصورة بين إيديها، وهمست
يا رب تكوني لسه عايشة.
وفجأة، سمعت طرقات على الباب.
ثلاث طرقات بطيئة.
مارجريت خبّت الرسالة بسرعة، ووقفت مكانها.
جاءها صوت رجل من الخارج
مارجريت، افتحي الباب. أنا توماس.
هي ما ردتش.
الصوت اتكرر، لكن المرة دي كان مختلفًا.
أنا عارف إن معاكي الصفحة. ولو ما سلمتيهاش لي، بلاك وود هيعرف إنك إنتِ اللي ساعدتي إلياه.
مارجريت حسّت ببرودة تسري في جسمها.
لأن توماس ماكانش المفروض يعرف مكانها، ولا يعرف أي حاجة عن الرسالة.
لكن اللي سمعته بعد كده كان أخطر.
توماس قال من خلف الباب
وفيه حاجة تانية لازم تعرفيها غريس مش مجرد اسم في سجل قديم. فيه شخص في المزرعة شافها بعينه من أقل من شهر.
مارجريت حطت إيدها على فمها عشان تمنع نفسها من إصدار أي صوت.
وبعدين سمعت الجملة اللي خلتها تتراجع لحد ما ظهرها خبط في الحيطة
والشخص ده هو بلاك وود نفسه.
يتبع في الجزء الخامس
يا ترى غريس عايشة فعلًا؟ وليه بلاك وود مخبي مكانها عن إلياه؟ وهل مارجريت هتقدر تحافظ على الصفحة قبل ما توصل إيد توماس ليها؟
الجزء الخامس غريس عايشة فعلًا لكن السر اللي اكتشفته كان أخطر من الموت!
مارجريت فضلت واقفة ورا الباب، مش قادرة تتحرك.
كلام توماس كان بيلف في دماغها، خصوصًا الجملة الأخيرة
بلاك وود نفسه شاف غريس من أقل من شهر!
إزاي؟ وليه مخبي الحقيقة عن إلياه؟ والأهم، إيه اللي يخليه يحتفظ بمعلومة زي دي بدل ما يستخدمها من البداية؟
مارجريت كانت عارفة إن فتح الباب ممكن يعرّضها للخطر، لكنها كمان عارفة إن السكوت مش هيحميها للأبد.
قربت من الباب وسألته
إنت عرفت منين إن غريس عايشة؟
توماس رد بسرعة
لأني كنت موجود لما بلاك وود استلم رسالة من شخص بيقول إنه شافها في بلدة قريبة من النهر. الرسالة كان فيها وصف دقيق لوشها، وعلامة صغيرة في إيدها اليمين.
مارجريت فتحت الباب فتحة بسيطة، لكنها فضلت واقفة وراه.
وإنت متأكد إنها هي؟
توماس هز راسه.
بلاك وود اتأكد من العلامة بنفسه. ومن يومها وهو بيحاول يوصل لها قبل أي حد تاني.
مارجريت حسّت بالخوف، لكنها حاولت تخفيه.
طيب، ليه؟ هي عملت له إيه؟
توماس بص حواليه، وبعدها قال بصوت منخفض
لأن غريس تعرف حقيقة ممكن تدمّره.
وقبل ما يقدر يكمل، سمعوا صوت خطوات قريبة من آخر الممر.
توماس اتراجع بسرعة وقال
خبي الرسالة، وما تثقيش في أي حد. حتى لو قال لك إنه جاي ينقذك.
وبعدها مشي من غير ما يديها فرصة تسأله أي سؤال تاني.
مارجريت قفلت الباب، وسندت ضهرها عليه، وهي بتحاول تفهم إيه اللي بيحصل.
لكنها ماكانتش تعرف إن توماس نفسه كان بيخبي حقيقة أكبر بكتير.
في الغابة، إلياه كان واقف قدام هنري، مستني منه تفسيرًا واضحًا.
قال له
إنت بتقول إن مارجريت معاها الصفحة اللي ممكن توصلني لغريس. طيب، ليه ما قلتليش من الأول؟
هنري رد بحزن
لأن صامويل طلب مني ما أقولش لحد. كان خايف إن أي حد يعرف مكان الصفحة يضطر يعترف تحت التهديد، وساعتها كل حاجة تضيع.
إلياه سأله
وصامويل فين دلوقتي؟
هنري نزل عينه.
آخر مرة شفته، كان الحراس بياخدوه ناحية مكتب بلاك وود.
إلياه قبض إيده بقوة.
صامويل كان أول شخص وثق فيه داخل المزرعة، والراجل اللي ساعده يحوّل فكرة الهروب إلى خطة لإنقاذ خمسة وسبعين إنسانًا.
ماكانش مستعد يسيبه لمصير مجهول.
ناثان كول قرّب منه وقال
لازم نفكر بعقل. لو رجعنا كلنا للمزرعة، بلاك وود هيقدر يمسكنا. لكن لو عرفنا مكان الصفحة، هنقدر نكشف جزءًا كبيرًا من .
إلياه رد بحزم
مش هختار بين إنقاذ صامويل ومعرفة مكان أختي. لازم نعمل الاتنين.
ناثان ابتسم ابتسامة خفيفة.
كنت متوقع إنك هتقول كده.
وبعدين أخرج من جيبه خريطة قديمة، وفرشها فوق جذع شجرة.
الخريطة كانت بتوضح طريق النهر، ومجموعة من المخازن المهجورة، وممر ضيق بيوصل لحدود أرض بلاك وود.
ناثان أشار لمبنى صغير مرسوم قرب النهر.
المكان ده كان مخزنًا للبضائع قبل سنين. وبعدها اتقفل، لكن بلاك وود لسه بيستخدمه سرًا.
إلياه سأله
وإيه علاقته بغريس؟
ناثان بص له بجدية.
لأن آخر سجل عندي بيقول إن مجموعة من الأسرى اتنقلوا من الميناء للمخزن ده قبل ما يتوزعوا على أماكن مختلفة. واسم غريس كان من ضمن الأسماء.
إلياه فضل باصص للخريطة.
كان عنده أخيرًا خيط حقيقي يقدر يتبعه، لكنه كان عارف إن كل دقيقة بتعدي ممكن تكون بتقرّب بلاك وود من غريس.
وفجأة، هنري لاحظ حاجة على طرف الخريطة.
علامة صغيرة مرسومة بالحبر الأحمر، جنب المخزن المهجور.
قال باستغراب
العلامة دي ما كانتش موجودة في النسخة اللي شفتها قبل كده.
ناثان قرّب منها، ولما شافها، ملامحه اتغيرت.
دي علامة تحذير.
إلياه سأله
تحذير من إيه؟
ناثان رد
من إن المكان اتراقب مؤخرًا.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت حركة بين الأشجار.
إلياه رفع إيده، وأشار للاتنين يسكتوا.
كان فيه شخص بيتحرك على مسافة قريبة، بيحاول يخفي خطواته، لكنه ماكانش محترفًا كفاية.
ناثان أشار لإلياه يتحرك ناحية اليمين، بينما هنري لف من الناحية التانية.
بعد لحظات، ظهر رجل شاب بين الأشجار، ولما شاف إن الطريق اتقفل قدامه، رفع إيديه بسرعة.
كان واحدًا من عمال المزرعة، واسمه جوزيف.
إلياه عرفه فورًا.
جوزيف؟ إنت بتعمل إيه هنا؟
جوزيف كان بيترعش من الخوف.
أنا جاي أحذركم. بلاك وود عرف إنكم بتدوروا على مارجريت، وبعت رجاله يفتشوا كل الأكواخ.
إلياه سأله
ومارجريت؟ حصل لها حاجة؟
جوزيف اتردد لحظة، وبعدها قال
مش عارف. لكن فيه حاجة لازم تعرفها. قبل ما أخرج من المزرعة، سمعت بلاك وود بيقول لتوماس إنه مش عايز غريس ترجع للمزرعة تحت أي ظرف.
إلياه حس بغضب شديد.
ليه؟
جوزيف هز راسه.
ما سمعتش السبب. لكن سمعت اسم شخص تاني اتذكر في الكلام.
ناثان سأله
مين؟
جوزيف بص حواليه، وبعدها همس
صامويل ريد.
إلياه اتجمد.
صامويل؟! إيه علاقته بغريس؟
جوزيف رد
بلاك وود قال إن صامويل هو الشخص الوحيد اللي يقدر يثبت إن غريس كانت موجودة في لويزيانا من سنين، وإنه لو اتكلم، كل حاجة هتتكشف.
ناثان قفل عينيه للحظة، وكأنه بدأ يفهم الصورة كاملة.
وبعدين قال
يبقى صامويل ماكانش مجرد عامل عجوز في المزرعة. هو كان شاهدًا على حاجة بلاك وود حاول يخفيها سنين طويلة.
إلياه مسك الخريطة ولفّها بسرعة.
هنروح للمزرعة ونخرّج صامويل. وبعدها هنلاقي مارجريت والصفحة.
ناثان هز راسه موافقًا، لكن قبل ما يتحركوا، جوزيف قال
استنوا! فيه حاجة تانية.
التلاتة بصوا له.
جوزيف طلع من جيبه قطعة قماش صغيرة، عليها تطريز قديم لزهرة بيضاء.
إلياه أول ما شافها، وشه اتغير.
دي كانت نفس العلامة اللي كانت أخته غريس بتطرزها على ملابسها وهي صغيرة.
مسك قطعة القماش بإيد مرتعشة، وسأله
إنت جبت دي منين؟
جوزيف رد
لقيتها في مكتب بلاك وود، تحت ورقة عليها عنوان مكان قريب من النهر. ولما سألت واحد من الحراس عنها، قال لي إن سيده محتفظ بيها من سنين.
إلياه رفع عينه ببطء.
يعني هو كان عارف غريس من زمان.
ناثان رد
أيوه. وده معناه إن القصة بدأت قبل وصولك للمزرعة بسنين.
إلياه حط قطعة القماش في جيبه، وبص ناحية الغابة.
لأول مرة، بدأ يشك إن بلاك وود ماكانش مجرد الرجل اللي استغل قوته ونفوذه للسيطرة على الناس.
يمكن كان جزءًا من السر اللي فرّق عيلته من البداية.
في المزرعة، كان بلاك وود واقف داخل مكتبه، قدامه صامويل ريد مربوط على كرسي خشبي.
الصندوق الخشبي كان فوق المكتب، مفتوحًا، والأوراق مبعثرة حواليه.
بلاك وود رفع إحدى الصفحات قدام صامويل وقال
أنا عارف إنك أخفيت الورقة المهمة. عايز أعرف مكانها.
صامويل فضل ساكت.
بلاك وود خبط الورقة على المكتب.
إنت فاكر إن سكوتك هيحمي الناس اللي بتحاول تساعدهم؟! أنا أقدر أوصل لكل واحد فيهم!
صامويل رفع عينه وقال
إنت تقدر تخوف الناس، لكن مش هتقدر تغيّر اللي حصل.
بلاك وود قرّب منه.
أنا مش محتاج أغيّر الماضي. أنا محتاج أتأكد إن محدش هيقدر يثبته.
صامويل ابتسم رغم خوفه.
المشكلة إنك نسيت إن الحقيقة مش موجودة في ورقة واحدة.
بلاك وود سكت.
وبعدين سأل ببطء
إنت تقصد إيه؟
صامويل رد
الصفحة اللي بتدور عليها مش هي الدليل الوحيد. فيه نسخة تانية، وفيه شخص تاني يعرف كل حاجة.
بلاك وود مسك الكرسي بقوة.
مين؟!
صامويل بص له مباشرة وقال
غريس.
في اللحظة دي، اتفتح باب المكتب بعنف.
دخل توماس غراي، ووشه شاحب، وفي إيده رسالة عاجلة.
قال بصوت مرتعش
يا سيدي وصلنا خبر من البلدة اللي جنب النهر.
بلاك وود لف له بسرعة.
إيه الخبر؟
توماس مدّ له الرسالة.
المرأة اللي كنا بندور عليها اختفت من المكان اللي كانت فيه.
بلاك وود فتح الرسالة وقرأها بسرعة.
وبعدها رفع عينه ناحية صامويل.
لأول مرة، ماكانش الغضب هو اللي ظاهر على وشه.
كان الخوف.
لأن الرسالة ما كانتش بتقول إن غريس اختفت وبس.
كانت بتقول إن آخر شخص شافها، شافها وهي بتسأل عن رجل أفريقي طويل اسمه إلياه.
يتبع في الجزء السادس
لكن المفاجأة الأكبر إن غريس ما كانتش بتحاول تهرب من بلاك وود وحده كانت بتدور على أخوها، ومعاها سر لو وصل إليه، هيغيّر كل حاجة!
الجزء الأخير الحقيقة اللي قلبت مصير إلياه والنهاية اللي ماكانش بلاك وود يتخيلها!
لويزيانا، أغسطس سنة 1869.
بلاك وود كان واقف في مكتبه، ماسك الرسالة اللي وصلته من البلدة القريبة من النهر، وإيده بتترعش من الغضب.
غريس اختفت، وإلياه لسه حر، والصفحة اللي ممكن تفضح جرائمه مش موجودة.
كل حاجة بناها خلال سنين طويلة كانت بتنهار قدام عينيه.
لفّ ناحية توماس غراي وصاح
عايز رجالة يفتشوا كل الطرق المؤدية للنهر! محدش يخرج من المنطقة دي قبل ما نلاقيها!
توماس هز راسه، لكنه ما اتحركش.
بلاك وود بص له بحدة.
إنت مستني إيه؟!
توماس رفع عينه وقال
كفاية يا سيد بلاك وود. مش هقدر أساعدك
في جريمة جديدة.
بلاك وود اتجمد مكانه.
إنت بتتحداني؟
توماس رد بصوت ثابت
أنا ساعدتك سنين، وكنت فاكر إن السكوت هيحميني. لكن لما شفتك بتحرق المخزن عشان تخفي السجلات، فهمت إنك مش هتسيب شاهد واحد على قيد الحياة لو ده هيحافظ على ثروتك.
بلاك وود مد إيده ناحية مسدسه، لكن توماس كان سبقُه، وخرج من المكتب قبل ما يقدر يمنعه.
وفي اللحظة دي، سمع بلاك وود صوت أجراس الخيول وصياح الحراس من ناحية البوابة الخلفية.
إلياه رجع!
لكن المرة دي ماكانش لوحده.
إلياه وناثان وهنري وجوزيف وصلوا للمزرعة من الطريق الجانبي، ومعاهم مجموعة من الرجال اللي كانوا محبوسين هناك.
مارجريت كانت نجحت في الخروج من الكوخ، ومعاها الصفحة القديمة وصورة غريس.
أما صامويل، فكان لسه محتجزًا في مكتب بلاك وود.
إلياه أول ما عرف مكانه، جرى ناحية المبنى، لكن ناثان أوقفه للحظة.
استنى يا إلياه. لازم ننهي الموضوع ده بطريقة تمنعه من إيذاء أي حد تاني.
إلياه بص له وقال
أنا مش رايح أنتقم. أنا رايح أخرج صامويل، وأرجّع لكل الناس حريتها.
ناثان هز راسه، ودخلوا سوا.
في المكتب، بلاك وود كان بيحاول يهرب من الباب الخلفي، لكنه فوجئ بإلياه واقف قدامه.
لأول مرة، ماكانش إلياه مطأطئ راسه، ولا بيمثل إنه مش فاهم كلامه.
وقف مستقيمًا، وبص له في عينيه.
بلاك وود حاول يستعيد غروره وقال
فاكر إنك كسبت؟ إنت مجرد هارب، ومهما عملت، محدش هيصدق كلامك!
إلياه رد بهدوء
مش محتاج حد يصدقني من غير دليل. الدليل موجود، وشهودك موجودين، والناس اللي ظلمتهم بقوا قادرين يتكلموا.
بلاك وود ضحك بسخرية.
إنت فاكر إن شوية ورق هيهدموا راجل زيي؟
في اللحظة دي، دخلت مارجريت المكتب، ووضعت الصفحة القديمة فوق المكتب.
وقالت
مش شوية ورق يا بلاك وود. دي أسماء الناس اللي اتاخدوا بالقوة، وأسماء اللي دفعوا فلوس عشان يشتروا حريتهم من غير ما يكون لهم حق في امتلاك أي إنسان.
وبعدها دخل توماس، ومعاه دفتر الحسابات الأصلي، اللي كان محتفظًا بنسخة منه بعيدًا عن المكتب.
توماس قال
وده سجل المدفوعات اللي حاولت تخفيه. فيه أسماء التجار، وتواريخ نقل الناس، والمبالغ اللي دفعتها لرجال فاسدين عشان يغطوا على جرائمك.
بلاك وود بص للدفتر، وبعدها بص لتوماس بصدمة.
إنت كنت بتحتفظ بنسخة؟!
توماس رد
أيوه. وكنت كل يوم بخاف من اليوم اللي هحتاج أستخدمها فيه.
إلياه فك قيود صامويل، وساعده يقف.
العجوز بص لبلاك وود وقال
كنت فاكر إن الخوف هيخلينا نسكت للأبد. لكنك نسيت إن كل إنسان له لحظة بيقرر فيها إنه مش هيسكت تاني.
بلاك وود حاول يخرج من الغرفة، لكنه لقى رجالًا واقفين عند الباب.
ماكانش فيه طريق
.
الحقيقة الأخيرة عن غريس
بعد ساعات من البحث، وصلت مجموعة من الرجال إلى البلدة القريبة من النهر، بناءً على المعلومات الموجودة في الصفحة القديمة.
وهناك، في منزل صغير على أطراف البلدة، لقوا امرأة شابة في أواخر العشرينات، بتساعد أسرة فقيرة في رعاية أطفالها.
كان اسمها غريس.
لما دخل إلياه البيت وشافها واقفة عند النافذة، وقف مكانه.
هي كمان رفعت عينيها ناحيته.
في البداية، ماعرفتش تتكلم.
فضلت تبص لملامحه، كأنها بتحاول تلاقي في وشه الطفل اللي كانت تعرفه قبل ما تتفرق عن عيلتها.
إلياه نطق اسمها بصوت
غريس؟
المرأة حطت إيدها على فمها، ودموعها نزلت من غير ما تقدر تمنعها.
إلياه؟! إنت عايش؟!
قربت منه، وفضلت تبص لوشه وهي بتحاول تصدق إنه أخوها اللي فقدته من سنين.
إلياه قال لها
دورت عليكي في كل مكان. كنت فاكر إني مش هشوفك تاني.
غريس ردت
وأنا عمري ما نسيتك. كل يوم كنت بدعي أعرف إنت وصلت لفين.
وبعدين حكت له الحقيقة.
بعد ما اتفرقت عنه، اتنقلت بين أماكن مختلفة، لحد ما وصلت إلى لويزيانا، وهناك ساعدتها امرأة طيبة اسمها إليزابيث موريس، وقدرت تهربها من قبضة تجار البشر.
عاشت غريس بعدها سنين بتحاول تبدأ حياة جديدة، لكنها ما نسيتش أخوها، وكانت بتسأل عن اسمه كل ما تقابل شخصًا جديدًا.
أما بلاك وود، فكان يعرف جزءًا من قصتها لأنه احتفظ بسجلات قديمة تخص المجموعة اللي اتنقلت فيها.
لكنه ماكانش هو اللي أنقذها، ولا كان صاحب الفضل في بقائها على قيد الحياة.
كل اللي كان عايزه هو الوصول إليها قبل ما تقدر تشهد على الجرائم اللي ارتكبها شركاؤه.
غريس طلعت من صندوق صغير صورة قديمة لعيلتها، كانت محتفظة بيها طول السنين.
إلياه مسك الصورة، ولأول مرة من يوم ما اتاخد من قريته، حس إن الماضي مش كله ألم.
لسه فيه حاجة قدر يستعيدها.
أخته.
سقوط الرجل اللي كان فاكر نفسه أقوى من الجميع
بعد كشف السجلات والشهادات، اتجمعت الأدلة ضد بلاك وود، واتقبض عليه وعلى عدد من شركائه المتورطين في خطف البشر وإجبارهم على العمل الشهود.
أما الصيادون اللي دخلوا الغابة، فاكتُشف إن أغلبهم تفرّقوا في الطرق المتشعبة، وإن بعضهم قضى ساعات طويلة تائهًا وسط المستنقعات. واتصاب عدد منهم أثناء محاولتهم الرجوع، بينما رجع آخرون بعد ما أدركوا إنهم شاركوا في مطاردة إنسان لا لسبب إلا إرضاء غرور رجل ثري.
والرجل اللي اختفى في بداية المطاردة، اتضح إنه ضل طريقه بعد ما انفصل عن مجموعته، ولما رجع أخيرًا، أدلى بشهادته عن اللي حصل.
أما ناثان كول، فقدّم شهادته عن الأحداث القديمة، وكشف كيف استُخدمت لإبعاده عن الطريق ومنعه من فضح شبكة التجار.
، وبدأت السلطات تلاحقهم.
ماكانش كل شيء سهلًا، ولا كل المظالم اتصلحت في يوم وليلة، لكن بلاك وود أنهى سيطرته على المزرعة، وفتح الباب أمام الناس اللي عاشوا تحت إنهم يطالبوا بحقوقهم ويبدؤوا حياة جديدة.
إلياه رفض أي مكافأة مالية اتعرضت عليه مقابل مساعدته في كشف القضية.
وقال
أنا ما عملتش ده عشان الفلوس. أنا عملته عشان مفيش حد تاني يعيش اللي إحنا عشناه.
صامويل رجع لأصدقائه، وهنري وجوزيف ساعدوا في نقل الناس إلى أماكن آمنة، ومارجريت احتفظت بنسخة من السجلات عشان تضمن إن الحقيقة ما تختفيش مرة تانية.
أما توماس، فاعترف بدوره في إخفاء بعض الحسابات، ووافق على الإدلاء بشهادته كاملة، حتى لو ده كلّفه خسارة ثروته ومكانته.
بعد سنة واحدة
في صيف سنة 1870، كان إلياه واقف على أرض صغيرة قرب النهر، بيبني بيتًا جديدًا له ولأخته غريس.
ماكانش البيت كبيرًا، لكنه كان مليان حياة.
صامويل كان بيزرع شتلات قدام الباب، وهنري بيساعد في تجهيز الأرض، ومارجريت كانت بتعلّم الأطفال القراءة والكتابة.
ناثان كول، اللي قضى سنين طويلة هاربًا من ماضيه، قرر أخيرًا يستقر قريب منهم، ويستخدم خبرته في الطرق والغابات لمساعدة الناس اللي بيبحثوا عن عائلاتهم المفقودة.
في يوم، إلياه كان قاعد تحت شجرة كبيرة، بيصلح أداة صيد قديمة، لما غريس خرجت من البيت وجلست بجانبه.
سألته
لسه بتفكر في اليوم اللي دخلت فيه الغابة؟
ابتسم وقال
كل يوم.
غريس سألته
كنت خايف؟
إلياه سكت للحظات، وبعدها رد
أيوه. كنت خايف ما أقدرش أنقذ الناس، وخايف ما أشوفكيش تاني. الشجاعة مش معناها إن الواحد ما يخافش. الشجاعة إنك تفضل تعمل الصح رغم خوفك.
غريس ابتسمت، وبصت ناحية الأطفال اللي بيلعبوا قرب البيت.
وبعدين قالت
فاكر القاعدة اللي كنت بتقولها وإنت صغير؟
إلياه ضحك لأول مرة من قلبه.
القوة ممكن تكسبك معركة لكن العقل هو اللي يخلّيك ترجع منها عايش.
غريس هزت راسها.
المرة دي، إنت ما رجعتش عايش لوحدك. إنت رجّعت ناس كتير للحياة.
إلياه بص ناحية النهر، وافتكر كل اللي مرّ به من يوم ما اتاخد من قريته، وكل لحظة كان فيها قريب من الاستسلام.
وبعدين قال
أنا ما أنقذتش الناس لوحدي. كل واحد فينا ساعد التاني. لو صامويل ما وثقش فيا، ولو هنري ما خاطرش بحياته، ولو مارجريت ما احتفظتش بالصفحة، ولو ناثان ما رجعش يواجه الماضي ماكنّاش وصلنا للي إحنا فيه.
وفي اللحظة دي، فهم إن أعظم انتصار حققه ماكانش هزيمة بلاك وود، ولا النجاة من عشرين صياد مسلح.
كان إنه قدر يحوّل الخوف اللي عاش فيه إلى أمل لناس تانية.
أما بلاك وود، ففضل اسمه شاهدًا على إن النفوذ ممكن يخوّف الناس لفترة، لكن الحقيقة لما تلاقي اللي عنده الشجاعة يقولها، بتقدر أقوى الأسوار.
وهكذا انتهت حكاية إلياه، الشاب اللي دخل الغابة باعتباره فريسة سهلة، وخرج منها وهو السبب في إنقاذ عشرات البشر، واستعادة أخته، وكشف شبكة كاملة من الظلم.
والدرس اللي سابه وراه كان واضحًا
ما تستهونش أبدًا بإنسان هادي، لأنك مش عارف إيه اللي شافه، ولا إيه اللي بيتعلمه في صمت، ولا قد إيه ممكن يتغير لما يقرر إنه مش هيسمح للظلم يحدد مصيره.
تمت النهاية.




