عام

التابوت

 

العجوز والتابوت المدفون

طماطم.
فيكتور حاول يقنعها إن مفيش أي سبب يمنع زراعة البطاطس، وإن التابوت كان مجرد صندوق خشب.
لكن ماري أصرت على رأيها.
وفي النهاية، زرعوا الطماطم في المكان ده، ونقلوا البطاطس لجزء تاني من الحديقة.
ومن ساعتها، كل ما حد يسأل ماري عن سبب تغيير مكان الزراعة، كانت ترد
عشان الطماطم مش بتطلع توابيت!
وكانت تضحك، والناس تضحك معاها.
آخر حكاية ماري عن التابوت
ماري عاشت ست سنين كمان بعد الحاډثة، لحد ما وصلت لعمر التسعين.
ومع تقدمها في السن، بقت مش قادرة تحفر في الأرض بنفسها، فكان فيكتور هو اللي بيطلع البطاطس من الحديقة ويجيب لها أول سلة كل خريف.
لكن ماري ما كانتش بتستقبل السلة من غير ما تفحصها الأول.
كانت تبص جواها، وتقلب البطاطس واحدة واحدة، وبعدها تسأله
مفيش توابيت؟
فيكتور يرد
مفيش توابيت.
ولا طوب أحمر؟
ولا طوب أحمر.
ولا ستات
مختفية؟
فيكتور كان يضحك ويقول
فاليري بعتت لي رسالة امبارح، وبتقول إنها بخير.
ساعتها بس، ماري كانت توافق تاخد السلة وتدخلها المطبخ.
الصورة اللي فيها والدها فضلت معلقة فوق ترابيزة الأكل لحد آخر أيام حياتها.
وكان كل زائر يشوفها ويسألها عن الراجل اللي واقف قدام الكنيسة وماسك المجرفة.
ماري كانت تبص للصورة، وبعدها تبص ناحية الحديقة وتبتسم.
وتحكي إن والدها كان واحدًا من الناس العاديين اللي حاولوا يحافظوا على ذاكرة المكان، من غير ما يكون مستني شهرة أو مقابل.
وتقول إن اللي حصل معاها في سن التمانين علّمها إن ساعات الإنسان ممكن يعيش عمره كله فاكر إنه عارف تاريخ عيلته، وفجأة يكتشف إن فيه صفحات كاملة ما اتفتحتش لسه.
هي خرجت يومها عشان تحصد البطاطس، لكن مجرفتها خبطت في حاجة كانت مخبية تحت الأرض لعشرات السنين.
في البداية، افتكرت إنها هتكتشف چريمة
قتل، وإن ابن أختها ممكن يكون متورط في اختفاء فاليري.
وبعدها اكتشفت إن التابوت مفيهوش چثة، وإن الطوب واللفافات كانوا جزءًا من خطة غريبة لحماية أوراق قديمة.
لكن الحقيقة الأهم ما كانتش في التابوت نفسه، ولا في الطوب اللي كان ماليه.
كانت في الأوراق اللي حافظت على أسماء ناس عاشوا في القرية قبلها بعشرات السنين، وفي الصورة اللي رجعت لها ذكرى والدها، وفي السطر اللي فضل محفورًا في ذاكرتها
لو المكان ده اختفى، لازم يكون فيه حد يفتكر الناس اللي عاشوا فيه.
ومن يومها، ماري بقت تشوف الحكاية كلها بشكل مختلف.
هي ما لقتش دهب، ولا مجوهرات، ولا ثروة تغير حياتها.
لكنها لقت شيئًا ما كانش ممكن يتشترى بالفلوس.
لقت جزءًا من تاريخ عيلتها، وحكاية والدها اللي كانت على وشك إنها تضيع للأبد.
وعشان كده، لما حد كان يسألها عن أغرب حاجة حصلت لها في حياتها، ما كانتش
بتقول إنها لقت تابوت تحت البطاطس.
كانت تبتسم وتقول
كل الناس بتفتكر التابوت لكن أنا عمري ما هنسى اللي كان جواه.

8 من 8التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى