روايات وقصص

كنت ثريا

قلت بصوت متقطع:

 

«بعتِ حاسوبك؟ ومجوهراتك؟ وسيارتك أيضًا؟ كل هذا من أجلي؟!»

 

هزت رأسها ببطء.

 

ثم جلست على الأريكة وقالت بصوت خافت:

 

«لم أستطع أن أجمع المبلغ كاملًا. هذا كل ما تمكنت من توفيره. أعرف أنه ليس كثيرًا، لكنني لم أعرف ماذا أفعل غير ذلك».

 

غطيت وجهي بيدي وبدأت أبكي كطفل صغير.

 

لم أبكِ لأنني كنت مريضًا، بل لأنني أدركت للمرة الأولى كم كنت أحمق.

 

لقد كنت أمتلك كل شيء تقريبًا، ومع ذلك شككت في الفتاة الوحيدة التي لم تطلب مني شيئًا.

 

أما هي، فلم تكن تمتلك سوى القليل، لكنها كانت مستعدة للتضحية بكل ما لديها حتى لا تشعر بأنني أواجه محنتي وحدي.

 

اقتربت مني سكايلر وجلست بجانبي.

 

وضعت يدها على كتفي وسألتني بقلق:

 

«هل تشعر بالألم؟ هل اتصلت بالطبيب؟»

 

لم أستطع النظر في عينيها.

 

فجأة، لم أعد أحتمل الكذبة التي بنيت عليها كل هذا.

 

أمسكت بيديها وقلت:

 

«سكايلر، يجب أن أخبرك بالحقيقة».

 

تراجعت قليلًا، وظهر الخوف في عينيها.

 

قلت وأنا أرتجف:

 

«أنا لست مريضًا. لم يشخّصني أي طبيب بمرض خطير، ولا أحتاج إلى هذا المال من أجل العلاج».

 

ساد الصمت.

 

حدقت في وجهي وكأنها لم تفهم الكلمات التي سمعتها للتو.

 

ثم همست:

 

«ماذا تقول؟»

 

أغمضت عيني للحظة، وأجبرْت نفسي على الاعتراف بكل شيء.

 

أخبرتها أنني اختلقت المرض، وأنني كذبت بشأن المال، وأنني فعلت ذلك لأن أصدقائي ووالديَّ جعلوني أشك في حبها.

 

قلت لها إنني أردت اختبارها لأعرف إن كانت تحبني حقًا أم تحب ثروتي.

 

لم تقاطعني.

 

لم تصرخ.

 

لم تبكِ حتى.

 

وهذا كان أقسى من أي شيء آخر.

 

عندما انتهيت، سحبت يديها من بين يديَّ، ونظرت إلى حقيبتها الصغيرة.

 

ثم قالت بصوت هادئ، لكنه كان مليئًا بالألم:

 

«إذًا، طوال الأيام الخمسة الماضية، كنت أركض من مكان إلى آخر، وأحاول إنقاذ رجل ظننت أنه يحتضر… بينما كنت أنت جالسًا تنتظر لترى إن كنت سأثبت حبي لك؟»

 

لم أجد إجابة.

 

أضافت:

 

«لقد بعت أشياء أحتاج إليها في حياتي. لقد خفت من أن أفقدك، وكنت أستعد لاحتمال أن أراك تتألم أمامي، ولم أكن أعرف حتى كيف سأدفع إيجاري الشهر المقبل».

 

بدأت الدموع تتجمع في عينيها أخيرًا.

 

«وأنت كنت تختبرني؟»

 

انحنيت أمامها وقلت:

 

«أنا آسف. أعرف أن اعتذاري لا يكفي. كنت جبانًا، وسمحت للشكوك أن تجعلني أؤذي أكثر شخص يحبني».

 

وقفت سكايلر، وأخذت حقيبتها.

 

شعرت بالذعر، فسألتها:

 

«هل ستتركينني؟»

 

نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت:

 

«لا أعرف بعد. أنا أحبك، لكن الحب لا يعني أن أقبل أن تعاملني وكأنني متهمة يجب أن تثبت براءتها».

 

ثم حملت الحقيبة وغادرت.

 

وللمرة الأولى في حياتي، لم تستطع أموالي شراء ما كنت أريده أكثر من أي شيء آخر: فرصة أخرى.

 

في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى منزلها.

 

لم أحمل باقة ورود باهظة الثمن، ولم أحضر هدية فاخرة محاولًا إصلاح ما أفسدته.

 

ذهبت ومعي حقيبة تحتوي على كل ما باعته، بعد أن استعدت الأشياء التي أمكنني العثور عليها، والمبلغ الذي دفعته مقابلها.

 

طرقت الباب.

 

فتحت لي بعد دقائق.

 

وضعت الحقيبة أمامها وقلت:

 

«هذه الأشياء ملكك، وكان يجب ألا تضطري إلى بيعها من أجلي أصلًا. أريدك أن تستعيدي كل ما خسرتِه، وسأعوضك عن أي شيء لم أتمكن من استعادته. ليس لأنني أعتقد أن المال سيصلح ما فعلته، بل لأنني أنا السبب في هذه الخسارة».

 

نظرت إلى الحقيبة، ثم إليّ.

 

قلت:

 

«لن أطلب منك أن تسامحيني اليوم. ولا أريدك أن تثبتي لي أي شيء مرة أخرى. أنت لم تكوني المشكلة يا سكايلر. مشكلتي كانت أنني لم أعرف كيف أثق بالحب الذي كنت أتلقاه».

 

بقيت صامتة لبعض الوقت.

 

ثم سألتني:

 

«وماذا لو كنت قد رفضت مساعدتك؟ ماذا لو لم أستطع جمع أي مبلغ؟ هل كنت ستقرر أنني لا أحبك؟»

 

شعرت بالخزي.

 

أجبتها بصدق:

 

«نعم، ربما كنت سأفعل ذلك. وهذا ما يجعلني أشعر بالخجل من نفسي. لم يكن من حقي أن أضعك في هذا الموقف أصلًا».

 

تنهدت، ثم قالت:

 

«أنا لا أحتاج إلى رجل يختبر حبي. أحتاج إلى رجل يثق بي بما يكفي ليخبرني بمخاوفه بدلًا من أن يصنع لي فخًا».

 

أومأت برأسي.

 

«أنت محقة».

 

لم تسامحني في ذلك الصباح، ولم تعد معي إلى المنزل.

 

لكنها وافقت على أن تمنحني وقتًا لأثبت أنني فهمت خطئي.

 

وللمرة الأولى، تعلمت أن الاعتذار ليس كلمات جميلة تقال في لحظة الندم، بل تغيّر حقيقي يظهر في التصرفات.

 

بعد أيام، ذهبت إلى والديَّ وأخبرتهما بما فعلته.

 

حاولت أمي أن تبرر موقفها قائلة:

 

«كنا نحاول حمايتك. لا نريد أن يستغلك أحد».

 

أجبتها:

 

«الحماية لا تعني أن أظلم إنسانة لم تفعل شيئًا سوى أنها أحبتني. كان بإمكانكما أن تنصحاني بالحذر، لكن القرار كان قراري، وأنا من اختار الكذب عليها».

أما أبي، فظل صامتًا طويلًا قبل أن يقول:

 

«وهل تعتقد أنها ستسامحك؟»

 

قلت:

 

«لا أعرف. وليس من حقّي أن أطالبها بذلك».

 

ثم أضفت:

 

«لكنني أعرف شيئًا واحدًا. عندما كنت أظن أنني سأفقد كل شيء، لم يكن المال هو ما كنت أحتاج إليه. كنت أحتاج إلى شخص يقف بجانبي. وقد فعلت سكايلر ذلك، رغم أنني لم أستحق منها هذه التضحية».

 

مرت أسابيع قبل أن تعود علاقتنا إلى طبيعتها.

 

لم يكن الأمر سهلًا. كانت هناك أيام تتذكر فيها ما حدث، فتبتعد عني قليلًا. وكنت أتعلم أن أمنحها المساحة التي تحتاج إليها، بدلًا من أن أضغط عليها كي تنسى.

 

ساعدتها في استعادة ما أمكن استعادته من ممتلكاتها، وعوضتها عن خسائرها دون أن أطلب منها مقابلًا أو أعتبر ذلك ثمنًا لمسامحتها.

 

والأهم من ذلك كله، توقفت عن التعامل مع ثروتي باعتبارها دليلًا على أنني أفهم الناس أكثر من غيري.

 

بعد عدة أشهر، كنا نجلس في مقهى صغير اعتدنا زيارته أيام الجامعة.

 

نظرت إليّ سكايلر فجأة وسألتني:

 

«هل تتذكر اليوم الذي أخبرتني فيه أنك مريض؟»

 

انقبض قلبي.

 

قلت:

 

«أتذكره كل يوم».

 

ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:

 

«لقد كنت غاضبة منك جدًا. وما زلت أعتقد أن ما فعلته كان قاسيًا».

 

أجبتها:

 

«وأنت محقة».

 

ثم أمسكت بيدي وأضافت:

 

«لكنني رأيت أنك حاولت التغيير، وأنك لم تعد تطلب مني أن أثبت حبي لك كلما خفت من شيء. أنا لا أستطيع أن أعدك بأنني لن أتألم من ذكريات ذلك اليوم، لكنني أريد أن نحاول من جديد».

 

امتلأت عيناي بالدموع.

 

هذه المرة، لم أبكِ من الشعور بالذنب وحده، بل من الامتنان لأنني حصلت على فرصة لم يكن من حقي أن أتوقعها.

 

احتضنتها وقلت:

 

«أعدك بأنني لن أختبر حبك بهذه الطريقة مرة أخرى».

 

ضحكت وسط دموعها وقالت:

 

«جيد، لأنني لن أبيع سيارتي من أجلك مرة أخرى!»

 

ضحكنا معًا، لكنني لم أنسَ أبدًا ما حدث.

 

وبعد عام، تزوجت سكايلر.

 

في يوم زفافنا، لم أطلب من أصدقائي أن يخبروني إن كانت تحبني، ولم أستمع إلى أي شخص يحاول زرع الشك في قلبي.

 

كنت أعرف أن الثقة ليست شيئًا تحصل عليه باختبار شخص تحبه، بل شيء تبنيه معه يومًا بعد يوم.

 

وفي أثناء حفل الزفاف، أمسكت سكايلر بيدي وهمست:

 

«هل تعرف ما أكثر شيء أخافني عندما أخبرتني أنك مريض؟»

 

قلت:

 

«ما هو؟»

 

أجابت:

 

«أنني قد أفقدك قبل أن تتاح لي الفرصة لأقول لك إنني أحبك بما يكفي لأواجه معك أصعب أيام حياتنا».

 

شعرت بغصة في حلقي، وقبّلت يدها.

 

ثم قلت لها:

 

«وأنا أخاف الآن من شيء واحد فقط».

 

سألتني:

 

«ما هو؟»

 

نظرت إلى عينيها وقلت:

 

«أن أقضي بقية عمري وأنا أحاول أن أعوّضك عن الأيام التي جعلتك تشكين فيها في حبي».

 

ابتسمت وقالت:

 

«إذًا لا تضيّع بقية عمرك في محاولة التعويض. اقضِه في أن تكون الرجل الذي أستطيع الوثوق به».

 

وهذا بالضبط ما حاولت فعله.

 

لقد كنت أظن أن الثراء يجعلني قادرًا على اكتشاف نوايا الآخرين، لكنني اكتشفت أنني كنت أفقر مما تخيلت في أكثر الأشياء أهمية: الثقة والحكمة والامتنان.

 

سكايلر لم تثبت حبها لأنها باعت أغراضها أو جمعت المال من أجلي.

 

لقد أظهرت حبها لأنها لم تتعامل مع خوفي باعتباره عبئًا يجب التخلص منه، بل حاولت الوقوف بجانبي بكل ما تملكه.

 

أما خطئي، فلم يكن أنني أردت التأكد من أنني محبوب، بل أنني

جعلت إنسانة بريئة تدفع ثمن مخاوفي.
ومنذ ذلك اليوم، فهمت أن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى اختبارات سرية، ولا إلى أكاذيب مؤلمة، ولا إلى إثباتات مستحيلة.

 

إنه يحتاج إلى الصدق، والثقة، والاحترام المتبادل.

 

فقد كنت أملك المال الذي يستطيع شراء أشياء كثيرة، لكن سكايلر منحتني درسًا لا تستطيع أي ثروة في العالم شراءه: لا تختبر قلبًا يحبك بصدق، حتى لا تخسره وأنت تحاول التأكد من أنه لك.

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى