قصص وروايات

المنقبة

أنا اتجمدت مكاني لما قالت كده، ومريم كملت وقالت: أبويا اسمه محمود الشناوي، كان شريك أبوك في أكبر مشروع دخلوا فيه سوا، لكن أبوك قرر ياخد كل حاجة لنفسه، وأمي ساعدته!
بصيت لأمي بذهول، لقيتها انهارت على الكنبة وهي بتقول: كنت صغيرة يا أحمد، وغلطت، بس والله ما كنت أعرف إن الموضوع هيوصل لكده!
أبويا زعق فيها: اخرسي يا سلوى! إنتي مالكيش دعوة بالكلام ده!
مريم ضحكت بمرارة وقالت: لسه بتأمرها تسكت؟! حتى بعد كل السنين دي لسه فاكر إنك تقدر تخبي الحقيقة زي ما خبيتها زمان! وبعدين بصتلي وقالت: أنا هحكيلك كل حاجه من الأول، بس قبل ما أحكي، لازم تعرف إن جوازك مني مش هيغير اللي حصل، ومش هيمسح السنين اللي ضاعت من عمري.

بدأت مريم تحكي وقالت إن أبوها محمود كان شريك أبويا في شركة مقاولات، وكانوا أصحاب من سنين طويلة. أبوها كان المسؤول عن الحسابات، وأبويا بيتولى إدارة المشاريع. في يوم، الشركة دخلت في صفقة كبيرة، وأبويا احتاج مبلغ ضخم عشان يكمل المشروع، وأبو مريم وافق يساعده وحط جزء كبير من فلوسه. لكن لما المشروع نجح، أبويا طمع في نصيب شريكه، وبدأ يغير في الحسابات ويخفي مستندات مهمة.

ولما أبو مريم اكتشف اللي بيحصل، هدد إنه هيروح يبلغ عنه. ساعتها أبويا لفقت له قضية وهمية، واستخدم نفوذه عشان يضيع حقه، وفي النهاية اتسجن أبو مريم وخسر كل ممتلكاته، أما أم مريم فكانت وقتها حامل فيها، واضطرت تشتغل في بيوت الناس عشان تصرف على بنتها.

بعد سنين، أبو مريم خرج من السجن مريض، وحاول يقابل أبويا عشان يرجع حقه، لكن أبويا رفض حتى يستقبله. وبعدها بأيام، توفي من القهر والمرض، وساب بنته الصغيرة من غير سند. ومريم كبرت وهي فاكرة إن أبوها متهم بقضايا مخلة، لحد ما قبل ما يموت بشهور حكت لها أمها الحقيقة كاملة ومعاها مستندات قديمة تثبت براءة أبيها.

بصيت لأبويا وأنا مش قادر أتنفس، وقلت له: الكلام ده حقيقي؟!
أبويا فضل ساكت، وبعدها قال: أيوه، بس الموضوع مش بالبساطة اللي هي حكيته بيها!
صرخت فيه: أمال إيه البساطة؟! راجل دخل السجن ظلم، وبنته عاشت عمرها محرومة من أبوها، وإنت عايش في القصور!

أمي كانت بتعيط وبتقول: يا ابني، إحنا عملنا كده عشان نحافظ على ثروتك ومستقبلك!
بصيت لها بصدمة وقلت: مستقبلي؟! إنتوا ضيعتوا مستقبل بنت غلبانة عشان فلوس؟! طيب.. ليه أول ما شوفتوها اترعبتوا.. عرفتوها إزاي وهي منتقبة؟!
نزلت عيونها، وقالت مريم: عرفوني لأني لسه من فترة قريبة جيت لأمك عشان ترجعلي حق أبويا، بس هي رمتلي العباية دي وقالتلي ابقي عدي كل شهر أديكي الهدوم اللي مالبسهاش!

كنت هتجنن من الكلام ومصجوم في أهلي. مريم قامت من مكانها ولمت حاجتها البسيطة وقالت: أنا مش جاية أطلب منكم فلوس، ولا جاية أعمل مشكلة.. أنا وافقت على الجواز لأنك عرضت عليا حياة كريمة، وكنت فاكرة إن ربنا بعتلي فرصة أبدأ من جديد، لكن لما دخلت هنا فهمت إن القدر رجعني لنفس المكان.

حسيت بالخجل من نفسي، وقربت منها وقلت: أنا آسف يا مريم، أنا غلطت في حقك لأني فكرت فيكي كوسيلة أنتقم بيها مش إنسانة.
قالت مريم: الاعتذار مش هيغير حاجة يا أحمد.. مش هقدر أعيش معاك عشان تشفق عليا، ومستحيل أضل هنا بعد اللي عرفته.

وقبل ما أرد، جرس الباب رن. أبويا اتوتر، وأمي قامت بسرعة تمسح دموعها. دخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة بسيطة وماسك ملف كبير، وأول ما شاف مريم قال: الحمد لله إني لحقتك يا بنتي!
قالت مريم: كويس إنك وصلت بسرعة يا عم فؤاد.
الراجل بص لأبويا وقال: كان لازم أجي يا بني، أنا كنت مستني اليوم ده من أكتر من عشرين سنة، وكنت عارف إن الحقيقة هتظهر مهما طال الزمن. أنا كنت محاسب الشركة، وشاهد على كل اللي حصل، واحتفظت بنسخ من الحسابات والمستندات اللي تثبت براءة محمود.

فتح الملف وطلع أوراق قديمة تثبت كل التحويلات والتوقيعات، وأن الفلوس راحت لحسابات تخص أبي. أبويا قعد على الكرسي كأنه فقد القدرة على الوقوف.

فؤاد كمل كلامه وقال إنه تواصل مع مريم ليساعدها في استرداد حقوقها بالكامل قانونياً. ومريم بصت لأبويا وقالت: أنا مش عايزة أشوفك في السجن ولا أدمرك، أنا عايزاك تعترف بالحقيقة قدام الناس وترجع الحقوق لأصحابها.
أبويا حط وشه بين إيديه وقال: أنا غلطت، ومستعد أعترف بكل حاجة وأرجع حقك. وأمي اعترفت بغلطها وندمها العميق.

بعد أيام، اعترف أبويا بكل شيء رسمياً أمام الجهات المختصة، وبدأنا الإجراءات القانونية لإعادة الحقوق لمريم. أما أنا، فطلبت من مريم أن تمنحنا فرصة لنبدأ صفحة جديدة بعيداً عن أخطاء الماضي، ووافقت بشرط أساسي: ألا أقرر أي شيء نيابة عنها دون سؤالها أبداً.

مرت الشهور واستعادت مريم حياتها ودراستها وافتتحت مشروعها الخاص، وتعلمت من هذه التجربة أن الانتقام لا يحل شيئاً، وأن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في حفظ الحقوق والعدل والكرامة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى