قصص وروايات

رفضت تقوم من كرسي الطيارة

الكلام وجعني أكتر مما توقعت.
مش عشان هي رفضت تتحرك بس، لكن عشان الطريقة اللي قالت بيها الكلام، وكأن وجود أطفالي جريمة اركتها في حقها.

كنت هرد عليها، لكن ابني اتحرك على صدري وبدأ يصدر أصوات صغيرة.
هديته بإيدي، وقلت لها أنا ما طلبتش من حضرتك تساعديني مع الأطفال. أنا بطلب حقي في الكراسي اللي دفعت تمنها.
رفعت صوتها وأنا بقولك إني مش هتحرك!

في اللحظة دي، قربت مضيفة الطيران.
كانت بتحاول تخلص إجراءات الصعود بسرعة، لأن فيه ركاب واقفين في الممر مستنيين يعدوا.
سألتني عن المشكلة، فشرحت لها باختصار، ووريتهالها التذاكر.
راجعت التذاكر، وبعدها بصت على شاشة الجهاز اللي معاها.
ظهر على وشها الاستغراب.

قالت لحظة واحدة، فيه مشكلة في الحجز.
قلبي بدأ يدق أسرع.
قلت إيه المشكلة؟
ردت النظام ظاهر عندي إن فيه حجزين على نفس الكرسي بتاع الطفلة.

بصيت لها بعدم تصديق.
يعني إيه حجزين؟ أنا حجزت من بدري، ودفعت زيادة عشان الكرسيين يبقوا جنب بعض.
هزت رأسها وقالت أنا فاهمة، وحقك طبعًا. بس لازم أراجع الموضوع مع مسؤول المقصورة.

الست اللي قاعدة على الكرسي ابتسمت ابتسامة انتصار.
وقالت أهو! يعني مش أنا اللي عاملة مشكلة. هي بقى تروح تقعد في مكان تاني.

المضيفة حاولت تحافظ على هدوئها.
يا فندم، حتى لو حصل خطأ في النظام، ده مش معناه إن حضرتك تقدري تحتفظي بمقعد مش مخصص ليكي من غير مراجعة.
ردت الست بحدة أنا مش هقوم. أنا دافعة تذكرتي زيها بالضبط.

قلت وأنا كمان دافعة تذكرتي، ومش فاهمة ليه أنا اللي المفروض أتنازل.
المضيفة بصت ناحية الممر، وكان واضح إنها تحت ضغط.
فيه ركاب لسه بيدخلوا، والشنط بتتحط في الخزائن، والناس بتحاول توصل لمقاعدها.

وبدل ما توقف الست عند حدها، قالتلي بصوت واطي فيه كرسي فاضي على بُعد تلات صفوف من هنا. ممكن تقعدي هناك مؤقتًا لحد ما نراجع الحجز، عشان ما نعطلش الإقلاع؟
بصيت لها وأنا مش مصدقة.
مؤقتًا؟ يعني أنا اللي أسيب مكاني، وهي تفضل قاعدة فيه؟
قالت أنا مقدرة موقفك، بس محتاجين نتحرك بسرعة.

قبل ما أكمل كلامي، الست دخلت في الحوار.
بالضبط! أنا مش هتحرك. هي اللي جاية بكل الحاجات دي، وهي اللي تتصرف.
وأشارت ناحية ابني، كأنه شنطة سفر تقيلة.

في اللحظة دي، حسيت بحرارة في وشي.
كنت عايزة أقول لها إن ابني مش حاجة أنا شايلها عشان أضايقها، وإن بنتي مش أقل حقًا من أي راكب في الطيارة، وإن الأم اللي بتسافر لوحدها مع طفلين مش محتاجة إهانة فوق تعبها.

لكن في نفس الوقت، كنت شايفة بنتي واقفة جنبي، ماسكة شنطتها بإيديها الصغيرتين.
كانت بتبص للست، وبعدها تبصلي، وتحاول تفهم ليه حد كبير ممكن يتعامل معانا بالشكل ده.
ما كنتش عايزة بنتي تشوفني وأنا بدخل في خناقة قدام الناس.
ولا كنت عايزاها تحس إن كرامتنا متوقفة على إننا نكسب جدال مع شخص ما عندوش استعداد يسمع.

بصيت على الكرسي الفاضي اللي المضيفة أشارت له.
كان فعلًا على بُعد تلات صفوف.
لو قعدت هناك، هقدر أشوف بنتي من فوق مساند الكراسي، وهقدر أتحرك لو احتاجتني.
لكنها مش هتبقى جنبي، ومش هقدر أطمن عليها بنفس السهولة.

نزلت عيني لبنتي وقلت حبيبتي، تعالي اقعدي في الكرسي ده مؤقتًا، وأنا هقعد قريب منك.
بصتلي وسألت بس ده مش الكرسي اللي حجزتيه ليا، صح؟
حسيت بحاجة تقيلة في صدري.
قلت لها صح يا حبيبتي. حصل خطأ، وهنتصرف.

سكتت ثواني، وبعدها قالت طيب، ماشي يا ماما.
ما عيطتش، وما اعترضتش، وما طلبتش مني أرجع حقي.
وده بالذات اللي وجعني.
لأن بنتي كانت بتتنازل عن حاجة من حقها عشان تخفف عني الضغط.

قبل ما أتحرك، لاحظت إنها بتبص ناحية الأرض عند رجل الست.
ضيقت عينيها شوية، وانحنت برأسها علشان تشوف حاجة تحت الكرسي.
وبعدين رفعت وشها وقالت بأدب يا مدام، أنا أعتقد إن حضرتك قاعدة على…
لكن الست قاطعتها بصوت عالي بطلي إزعاج بقى! مش كفاية أمك عاملة كل المشكلة دي؟
بنتي سكتت.

أنا قربت منها وبستها على جبينها.
قلت لها تعالي يا حبيبتي، سيبي الموضوع دلوقتي.
وبعدين أخدت ابني وروحت للصف رقم 15.
كنت ماشية في الممر وأنا حاسة بحزن شديد.

مشيت وسط الركاب اللي كانوا بيبصوا لنا، وبعضهم كان باين عليه الاستياء من التأخير، وبعضهم كان بيتجنب النظر لينا تمامًا.
قعدت في الكرسي الجديد، وحطيت شنطة البيبي تحت المقعد اللي قدامي.
من مكاني، كنت أقدر أشوف جزء من رأس بنتي فوق مسند الكرسي، وده طمني شوية.
لكن قلبي فضل مشدود.

بنتي كانت قاعدة لوحدها وسط غرباء، وأنا مش جنبها، والست اللي أخدت كرسيها قاعدة في راحة تامة، وكأنها انتصرت في معركة.
بصيت على ابني.
كان بدأ يصحصح، وبيحرك إيديه الصغيرة، فحاولت أهديه وأظبط هدومه.

في نفس الوقت، سمعت الست بتتكلم بصوت عالي مع اللي جنبها.
كانت بتحكي له عن الأم اللي فاكرة نفسها أهم واحدة في الطيارة، وعن إزاي الناس بقت تستغل وجود الأطفال عشان تاخد امتيازات.
كنت سامعاها، وكل كلمة كانت بتزود إحساسي بالإهانة.
لكن قررت ما أردش.
قلت لنفسي إن الرحلة هتخلص، وإن اللي حصل مش مستاهل أضيّع أعصابي أكتر من كده.

مكنتش عارفة إن بنتي ما كانتش ناوية تنسى الموضوع.
بعد دقائق، اتقفلت أبواب الطيارة، وبدأت إجراءات السلامة.
المضيفة اللي كانت بتتكلم معانا رجعت تعدي في الممر، وبصت ناحيتي نظرة سريعة كأنها بتعتذر من غير كلام.
أنا اكتفيت بابتسامة باهتة.

الطيارة بدأت تتحرك، وبعد شوية دخلت المدرج، ثم انطلقت بسرعة.
بنتي كانت بتبص من الشباك، لكني لاحظت إنها مش بنفس حماسها المعتاد.
فضلت قاعدة مستقيمة، وإيديها فوق شنطتها الصغيرة، وعينيها بتروح ناحية الست كل شوية.

لما الطيارة ارتفعت، حسيت ابني بيتململ، فضمّيته لصدري وبدأت أتمايل بيه بهدوء.
كنت بحاول أقنع نفسي إن كل حاجة هتعدي بسلام.
بعد حوالي عشر دقايق، علامة ربط الأحزمة انطفت.
بدأ الركاب يفكوا الأحزمة، ويتكلموا، وبعضهم فتح شاشات الموبايل أو طلع كتاب من شنطته.
الطيارة رجعت للحالة الطبيعية، والضوضاء المعتادة ملأت المقصورة.

وفجأة، سمعت صوت بنتي.
يا مدام، ممكن أقول لحضرتك حاجة؟
رفعت رأسي بسرعة.
كان صوتها واضح، لكنه هادي.
الست ما ردتش في الأول.
كانت لسه لابسة سماعة واحدة، وبصت لبنتي من فوق كتفها بضيق.

بنتي كملت ماما علمتني إني ما أحرجش حد قدام الناس. وعشان كده حاولت أقول لحضرتك بهدوء ومن غير ما حد يسمعنا.
الست لفت ناحيتها بالكامل.
إنتِ لسه هتتكلمي في الموضوع ده؟
بنتي هزت رأسها.
أنا مش عايزة أضايق حضرتك.
الست ردت بحدة يبقى تسكتي خالص.

فيه راكب قريب منهم رفع عينيه من الكتاب اللي كان بقراه.
وراكب تاني شال سماعة من ودنه.
أما بنتي، ففضلت هادية.
فتحت شنطتها الصغيرة، طلعت منها حاجة، وبعدها قامت ووقفت في الممر.

لما شفتها واقفة، قلبي اتقبض.
أنا عارفة بنتي كويس.
هي من النوع اللي ما يحبش يلفت الانتباه، ولا بتحب تتكلم بصوت عالي قدام الناس.
لكن كان فيه حاجة في عينيها بتقول إنها مصممة تكمل.

حطيت ابني في وضع مريح، وربطت حزامي بشكل يسمح لي أتحرك لو احتجت، وفضلت أراقبها.
بنتي بصت للست وقالت
يا مدام، أنا مش هطلب منك تقومي من الكرسي تاني. أنا بس عايزة أسألك سؤال واحد.
الست ضحكت بسخرية.
اتفضلي يا ستي، خلصينا.

بنتي رفعت الحاجة اللي كانت في إيدها، وبعدين قالت
هو حضرتك عارفة إيه اللي تحت رجلك؟
في اللحظة دي، الست اتغير وشها.
بصت لتحت بسرعة، وبعدها رجعت تبص لبنتي.
إنتِ بتتكلمي عن إيه؟

بنتي أشارت ناحية الأرض.
الحاجة اللي كنت بحاول ألفت نظر حضرتك ليها قبل ما نمشي من الصف.
الست حاولت تضحك، لكن ضحكتها طلعت متوترة.
دي حاجتي، وإنتِ مالك؟

بنتي ردت لو هي حاجة حضرتك، أنا آسفة. بس أنا شفتها وهي بتقع من شنطتك، وحاولت أقولك.
في اللحظة دي، بدأ الركاب القريبين يركزوا معاهم.
الست اتحركت في كرسيها بعصبية، ورفعت رجلها عن الأرض بسرعة، وبعدها حاولت تدفع الحاجة ناحية أسفل المقعد بقدمها.
لكن بنتي قالت بصوت أوضح
ممكن حضرتك ما تدفعيشها أكتر؟ عشان أنا مش عايزة حد يدوس عليها.

الست صرخت إنتِ بتتهميني بإيه؟!
بنتي اتراجعت خطوة صغيرة.
أنا مش بتهم حضرتك بحاجة.
وبعدين رفعت إيديها، وفتحت كفها.
كانت ماسكة بطاقة صعود للطائرة، مش بتاعتها.

قالت أنا لقيت دي واقعة تحت الكرسي قبل ما أقعد. كنت هديها للمضيفة، لكن لما بصيت لرقم الكرسي لقيته نفس رقم الكرسي اللي حضرتك قاعدة عليه.
الست مدت إيدها بسرعة.
هاتيها!
بنتي رجعت إيدها لورا، وقالت أنا هديها للمضيفة، عشان ممكن تكون بتاعة حد تاني.

هنا أنا فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف على كرسي.
قمت من مكاني، وشايلة ابني، وبدأت أتحرك ناحية الصف رقم 12.
وفي نفس اللحظة، واحدة من مضيفات الطيران قربت من بنتي.
سألتها فيه إيه يا حبيبتي؟

بنتي شرحت لها إنها لقت بطاقة الصعود تحت الكرسي، وإن الست كانت بتحاول تدفع حاجة برجليها تحت المقعد.
المضيفة مدت إيدها وأخدت البطاقة، وبصت عليها.
وفجأة، ملامحها اتغيرت.
راجعت رقم المقعد، وبعدها بصت للست.

يا فندم، ممكن أعرف البطاقة دي وصلت هنا إزاي؟
الست ردت بسرعة معرفش. البنت دي لاقياها وبتحاول تعمل مشكلة.
بنتي قالت أنا ما عملتش مشكلة. أنا بس لقيتها.
المضيفة ما ردتش فورًا.
بصت للبطاقة مرة تانية، وبعدها نادت زميلتها بإشارة من إيديها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى