قصص وروايات

عربية ابويا

لو وصلتي للورق ده، يبقى الوقت جه علشان تعرفي الحقيقة.

محمود كان أقرب صديق ليا، وكنا بنشتغل سوا في ورشة تصليح عربيات. وفي يوم، حصل حادث غيّر حياتنا.

محمود فقد زوجته وبنته الرضيعة في حادث عربية، لكنه عمره ما اقتنع إن بنته ماتت.

وفي نفس الفترة، أمك كانت بتولدك، وحصلت لخبطة في المستشفى بسبب حريق صغير وإخلاء قسم الولادة.

بعد الحادثة دي، ظهرت أوراق متناقضة، وكل واحد فينا صدّق رواية مختلفة.

أنا عمري ما كنت متأكد من الحقيقة، لكن كان عندي سبب يخليني أشك إن فيه طفلة اتسجلت باسم غلط.

ومحمود فضّل يدور على بنته سنين طويلة.

أنا أخفيت عنه بعض الأوراق، مش علشان أحرمه من بنته، لكن علشان كنت خايف أكون بفتح باب لظلم جديد.

سامحيني يا بنتي على سكوتي، لكن لازم تعرفي الحقيقة من الأوراق الأصلية، مش من كلامي ولا كلام غيري».

وقعت الرسالة من إيدي.

يعني إيه؟ هل محمود ممكن يكون أبويا الحقيقي؟

لا… مستحيل!

أبويا حسن هو اللي رباني، هو اللي سهر على مرضي وأنا صغيرة، وهو اللي علّمني كل حاجة في الحياة.

حتى لو الحقيقة طلعت غير اللي أعرفه، ده مش هيغيّر إنه أبويا اللي حبني.

لكن كان لازم أعرف.

تاني يوم الصبح، اتصلت بمحمود ووافقت أقابله.

وصلت لعنوانه، ولقيت راجل كبير قاعد في شرفة بيت قديم، قدامه صورة لطفلة صغيرة.

أول ما شافني، قام ببطء، وعينيه اتمَلَت بالدموع.

قال بصوت مكسور:
— كنت شبهها وإنتِ صغيرة؟

قربت منه، وقلت:
— أنا مش جاية أتهم حد، ولا جاية أسمع كلام يغيّر حياتي في لحظة. أنا جاية أعرف الحقيقة.

هز راسه، وطلع ملف قديم من درج قريب.

قال:
— دي صورتي مع زوجتي وبنتي. اسمها كان مريم. اتقال لي إنها ماتت بعد الحادث، لكني فضلت سنين أدور على أي دليل يثبت إنها كانت عايشة.

طلع ورقة قديمة، فيها رقم ملف مستشفى، وتقرير عن الأطفال اللي اتنقلوا بعد الحريق.

كان فيه اسم طفلة اتسجل مرتين، باسمين مختلفين، بسبب خطأ في نقل البيانات.

لكن الورق وحده مكنش كفاية علشان يثبت أي حاجة.

سألته:
— وعرفت إزاي إن الموضوع له علاقة بيا؟

قال:
— حسن طلب مني من سنين أوقف البحث، وقال لي إنك بنته وإن مفيش داعي أوجعك بحكايات قديمة. لكن قبل ما يموت بشهور، اتصل بيا وقال إنه سابلك دليل في العربية.

سكت شوية، وبعدين أضاف:
— هو مكنش عايزك تختاري بينه وبين الحقيقة. كان عايزك تعرفي إنك تستحقي تعرفي أصلك، مهما كانت النتيجة.

حسّيت بدموعي بتنزل.

لكن قبل ما أكمل كلامي، تليفوني رن.

كان كريم.

رديت، وقلت بعصبية:
— إنت كنت عارف حاجة عن الموضوع ده؟

سكت لحظة، وبعدين قال:
— أيوه يا ليلى.

اتصدمت.

— يعني إيه أيوه؟ إنت عارف إن فيه سر يخصني، وبعت العربية من غير ما تقولي؟

قال بصوت واطي:
— أنا لقيت ورق أبويا قبل ما أبيع العربية. ولما قريته، خفت.

— خفت من إيه؟

— خفت إنك تعرفي إن أبويا كان مخبي عننا حاجة كبيرة، وخفت إنك تفتكري إنه ضحك علينا طول عمره. أنا كنت عايز أبيع العربية قبل ما الموضوع يكبر.

صرخت فيه:
— فقررت تبيع حاجة أبوك اللي كان بيحبها، وتكسر اتفاقنا، وتتصرف كأنك لوحدك صاحب الحق؟!

قال:
— أنا غلطت يا ليلى، وأنا عارف. بس أنا كمان كنت خايف أخسرك.

قفلت المكالمة من غير ما أرد.

لأول مرة، حسّيت إن حزني على أبويا اختلط بغضب كبير من أخويا. لكنه كان غضب محتاج وقت علشان يهدى، مش حكم نهائي على علاقتنا.

بعد أسابيع، قدرنا نوصل لملفات المستشفى الأصلية، واتعمل تحليل DNA بموافقة الأطراف المعنية.

فضلت مستنية النتيجة وأنا مش عارفة أتمنى إيه.

جزء مني كان عايز يثبت إن كل اللي عرفته طول عمري صحيح، وجزء تاني كان محتاج يعرف الحقيقة مهما كانت.

ولما النتيجة ظهرت، قعدت قدام الطبيب، وإيدي بتترعش.

بصلي وقال بهدوء:
— التحليل بيأكد إن الأستاذ محمود هو والدك البيولوجي.

حسّيت إن الدنيا سكتت حواليّا.

محمود غطّى وشه بإيده وانهار في العياط، وأنا فضلت باصة للورقة من غير ما أقدر أتكلم.

بعد سنين طويلة من البحث، عرف أخيرًا إن بنته عايشة.

لكن وسط دموعه، بصيتله وقلت:

— أنا محتاجة وقت. أنا معرفكش، ومش هقدر أعتبرك أبويا في يوم وليلة. لكن لو عايز تبقى جزء من حياتي، لازم نبني علاقتنا من الأول، من غير أسرار ولا ضغط.

هز راسه، وقال:
— ده حقك يا بنتي. أنا مش طالب منك تنسي اللي فات، أنا بس نفسي أعرفك.

أما أبويا حسن، ففضل أبويا في قلبي، حتى بعد ما عرفت الحقيقة.

هو اللي رباني، وهو اللي حبني، وهو اللي كان جنبي في كل لحظة احتجته فيها. ومهما كان سبب إخفائه للحقيقة، مش هقدر أمحو عمر كامل من الحب والذكريات.

بعد شهر، كريم رجعلي فلوس نصيبي من تمن العربية، واعترف إنه اتسرع، وإنه مكانش من حقه يتصرف لوحده.

سامحته بعد وقت طويل، لكن وضحتله إن الثقة مش بترجع بكلمة اعتذار، وإن اتفاقنا كان لازم يحترمه.

أما عماد، مشتري العربية، فساعدنا نتواصل مع المالك الجديد، ولما عرف الحكاية، وافق يرجّع العربية مقابل رد المبلغ اللي دفعه.

رجعت العربية للجراج، ورجعت معاها ذكريات كتير كنت فاكرة إني فقدتها للأبد.

وفي يوم، وقفت قدامها، ولمست الدركسيون اللي أبويا علّمني أسوق عليه، وافتكرت آخر مرة طلب فيها من كريم يشغّل الموتور علشان يسمع صوته.

ابتسمت وسط دموعي، وقلت:

— رجعت يا بابا… بس المرة دي، مش هسيب أي حد يقرر لوحده إيه اللي يستحق يفضل من ذكرياتك.

وبعدها، بدأت أتعرف على محمود بالتدريج. مبقاش غريبًا تمامًا، لكنه كمان ما بقاش شخصًا أقدر أعتبره أقرب الناس ليا في يوم وليلة.

اتعلمنا إن القرابة مش مجرد اسم في شهادة ميلاد، وإن الحب مش بيمسح الماضي، لكنه ممكن يساعدنا نبني مستقبل مختلف.

وفي الآخر، فهمت إن أبويا سابلي أكتر من جواب مخبّي تحت كرسي عربية… سابلي فرصة أعرف الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة.

وعرفت إن بعض الأسرار ممكن تغيّر شكل العيلة، لكن مش بالضرورة تمحو الحب اللي اتبنى على مدار السنين.

تمت بحمد الله
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى