
رد بصوت مليان حزن:
— لأن أبوكي وعدني إنه في يوم من الأيام، لما تبقي كبيرة وتعرفي الحقيقة، هتتواصلي معايا.
حسّيت إن نفسي بيتسحب مني.
— حقيقة إيه يا أستاذ محمود؟ أنا مش فاهمة أي حاجة!
قال:
— اسمعيني كويس يا ليلى. أبوكي كان راجل طيب، لكنه شال سر تقيل طول عمره. والسر ده ليه علاقة بيكي إنتِ، وبأمك الله يرحمها، وبحاجة حصلت يوم ما اتولدتي.
وقفت مكاني، والتليفون بيرتعش في إيدي.
أمي ماتت وأنا صغيرة، وكل اللي كنت أعرفه عنها إنها توفّت بعد ولادتي بفترة قصيرة.
عمري ما شكّيت في الكلام ده، ولا خطر على بالي إن فيه حاجة تانية ممكن تكون حصلت.
سألته وأنا مش قادرة أسيطر على صوتي:
— حضرتك تقصد إيه؟ إيه اللي حصل يوم ما اتولدت؟
رد عليّا:
— الكلام ده مينفعش يتقال في التليفون. لازم نتقابل، لكن قبل ما أقولك أي حاجة، فيه سؤال واحد لازم تجاوبيني عليه.
— اتفضل.
قال:
— أخوكي كريم… هو اللي باع العربية؟
اتصدمت من السؤال.
— أيوه، بس إنت عرفت منين؟
سمعت تنهيدة طويلة من الناحية التانية، وبعدها قال:
— لأن حسن كان خايف من اليوم اللي العربية دي تخرج فيه من إيد عيلته قبل ما توصلك الأمانة اللي جواها.
قلبي دق بعنف.
— أمانة إيه؟ الجواب اللي لقيته كان فيه كلام عن سر، لكن مفهمتش حاجة!
قال محمود:
— الظرف اللي معاكي مش هو كل الحكاية. أبوكي كان مخبي حاجة تانية في العربية، وكان متأكد إنك إنتِ الوحيدة اللي هتعرفي قيمتها.
قمت بسرعة، وجريت ناحية شنطتي، وطلعت الجواب وقلّبته من كل ناحية.
مفيش حاجة تانية.
رجعت للتليفون وقلتله:
— طب أعمل إيه؟ أرجوك، أنا لازم أفهم!
رد عليّا:
— بكرة الصبح، تعالي على العنوان اللي هبعتهولك. وهاتي معاكي الجواب، ومتقوليش لأي حد إنك كلمتيني.
وبعدين سكت لحظة، وأضاف بصوت خافت:
— وخصوصًا كريم.
قبل ما أقدر أسأله عن السبب، قفل المكالمة.
فضلت واقفة في نص الأوضة، حاسة إن حياتي كلها بتتقلب في لحظات.
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها، إن كريم ماكانش بعيد عن اللي بيحصل زي ما كنت فاكرة.
لأن في نفس الليلة، وأنا قاعدة أحاول أفهم كلام محمود، وصلني منه إشعار برسالة على الموبايل.
رسالة قصيرة جدًا، من غير أي مقدمات:
«ليلى، لو لسه معاكي جواب أبوكي، متقابليش محمود عبدالسلام. كريم مش هو الوحيد اللي مخبي عنك الحقيقة.»
بصيت لاسم المرسل.
كان رقم غريب، من غير اسم مسجل.
وقبل ما ألحق أرد، وصلت رسالة تانية:
«لو عايزة تعرفي مين محمود، افتحي درج المكتب القديم في بيت أبوكي… هتلاقي صورة مستحيل تتوقعي مين اللي واقف فيها.»
في اللحظة دي، عرفت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد جواب قديم.
وإن العربية اللي أخويا باعها من ورايا، ممكن تكون المفتاح لحقيقة اتدفنت من أكتر من عشرين سنة.
لكن السؤال اللي كان مرعبني بجد: مين صاحب الرسائل؟ وإيه اللي كان أبويا بيحاول يحميني منه طول السنين دي؟
فضلت باصة للرسالة اللي وصلتلي، وأنا حاسة إن كل حاجة حواليا بقت غريبة.
مين اللي بيبعتلي؟ وإزاي عرف إن معايا جواب أبويا؟ والأهم من ده كله، ليه مصرّ إني مبقابلش محمود؟
قررت إني مش هفضل طول الليل قاعدة مستنية الخوف ياكلني. لبست بسرعة، وخدت مفاتيحي، وروحت بيت أبويا.
أول ما دخلت، ريحة البيت القديمة رجعتلي كل ذكرياتي معاه. حسّيت للحظة إني هسمع صوته بيناديني من الورشة اللي كان عاملها في الجراج.
لكن المكان كان ساكت… سكون يوجع القلب.
دخلت مكتبه، وبدأت أفتح الأدراج واحد ورا التاني، لحد ما وصلت للدرج الأخير. كان مقفول بمفتاح صغير، لكني افتكرت إن أبويا كان بيخبّي نسخة من مفاتيح المكتب في علبة معدنية فوق المكتبة.
فتحت الدرج، ولقيت ملف قديم، وصورة بالأبيض والأسود، وورقة مكتوب عليها اسمي.
مسكت الصورة، وأول ما بصيت فيها، حسّيت إن الدم اتجمد في عروقي.
الصورة كانت لأبويا وهو شاب، واقف جنب أمي قدام مستشفى، ومعاهم راجل تالت.
الراجل ده كان محمود عبدالسلام!
لكن الصدمة الحقيقية مكنتش وجوده في الصورة…
الصدمة كانت إن أمي كانت شايلة طفلة صغيرة، وعلى ضهر الصورة مكتوب بخط أبويا:
«ليلى، يوم ما بدأت الحكاية اللي غيّرت حياتنا كلنا… 1994».
فتحت الورقة اللي في الملف، ولقيت رسالة تانية بخط أبويا:
«بنتي ليلى…




