
الدكتور مسك الموبايل المكسور بين إيديه وقعد يقلب فيه بثواني معدودة وشه اتحول فيها من الهدوء للجمود التام.
الممرضة اللي كانت واقفة جنبه رفعت حاجبها وهي بتشوف ملامح الدكتور بتتغير، وجمود مفاجئ سيطر على المكان كله، كأن الهواء نفسه اتقطع من الأوضة.
محمود كان واقف عند الباب، لابس قميصه الأرزق المقلم اللي بيلبسه لما يكون رايح مشوار مهم، وشعره متسرح بانتظام كأنه نازل اجتماعات شركة مش نازل يجري ورا بنته المغمي عليها في المستشفى الساعة أربعة الصبح.
رسم ابتسامة هادية على وشه، الابتسامة دي بالذات اللي كنت بشوفها لما نكون وسط الناس والكل يقولي “يا بختك بمحمود، راجل رزين ومحترم”.
محمود قرب خطوة، وصوته نزل لطبقة هادية وواثقة وقال: “مساء الخير يا دكتور.. أنا محمود، والد مريم. معلش، المدام متوترة شوية وبتهول الأمور كالعادة، ومريم بنتي صغيرة وبتخاف من أطقم المستشفيات، فتلاقيها بتقول أي كلام من الخوف.. بعد إذنك أنا هاخد بنتي وأروح بيها لدكتورنا الخاص”.
الدكتور حط الموبايل في جيبه بكل ثبات، وبص لمحمود بصلة طفّت الابتسامة المزيفة من على وشه في ثانية.
الدكتور قال ببرود يرعب: “أستاذ محمود، بنتك حالياً في حالة طبية حارجة، محتاجة عملية استئصال زايدة فورية لأنها على وشك الانفجار، ده غير إن التقرير الطبي اللي بيتسجل دلوقتي فيه شق قانوني واضح.. حضرتِك مش هتحرك خطوة واحدة برة الأوضة دي إلا مع أمن المستشفى”.
محمود وشه اتخطف، والدم هرب من خدوده: “شق قانوني إيه يا دكتور؟ أنت فاهم أنت بتقول إيه؟ أنا مهندس معروف وماسمحلكش تتكلم معايا بالطريقة دي! أنت عارف أنا ممكن أعمل إيه في المستشفى دي؟”.
في اللحظة دي، مريم صرخت من على السرير، صوتها كان طالع بالعافية، مبحوح ومكسور، بس هز جدران الأوضة: “يا دكتور افتح الملاحظات الصوتية اللي في الموبايل! افتح تسجيل يوم الجمعة اللي فات!
هو اللي أذاني في بطني بالبونية لما رفضت أدي له فلوس حصالتي عشان يسدد ديونه! وهو اللي كان بيمنع عني النفس بالمخدة لما أصرخ ويقولي لو نطقتي بحرف لأمك هرميكي من البلكونة!”.
الأرض دارت بيا. الكلمات كانت بتنزل على دماغي زي المطارق. ديون؟ أذى؟ منع نفس؟
بصيت لمحمود وأنا مش مصدقة.. الراجل اللي عشت معاه تلاتاشر سنة، الراجل اللي كنت بفتكر إنه مجرد شخص عصبي أو دقيق بزيادة، طلع بيمارس قسوة منظمة على بنتي في غيابي؟
محمود اتقلب وشه في ثانية للوش الحقيقي اللي كنت بشوفه بين أربع حيطان.. الوش المرعب.. عينيه احمرت وهجم ناحية السرير وهو بيزعق: “يا بنت الـ… أنتِ هتتبلي عليا؟! أنا بربيكي يا قليلة التربية!”.
قبل ما يلمس السرير، الدكتور وقف في وشه بصلابة، وفي نفس اللحظة دخل اتنين من أمن المستشفى مسكوا محمود من كتافه وثبتوه. محمود كان بيعافر وبيصرخ: “سيبوني! دي بنتي وأنا حر فيها! دي عيلة مجنونة وأمها معقدة! هوديكم في داهية كلكوا!”.
الدكتور بص للممرضة وقال بصوت صارم: “اتصلي بالشرطة فوراً، وبلغي نيابة الطفل.. حالة اعتداء جسدي وجسيم على قاصر، وتستر على حالة طبية حارجة”.
أنا كنت واقفة في الزاوية، ركبي مش شايلاني.
الموقف كان أكبر من قدرتي على الاستيعاب. بنتي كانت بتعيط بحرقة وهي ماسكة بطنها، محمود بيتقبض عليه قُدامي، والدكاترة بيجروا بالسرير عشان يدخلوا مريم العمليات.
لما السرير اتحرك بسرعة في الممر، جريت وراهم وأنا مسكة إيد مريم. صوابعها الصغيرة كانت تلج، بس كانت ضاغطة على إيدي بأقصى قوة عندها.
مريم بصتلي وعيونها مليانة دموع وقالت: “سامحيني يا ماما.. والله كنت عاوزة أقولك، بس هو كان يهددني بيكي.. كان يقولي لو حكيتي لأمك هطردها في الشارع ومن غير مليم، وأنا عارفة إنك مالكيش حد بعد تيتة ما ماتت.. كنت خايفة عليكي منه”.
الكلمات دي قطعت قلبي حتت. أنا اللي كان المفروض أحميها.. أنا اللي كنت ببلع الإهانة وسوء المعاملة وأقول “عشان البيت يمشي وعشان خاطر مريم”، طلع سكوتي وخوفي هما اللي فتحوا الباب للشخص ده إنه يأذي بنتي!
قلت لها وأنا ببكي وببوس إيدها: “أنا اللي آسفة يا مريم.. حقك عليا يا نور عيني.. وحياة كل لحظة وجع شفتيها، ما حدش هيلمس شعرة منك تاني.. أدخلي العملية يا حبيبتي وكوني قوية، أنا مستنياكي برة ومش هتحرك”.
دخلت مريم أوضة العمليات، والباب المقفول كان بيعزلني عن البنت الوحيدة اللي حيلتي في الدنيا. قعدت على الأرض برة الأوضة، ضهرى للمبنى البارد، وعقلي بيعيد كل شريط حياتنا.
تذكرت كل مرة مريم كانت بتيجي تقعد جنبي ساكتة.. كل مرة كانت بتقولي “ماما، هو بابا ليه علطول زعلان منا؟”.. كل مرة كنت بأفوت فيها نوبة غضبه وأقول “معلش يا مريم، بابا مضغوط في شغل الشركة”.
طلع الشغل والشركة كذبة، طلع عايش حياة تانية في خفاء من ورايا، ديون ومشاكل وعنف.
بعد نص ساعة، جه مأمور الضبط من قسم الشرطة ومعاه ظابط مباحث. قعدوا معايا في الصالة. كنت بحكي وأنا جسمي كله بيموت من الرعب والكسوف من نفسي. حكيت لهم عن التلات أيام اللي فاتوا، عن رفضه نجيب دكتور، عن الفلوس اللي كنت بشيلها خفية، وعن كلام مريم قبل ما تدخل العمليات.
الظابط بصلي بهدوء وقال: “يا مدام، الموبايل بتاع البنت الدكتور سلمهولنا.. الملاحظات الصوتية اللي عليه فيها تسجيلات واضحة وصريحة وصوت محمود وهو بيهددها وبيأذيها، وفيها اعتراف منه بإنه بيسحب فلوس من وراكي.. بنتك كانت أذكى وأشجع منك، كانت بتوثق كل حاجة عشان تحمي نفسها وتثبت حقيقته لما يجي الوقت”.




