قصص وروايات

جلسة تصوير

كنتُ قد خططتُ لجلسة تصوير عائلية بملابس متطابقة، لأفاجئ زوجي بخبر أننا أخيرًا سنُرزق بالابن الذي لطالما حلم به، لكن عندما أدرك الحقيقة، كانت أول كلماته كفيلة بأن تجعل معدتي تنقبض من الصدمة.

كان زوجي أحمد وأنا معًا منذ تسع سنوات، وخلال تلك السنوات بنينا أسرة أحبها من كل قلبي.

مقالات ذات صلة

كان لدينا ثلاث بنات رائعات، وكان أحمد يحبهن أكثر من أي شيء في الدنيا. ومع ذلك، كان يحلم دائمًا بأن يكون لديه ولد أيضًا. كان يمزح قائلًا إنه يريد ولدًا آخر في البيت، ويتحدث عن تعليمه الصيد، وإصلاح الأشياء معًا، وفي يوم من الأيام سيعطيه الساعة التي ورثها عن والده.

لذلك، عندما حملتُ بطفلنا الرابع، كان أحمد في غاية السعادة.

أكثر ما كنا نتمناه هو أن يكون طفلنا بصحة جيدة، ولذلك قررنا ألا نهتم بنوع الجنين، وأن نعرفه فقط عندما نقترب من موعد الولادة.

لكن مع مرور الشهور، أدركتُ أنني ببساطة لم أعد أستطيع الانتظار حتى ذلك الوقت. وفي إحدى زياراتي للطبيب، استسلمتُ أخيرًا وطلبتُ منه أن يخبرني بنوع الجنين دون أن يعرف أحمد.

كان ولدًا.

كدتُ أبكي من شدة الفرح، لأنني كنت أعرف تمامًا كم سيعني هذا الخبر لأحمد. وبدلًا من أن أخبره مباشرة، رتبتُ سرًا لجلسة تصوير عائلية، واشتريتُ ملابس متطابقة لنا جميعًا.

ارتدت البنات وأنا ملابس باللون الوردي الفاتح، بينما ارتدى أحمد قميصًا أزرق فاتحًا. كما أخفيتُ داخل علبة هدايا صغيرة ملابس زرقاء للطفل، لأعطيها له أثناء جلسة التصوير.

كان يظن أننا نلتقط بعض الصور العائلية الجديدة، وبطريقة ما تمكنتُ من الاحتفاظ بالسر حتى أعلن المصور أن هناك صورة أخيرة.

ناولته علبة الهدايا.

قال وهو يبتسم:

— إيه ده؟

ابتسمتُ وقلت:

— افتح بس.

رفع الغطاء، وأخرج الملابس الزرقاء الصغيرة، وظل يحدق فيها للحظات.

ثم انتقلت عيناه ببطء إلى بطني.

قلت وأنا بالكاد أستطيع إخفاء فرحتي:

— ده ولد يا أحمد… أخيرًا هنخلف ولد.

لقد تخيلتُ رد فعله عشرات المرات. توقعتُ أن يحتضنني، أن يضحك، وربما حتى تدمع عيناه من شدة السعادة.

لكن بدلًا من ذلك، بدأت ابتسامته تختفي ببطء.لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

@أبرز المعجبين

ظل ينظر إليَّ لعدة ثوانٍ، ثم قال شيئًا جعلني عاجزة تمامًا عن الرد.

— ولد؟!

قالها أحمد بصوت واطي، لكن نبرته ماكانتش فرحانة خالص.

ضحكتي اختفت بالتدريج.

قلت وأنا مستغربة:

— أيوه… ولد. مالك يا أحمد؟ مش ده اللي كنت نفسك فيه؟

بص للبيجامة الزرقا الصغيرة اللي في إيده، وبعدها بصلي وقال:

— إنتِ عرفتي من إمتى؟

السؤال نفسه خوّفني.

— من حوالي أسبوعين… في آخر كشف. قلت أعملهالك مفاجأة.

وشه اتغير أكتر.

قرب مني خطوة وقال:

— يعني الدكتورة أكدتلك إنه ولد؟

— أيوه… أكدتلي.

سكت.

وبعدين قال الجملة اللي خلت معدتي تنقبض:

— مستحيل… أنا عملت عملية تمنعني أخلف من سنتين.

حسيت كأن حد ضربني في صدري.

فضلت باصة له وأنا مش مستوعبة.

حتى المصور نزل الكاميرا من على وشه.

البنات كانوا واقفين جنبنا، مش فاهمين حاجة، لكن الكبيرة فيهم بدأت تبص بيني وبين أبوها بخوف.

ضحكت ضحكة قصيرة مرتبكة.

— إنت بتقول إيه؟

أحمد رمى ملابس الطفل جوه العلبة.

— بقول إني من سنتين عملت عملية… وكان المفروض بعدها إني مستحيل أخلف.

— من سنتين؟!

صوتي علي غصب عني.

— وإنت ماقولتليش؟!

رد بعصبية:

— دلوقتي دي المشكلة؟! المشكلة إنك حامل!

بصيت له وأنا حاسة إن الأرض بتتحرك تحتي.

— أنا حامل منك يا أحمد.

ضحك بسخرية مرة.

— مني إزاي؟

الجملة دي وجعتني أكتر من أي اتهام مباشر.

قربت منه وقلت:

— خلي بالك إنت بتتهمني بإيه.

لكنه كان مصدوم وغضبان، ومش شايف قدامه.

— أنا مش باتهم… أنا بقولك حقيقة. العملية دي اتعملت من سنتين، والدكتور قال لي إن خلاص…

قاطعته:

— ليه عملتها أصلًا من غير ما أعرف؟

سكت.

ودي كانت أول لحظة أحس فيها إن فيه حاجة أكبر من مجرد سوء تفاهم.

قلت:

— رد عليا.

مسح وشه بإيده وقال:

— كنت شايف إن تلات بنات كفاية… وإنتِ كل شوية تتكلمي عن طفل رابع، وأنا كنت خايف نرجع لنفس الدوامة.

بصيت له بذهول.

— بس لما حملت… كنت فرحان!

— كنت فاكر إن العملية فشلت.

— وفضلت ساكت؟!

— كنت مستني أتأكد.

اتجمعت الدموع في عيني.

— يعني طول شهور حملي وإنت جواك شك إني خنتك؟

ما ردش.

وسكوته كان كفاية.

لفيت للمصور وقلت:

— معلش… الجلسة خلصت.

وبعدين ناديت البنات.

— يلا يا حبايبي.

أحمد حاول يمسك إيدي.

— استني، لازم نفهم.

سحبت إيدي منه.

— هنفهم… بس مش قدام بناتنا.

طول الطريق للبيت ما اتكلمناش.

أول ما البنات دخلوا أوضتهم، قفلت باب الصالة ووقفت قدامه.

— عايزة كل الحقيقة.

قال:

— دي الحقيقة.

— لأ. الحقيقة إنك أخدت قرار يخص حياتنا وجسمي وأسرتنا من ورايا.

خفض عينه.

— كان المفروض أقولك.

— وكان المفروض لما حملت تسأل الدكتور قبل ما تقضي شهور بتشك فيا.

رفع عينه وقال:

— وإنتِ متأكدة إن مفيش أي احتمال…

ماخليتوش يكمل.

— أحمد!

سكت.

قلت وأنا بعيط:

— تسع سنين يا أحمد. تسع سنين وأنا مراتك وأم بناتك، وفي ثانية واحدة بقيت محتاجة أثبتلك إني محترمة؟

قال بسرعة:

— أنا آسف… بس حطي نفسك مكاني.

قلت:

— لأ. حط إنت نفسك مكاني.

وسبته ودخلت أوضتي.

لكن في اليوم التالي، أحمد عمل حاجة ما توقعتهاش.

اتصل بالدكتور اللي أجرى له العملية.

وبعدها بساعتين خرج من البيت من غير ما يقول رايح فين.

رجع بالليل، ووشه كان شاحب.

كان ماسك ظرف تحاليل.

حطه قدامي.

— لازم نتكلم.

قلت ببرود:

— اتفضل.

قعد قدامي، وفتح الظرف.

— الدكتور طلب تحليل جديد… لأن حتى بعد النوع ده من العمليات، لازم يتعمل فحص للتأكد من نجاحها، وأنا…

سكت.

— وإنت إيه؟

— أنا ماعملتش فحص المتابعة.

عقدت حواجبي.

كمل:

— كنت فاكر إن العملية خلاص كفاية.

طلع الورقة ومدها لي.

— التحليل بيقول إن العملية ما نجحتش بالكامل.

فضلت باصة للورقة.

وبعدين له.

— يعني؟

صوته اتهز:

— يعني… الحمل ممكن جدًا يكون مني.

ضحكت من وسط دموعي.

— “ممكن”؟

قام وقف.

— أنا عارف إني غلطت.

— غلطت في إيه بالظبط؟ إنك عملت العملية من ورايا؟ ولا إنك شكيت فيا؟ ولا إن أول رد فعل ليك على خبر ابنك كان اتهام أمه؟

ماعرفش يرد.

قلت:

— هنعمل تحليل نسب بعد الولادة.

قال فورًا:

— مش محتاج.

— أنا محتاجة.

رفع عينه لي.

قلت:

— مش علشان أثبتلك حاجة… علشان عمري ما أسمحلك في يوم غضب تبص للولد ده وتفتكر الشك اللي جه في دماغك النهارده.

مرّت الشهور الباقية ثقيلة.

أحمد حاول يصلح اللي اتكسر.

كان يحضر كل كشف.

يجهز سرير الطفل.

ويرجع من الشغل بألعاب صغيرة.

لكن المشكلة إن الاعتذار ممكن يتقال في دقيقة…

أما الثقة لما تتجرح، بتحتاج وقت.

وفي الأسبوع التاسع والثلاثين، ولدت.

ولد صغير، بصحة ممتازة.

لما الممرضة حطته على صدري، بصيت لوشه وعيطت.

بعد دقائق دخل أحمد.

وقف عند الباب.

ولما شاف ابنه، عينيه اتمَلوا دموع.

قرب ببطء.

— ممكن أشيله؟

ناولته الطفل.

وأول ما أخده بين إيديه، حصل شيء غريب.

بص أحمد في وشه…

وبعدين ضحك وهو بيعيط.

الولد كان عنده نفس الغمازة الصغيرة في ذقن أحمد.

لكنني رغم ذلك أصريت على التحليل.

وبعد أيام، وصلت النتيجة.

احتمالية الأبوة: أكثر من 99.99%.

حطيت الورقة قدام أحمد.

فضل باصص لها فترة طويلة.

ثم طواها بهدوء.

وقال:

— أنا خسرت حق إني أطلب منك تسامحيني بسرعة.

ما رديتش.

كمل:

— بس هفضل أصلح اللي عملته مهما أخد وقت.

وبعدين طلع من جيبه علبة صغيرة.

فتحها.

كانت ساعة والده القديمة.

نفس الساعة اللي كان طول السنين يقول إنه هيديها لابنه يومًا ما.

بص للطفل النائم وقال:

— دي هتفضل عندي لحد ما يكبر… وبعدين تبقى بتاعته.

وبصلي.

— بس فيه حاجة أهم لازم يتعلمها مني قبل ما ياخدها.

سألته:

— إيه؟

قال:

— إن الراجل لما يخاف… ما يظلمش أقرب الناس ليه علشان يريح خوفه.

لأول مرة من يوم جلسة التصوير، حسيت إن اعتذاره وصل فعلًا لقلبي.

ما نسيتش.

وما رجعناش زي الأول في يوم وليلة.

لكن أحمد بدأ يفهم إن إصلاح الثقة مش بالكلام.

بالمواقف.

وبعد حوالي سنة، قررنا نعمل جلسة تصوير عائلية جديدة.

لبست البنات نفس درجات الوردي.

وأحمد لبس الأزرق.

أما ابننا الصغير، فكان قاعد في حضنه ببدلة زرقاء صغيرة، بيشد في ياقة أبوه ويضحك.

المصور قال:

— جاهزين؟

بص أحمد لي.

ابتسمت.

وقبل ما الكاميرا تلتقط الصورة، همس:

— المرة اللي فاتت الصورة دي كانت بداية أسوأ غلطة عملتها في حقك.

قلت:

— والمرة دي؟

شد ابنه لحضنه، ومد إيده للبنات.

— المرة دي تفضل ذكرى إني اتعلمت إن الأسرة مش ولد كنت مستنيه… الأسرة هي الناس اللي كانوا قدامي طول الوقت، وأنا كنت محظوظ بيهم.

رفعت عيني للكاميرا.

ولأول مرة من شهور طويلة…

ابتسمت من قلبي.

لأن ابني ماكانش هو المفاجأة الحقيقية في الحكاية.

المفاجأة كانت إن لحظة واحدة من الشك كشفت شرخًا كبيرًا في زواجنا… وإن إصلاحه احتاج من أحمد شجاعة أكبر بكتير من مجرد كلمة: آسف.

النهاية.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى