قصة

الظل

واية عن حاډث وقع بينما كان يساعدها.
غير أن هذه الرواية وضعت محمد داخل الغرفة في اللحظة المهمة، وأصبح لزامًا مقارنتها بما سجلته الكاميرات. فالشرطة كانت قد شاهدت حركة اعتقدت أنها تُظهر نقل جسد إلى النافذة، ثم ترتيب السلم، وهو تسلسل يختلف عن سقوط شخص كان يقف عليه لتنظيف الزجاج.
لم تعد النافذة مجرد مكان انتهت عنده حياة الأم. أصبحت مركز المقارنة بين رواية الابن والتسجيل، وبين شكل الغرفة كما عثرت عليه الشرطة وما ظهر أثناء مراجعة اللقطات.
ثم جاءت نتائج الفحص الطبي لتزيد أهمية ما كشفه الفيديو. أشارت إلى الاخت،ناق وإصابة ناجمة عن ض،ربة بأداة صلبة؛ وهو ما دعم أن ندى تعرضت لاعت،داء، وأن تفسير وف،اتها لا يقتصر على سقوط عرضي من الطابق العلوي.
هكذا اجتمعت أمام المحققين عناصر مختلفة وضعية الجسد التي أثارت الشك منذ البداية، وأدوات التنظيف، والظلال المسجلة، وحركة السلم، وأقوال محمد عن وجوده مع أمه، ثم النتائج الطبية.
بعد نحو عشرين دقيقة من انتهاء المقابلة، أُلقي القبض على محمد، ووجهت إليه تهمة الق،تل العمد من الدرجة الأولى. خلال يوم واحد من العثور على ندى، تحول الابن الأكبر من أحد أفراد الأسرة الذين تسألهم الشرطة إلى متهم بإنهاء حياة والدته.
كان عمره وقتها ستة عشر عامًا، وكانت شقيقتاه في الرابعة عشرة والتاسعة. وفجأة، وجدت الأسرة نفسها أمام فقد الأم واتهام الابن في الوقت نفسه، بينما صار المنزل وتسجيلاته وأقوال من كانوا فيه أدلة في قضية جنائية.
وعندما بدأ البحث في خلفية العلاقة، ظهرت خلافات الأسرة وقرار ندى الانفصال عن زوجها. تناولت التحقيقات ڠضب محمد من والدته بسبب الطلاق، وأصبح موقفه من الڼزاع بين والديه جزءًا من محاولة فهم الدافع.
لكن معرفة هذه الخلفية لا تعني أن كل ما تردد عن الأسرة أصبح حقيقة قضائية. فهناك فرق بين وجود خلاف بين الزوجين، وانحياز الابن إلى أبيه، وبين إثبات أن الأب خطط للواقعة أو أصدر أمرًا بتنفيذها.
ما انتهت إليه القضية التي جرت محاكمتها هو إدانة محمد. أما الرواية التي تجعل الأب المدبر المؤكد، فتتجاوز ما تثبته الأحكام التي تناولت مسؤولية الابن؛ ولهذا لا يمكن اختصار كل ما حدث في اتهام إضافي لم يصدر به الحكم نفسه.
لم تصل القضية إلى نهايتها سريعًا. امتدت الإجراءات لسنوات، وخلالها دار ڼزاع مهم حول الأدلة التي سُمح للمحققين بالحصول عليها، وفي مقدمتها جهاز التسجيل وأقوال محمد داخل المنزل.
حاول الدفاع استبعاد محتوى التسجيل، وناقش ما إذا كان الأب قد منح موافقة صحيحة على أخذه. كانت هذه مسألة مؤثرة؛ لأن اللقطات لعبت دورًا أساسيًا في انتقال الشرطة من الاشتباه في حاډث سقوط إلى التحقيق في ج،ريمة.
غير أن المحقق كان قد سجل حديثه مع الأب بشأن أخذ الجهاز. راجعت المحكمة ظروف البحث والموافقة، وانتهت

إلى أن السماح بفحص التسجيل كان طوعيًا، فأبقت على الدليل ضمن القضية.
وطعن الدفاع كذلك في استخدام أقوال محمد، لأن الشرطة لم تكن قد أبلغته بحقوقه قبل الحديث معه. وهنا راجعت المحكمة تفاصيل المقابلة أين جلس، وكيف جرى سؤاله، وهل كان ممنوعًا من الحركة أو مجبرًا على البقاء.
أوضحت الأوراق أنه تحدث مع الشرطة داخل منزله، وتحرك أثناء المقابلة وجلب لنفسه ماءً واستخدم الحمام، ولم يكن مقيدًا أو تحت الاعتقال حين بدأ الحديث. وفي قرار صدر عام 2019، رفضت محكمة الاستئناف طلب استبعاد أقواله والتسجيل.
بذلك بقيت الرواية التي قدمها عن السلم والنافذة ضمن الأدلة، وبقي الفيديو أيضًا. وكان على المحاكمة أن تنظر في هذه العناصر مع بقية الشهادات والنتائج الطبية، لتحدد ما إذا كانت وف،اة ندى حادثًا أم فعلًا متعمدًا.
في عام 2022، انتهت المحاكمة إلى إدانة محمد بالق،تل العمد من الدرجة الأولى. وبعد مرور نحو خمس سنوات على ذلك الصباح، أصبح مسؤولًا أمام القضاء عن إنهاء حياة والدته، وعن المشهد الذي رُتب ليبدو كسقوط من النافذة.
وفي الحادي والعشرين من سبتمبر 2022، صدر الحكم بس،جنه مدة تتراوح بين خمسة وثلاثين وستين عامًا. كان قد تجاوز العشرين، لكن القضية ظلت تعود إلى ما فعله وهو في السادسة عشرة داخل منزل أسرته.
شهدت جلسة الحكم انفعالات ومواجهات بين أفراد العائلة، وتحدثت آية عن الألم الذي تركه فقد أمها. كانت الطفلة التي وجدت ندى في ذلك الصباح قد كبرت، لكنها واجهت الآن حقيقة إدانة شقيقها بما حدث.
لم تكن خسارتها مقتصرة على غياب الأم؛ فقد تحولت علاقتها بأخيها إلى جزء من مأساة علنية تُناقش في المحكمة. وبقيت هي وشقيقتها أمام حياة تغيرت منذ اللحظة التي عُثر فيها على ندى أسفل النافذة.
أما ما حسم اتجاه التحقيق منذ بدايته، فلم يكن وجهًا واضحًا التقطته كاميرا، ولا اعترافًا كاملًا من أول سؤال. كان مجموعة تفاصيل أصر المحققون على مراجعتها، ثم تسجيلًا ظن بعض أفراد الأسرة أن نظامه لا يعمل.
في الصورة الأولى، كان هناك سلم وعبوة تنظيف ونافذة مفتوحة. وبعد فحص التسجيل، أصبح ترتيب هذه الأشياء نفسه موضع الشك؛ فالمشهد الذي بدا قادرًا على تفسير السقوط، كشف التحقيق أنه أُعد لإخفاء ما سبقه.
رحلت ندى وهي في الخامسة والثلاثين، وحُكم على ابنها بالس،جن عقودًا. وبقي في ملف القضية ذلك الظل الذي ظهر أمام الضوء، والحركة التي سجلتها الكاميرا، لتكشف أن الأم لم تكن وحدها داخل الغرفة.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى