
— الصورة دي لمين؟
سكت قليلًا.
ثم قال:
— لإنسانة ظلمتها الحياة.
لم يشرح أكثر.
وأنا لم أضغط عليه.
مرت السنوات.
ثم بدأ قلبه يتعب.
دخل المستشفى أكثر من مرة.
وفي آخر شهر من حياته، تغير كثيرًا.
صار ينظر إليّ طويلًا دون كلام.
وفي ليلة أمسك يدي وقال:
— سعاد، لو اكتشفتِ يومًا أنني أخفيت عنك شيئًا، لا تحكمي عليّ قبل أن تعرفي لماذا فعلت ذلك.
ضحكت وقتها.
— بتتكلم كأنك مخبي كنز.
ابتسم.
— يمكن أغلى من الكنز.
بعد أسبوعين مات.
رحل في نومه، وكنت بجانبه.
شعرت أنني فقدت زوجي وأبي وعائلتي كلها في شخص واحد.
وبعد الجنازة بأيام جاء المحامي حسام.
جلس أمامي في المكتب نفسه الذي اعترف لي عبد الرحمن فيه بحبه قبل خمس سنوات.
فتح حقيبته وأخرج ملفًا.
قال:
— هناك وصية.
قلت:
— لا أريد أن أعرف شيئًا عن المال الآن.
أجاب:
— الأمر ليس متعلقًا بالمال فقط.
رفع عينيه إليّ.
— الحاج عبد الرحمن كان يعرف أنك ستحبينه.
حدقت فيه.
— ماذا تقصد؟
قال:
— وكان يعرف أنك لو عرفت الحقيقة منذ البداية، ربما كنت سترفضين الزواج.
شعرت بانقباض في صدري.
— أي حقيقة؟
أخرج ظرفًا بنيًا قديمًا.
وضعه أمامي.
كان مكتوبًا عليه بخط عبد الرحمن:
“إلى سعاد… بعد وفاتي فقط.”
فتحت الظرف.
وجدت عدة أوراق وصورة قديمة.
لكنني بدأت بالورقة الأولى.
قرأت أول سطر.
وتوقف نفسي.
كان مكتوبًا:
“اسم الطفلة: سعاد محمود عبد الرحيم.”
ذلك كان اسمي.
لكن الاسم التالي هو الذي جعل يدي ترتعش.
“اسم الأم: زينب محمود عبد الرحيم.”
رفعت رأسي.
— من زينب؟
لم يجب المحامي.
قلبت الورقة.
ثم وجدت صورة لامرأة شابة تحمل طفلة صغيرة.
نظرت إلى وجه المرأة.
كانت تشبهني بصورة مخيفة.
وخلف الصورة كانت هناك جملة بخط عبد الرحمن:
“سامحيني يا زينب… لقد بحثت عنها ثلاثين عامًا.”
شعرت بأن الغرفة تدور.
قلت:
— عبد الرحمن كان يعرف أمي؟
تنهد حسام.
— أكثر مما تتخيلين.
ثم أخرج من الملف ورقة أخرى.
وقال:
— والأصعب أنك لم تدخلي بيت عبد الرحمن بالصدفة يا سعاد.
نظرت إليه في ذهول.
فأكمل:
— هو الذي بحث عنك… وهو الذي رتّب وصولك للعمل هنا من البداية.
سقطت الصورة من يدي.
وسألته:
— لماذا؟
أجابني بصوت منخفض:
— لأن أمك قبل أن تختفي من حياته تركت عنده أمانة… والأمانة كانت أنتِ.
جلست أمام شاشة الحاسوب وأنا أشعر أنني لم أعد أعرف الرجل الذي عشت معه خمس سنوات.
كان عبد الرحمن ينظر إلى الكاميرا بثبات.
وقال:
“حتى تفهمي يا سعاد، يجب أن تعرفي أن والدك محمود لم يمت فقيرًا.”
حبست أنفاسي.
“قبل وفاته بعامين، دخل محمود معي في مشروع عقاري صغير.
وضع فيه كل ما يملك.
نجح المشروع.
ثم اشترينا أرضًا ثانية.
وعندما مات، كان من حق زوجته وابنته نصيبه كاملًا.
لكن أبي استغل الفوضى التي حدثت بعد موته، وسجل بعض الأصول باسم الشركة العائلية.”
شعرت بالغضب يصعد داخلي.
تابع عبد الرحمن:
“كنت أعرف.
ولم أفعل شيئًا.
وهذا أكبر ذنب حملته في حياتي.”
توقفت الصورة للحظة ثم استمر التسجيل.
“كبرت الشركة.
والأرض الصغيرة التي كان محمود يملك جزءًا منها أصبحت بعد سنوات مشروعًا يساوي عشرات الملايين.
ثم تضاعفت قيمته.
كل جنيه نتج عن حصة محمود حسبته طوال السنوات الماضية، واحتفظت بسجلاته.
لم أكن أستطيع إعادة المال إلى زينب لأنني لم أجدها إلا بعد سنوات، وعندما وجدتها رفضت أن تأخذ شيئًا قبل أن تجد ابنتها.
ثم ماتت.
فأصبح المال حقًا لسعاد.”
غطيت فمي بيدي.
فهمت الآن.
عبد الرحمن لم يتركني ثروة.
كان يعيد إليّ ثروة أبي.
قال في التسجيل:
“لهذا السبب، قبل زواجي من سعاد، فصلت حساباتها القانونية تمامًا عن ممتلكاتي.
لأنني أعرف أنكم ستقولون إنها تزوجتني من أجل المال.
لكن الحقيقة أن الجزء الذي سجلته باسمها لم تحصل عليه بصفتها زوجتي.
حصلت عليه بصفتها ابنة محمود.”
نظر حسام إليّ.
وقال بهدوء:
— لهذا يصعب جدًا إبطال حقك.
استمر التسجيل.
“أما أملاكي الشخصية، فقد وزعت جزءًا منها على المؤسسة، وجزءًا على أقاربي، وخصصت جزءًا لمريم.”
ثم ابتسم عبد الرحمن في الفيديو.
وكانت تلك الابتسامة كافية لتعيدني خمس سنوات إلى الوراء.
“أما سعاد…
فأنا أعرفها.
وأعرف أنها بمجرد أن تسمع كلمة ميراث ستقول إنها لا تريد شيئًا.
لذلك أقول لك الآن:
لا ترفضي حقك.
هذا ليس مالي.
هذا مال أبيك.”
بدأت أبكي.
قال:
“كنت أتمنى أن أراك وأنت تعرفين الحقيقة.
لكنني كنت جبانًا مرة أخرى.
خفت أن أخسرك.”
خفض رأسه.
ثم قال:
“وأعرف أن بعض الناس قد يرون أنني كنت أنانيًا.
ربما كنت كذلك.
كان يجب أن أخبرك قبل الزواج.
لكنني أحببتك.
ولأول مرة في حياتي، خفت أن أفقد إنسانًا أكثر من خوفي من ذنبي.”
انتهى التسجيل.
ساد الصمت.
لم أعرف هل أغضب منه أم أشتاق إليه.
كنت أشعر بالأمرين معًا.
أحببت عبد الرحمن.
لكنني كنت غاضبة لأنه أخذ مني حقي في معرفة ماضيّ.
قلت لحسام:
— كان لازم يقول لي.
أجاب:
— نعم.
نظرت إليه.
فقال:
— لن أدافع عنه في هذا الجزء. كان يعرف أنه أخطأ.
ثم أشار إلى العلبة المخملية.
— ولهذا ترك لك شيئًا أخيرًا.
فتحتها.
لم أجد مجوهرات.
وجدت مفتاحًا.
وتحته ورقة مكتوب عليها عنوان في حي قديم بالقاهرة.
قلت:
— ما هذا؟
أجاب حسام:
— لا أعرف.
ذهبت في اليوم التالي.
أصرت مريم على مرافقتي.
وصلنا إلى منزل قديم من طابقين.
كان مغلقًا منذ سنوات.
فتحت الباب بالمفتاح.
دخلت.
رائحة الغبار ملأت المكان.
لكن الغريب أن الأثاث كان ما يزال موجودًا.
على أحد الجدران كانت هناك صور.
اقتربت.
ورأيتها.
أمي.
زينب.
وفي صورة أخرى كان يقف بجانبها شاب يحمل طفلة.
أبي محمود.
وأنا بين ذراعيه.
جلست على الأرض.
لم أستطع الوقوف.
كانت هذه أول صورة أراها لأبي في حياتي.
مريم جلست بجانبي واحتضنتني.
قلت وأنا أبكي:
— كان عندي بيت يا مريم.
قالت:
— ولسه عندك يا ماما.
وجدنا في غرفة النوم صندوقًا خشبيًا.
فتحته.
كان مليئًا بأشياء طفلة.
فستان صغير.
سوار فضي.
خصلة شعر ملفوفة داخل ورقة.
وعشرات الرسائل.
كلها من أمي إليّ.
كانت تكتبها أثناء بحثها عني.
“سعاد…
اليوم عيد ميلادك السادس، ولا أعرف أين أنت.
اشتريت لك فستانًا رغم أنني لا أعرف مقاسك.
سأحتفظ به حتى أجدك.”
رسالة أخرى.
“سعاد…
قالوا لي اليوم إن سجلات الدار القديمة ضاعت.




