
بعد 29 سنة جواز، جوزي فجأة أصر إنه هو اللي يرمي الزبالة
بعد 29 سنة جواز، جوزي فجأة أصر إنه هو اللي يرمي الزبالة كل ليلة… وبعد 3 أيام من تصرفاته الغريبة، قررت أمشي وراه من غير ما يعرف.
طول سنين جوازنا، كان رمي الزبالة تقريبًا مسؤوليتي أنا.
جوزي كان بيكره الموضوع ده جدًا، لدرجة إنه كان ممكن يفضل يحط حاجة فوق حاجة في السلة لحد ما تتملي، ولا إنه يمسك الكيس وينزل يرميه.
علشان كده، لما قام بعد العشا يوم الاتنين، مسك كيس الزبالة وقال:
— سيبيه… أنا هرميه.
بصيتله باستغراب وضحكت:
— إنت مين؟ ووديت جوزي فين؟
كنت مستنية يضحك، لكنه ما ضحكش.
لبس حذاءه وخرج من البيت بهدوء.
ما اهتمتش بالموضوع في البداية، واعتبرته مجرد تصرف عابر.
لكن تاني يوم حصل نفس الشيء.
الساعة 9:30 مساءً بالضبط، قام من مكانه، مسك كيس الزبالة وخرج.
المرة دي لاحظت إنه اتأخر.
المفروض رمي الكيس ما ياخدش أكتر من دقيقتين أو تلاتة، لكنه رجع بعد حوالي ربع ساعة.
سألته:
— اتأخرت ليه؟
رد بسرعة:
— قابلت واحد من الجيران واتكلمنا شوية.
ما سألتش أكتر، لكن يوم الأربعاء فضولي زاد.
قبل الساعة 9:30 بدقايق، وقفت عند شباك الدور اللي فوق.
وبالفعل، شوفته خارج من البيت وشايل كيس الزبالة.
مشى ناحية الصناديق…
لكن المفاجأة إنه ما وقفش عندها.
عدّاها وكمل طريقه.
عدّى الجراج والسور، ودخل الممر الضيق الموجود ورا البيوت.
فضلت واقفة عند الشباك مستنياه.
بعد حوالي 12 دقيقة ظهر من جديد.
لكن المرة دي…
كان راجع من غير كيس الزبالة.
حاولت أقنع نفسي إنه أكيد رماه في مكان تاني، لكن السؤال اللي فضل في دماغي طول الليل كان:
ليه؟
وليه كل يوم الساعة 9:30 بالضبط؟
ليلة الخميس، قررت أعرف الحقيقة بنفسي.
أول ما الساعة وصلت 9:30، قام كعادته ومسك الكيس.
— أنا نازل أرمي الزبالة.
استنيت حوالي 30 ثانية بعد ما خرج، لبست حذائي بسرعة ونزلت وراه.
حافظت على مسافة بيني وبينه علشان ما يحسش بيا.
زي ما توقعت، عدّى صناديق الزبالة من غير حتى ما يبص ناحيتها.
فضلت ماشية وراه لحد ما وصل لجراج قديم قريب من آخر الشارع.
وقف.
بص حواليه بحذر.
استخبيت ورا سور قصير وأنا براقبه.
وفجأة شوفته بيفتح كيس الزبالة.
لكن بدل ما يرميه…
مد إيده جواه.
وطلع ظرف ورقي بني صغير.
اتجمدت مكاني.
أنا اللي كنت بجهز أكياس الزبالة في البيت، ومتأكدة إن الظرف ده ما كانش موجود فيها.
قبل ما أفهم أي حاجة، ظهرت ست من الناحية التانية للجراج.
كانت لابسة بالطو طويل، وشعرها مصبوغ بلون أزرق واضح.
وقفت قدام جوزي من غير سلام ولا كلام كتير.
مد إيده واداها الظرف.
حسيت بدقات قلبي بتزيد.
لكن اللي سمعته بعدها خلاني أنسى حتى أسأل نفسي إيه اللي جوه الظرف.
الست بصت لجوزي وقالت:
— هي لسه ما تعرفش؟
هز راسه:
— لسه.
سألته:
— وهتفضل تعمل كده لحد إمتى؟
سكت لحظة، وبعدين رد:
— لحد يوم السبت.
تراجعت خطوة لورا وأنا بحاول أخرج من المكان قبل ما يشوفوني.
لكن رجلي خبطت في زجاجة بلاستيك مرمية على الأرض.
صدر منها صوت واضح وسط هدوء المكان.
الاتنين سكتوا فورًا.
وجوزي لف وشه ببطء ناحية المكان اللي كنت واقفة فيه.
وفي اللحظة دي عرفت إن مفيش مجال للهروب.
يتبع في الجزء الثاني…
للكاتبه اسما السيد
لكن الحكاية ما انتهتش عند البيت.
بعد ما لفّيت في الصالة وشوفت الصور القديمة، لاحظت باب صغير في آخر الممر.
كان مقفول.
بصيت لجوزي وسألته:
— والأوضة دي فيها إيه؟
ابتسم وقال:
— كنت مستني تسألي.
طلع مفتاح صغير من جيبه وادهولي.
— افتحي بنفسك.
فتحت الباب، وأول ما النور اشتغل وقفت مكاني.
الأوضة كانت متجهزة زي ركن صغير للذكريات.
فيها الكنبة القديمة اللي اشتريناها بعد جوازنا، والراديو الصغير اللي كان عندنا زمان، وحتى ترابيزة السفرة الخشب اللي كنت فاكرة إنها اترمت من سنين.
قربت منها ولمستها وقلت:
— إنت جبت الحاجات دي منين؟
قال:
— ما رمتهاش.
بصيتله بدهشة.
— يعني إيه؟
— كل مرة كنتِ تقوليلي نغير حاجة من البيت، كنت باخد القديم وأحطه في مخزن. كنت عارف إن في يوم هنشتاق للحاجات دي.
ضحكت وقلت:
— وأنا اللي كنت فاكراك مبتعرفش تتخلص من الكراكيب.
رد:
— أهو طلع للكراكيب فايدة.
لكن بعدها عيني وقعت على صندوق خشبي صغير فوق المكتب.
كان عليه اسمي.
فتحته.
لقيت جواه عشرات الأظرف.
كل ظرف مكتوب عليه سنة.
1998…
2001…
2007…
2015…
2020…
فضلت أقلب فيهم وأنا مش فاهمة.
سألته:
— إيه الخطابات دي؟
قعد على الكرسي وقال:
— حاجات كتبتها لك على مدار السنين… ومادتهالكش.
فتحت أول ظرف.
كان مكتوب فيه كلام بسيط عن أول سنة جواز، وعن خوفه وقتها إنه ما يعرفش يوفر لنا حياة كويسة.
وفي ظرف تاني، كان بيحكي عن اليوم اللي اتخانقنا فيه خناقة كبيرة، وإنه رغم عصبيته وقتها كان خايف نخسر بعض.
كل ظرف كان جزء من حياتنا أنا نسيته…
وهو فاكره.
وصلت لآخر ظرف.
كان مكتوب عليه:
“السبت.”
بصيتله.
— أفتحه؟
قال:
— ده معمول علشان النهارده.
فتحته.
كان جواه ورقة واحدة.
قرأتها بصوت واطي:
“بعد 29 سنة، اكتشفت إن أكبر حاجة كسبتها في حياتي مش البيت ولا الشغل ولا أي حاجة اشتريناها… أكبر مكسب كان إن كل يوم كنت برجع ألاقيكي موجودة.”
وقفت عن القراءة.
بصيتله ولقيته بيحاول يخفي تأثره.
قلت:
— كل ده كنت مخبيه عني؟
ابتسم:
— كنت مستني الوقت المناسب.
سألته:
— والست اللي شعرها أزرق؟
ضحك:
— اسمها نهى، وهي اللي أشرفت على تجهيز البيت. وبالمناسبة، هي قالتلي من أول يوم إن خطة كيس الزبالة فكرة سيئة.
ومن ورا الباب سمعنا صوت بيقول:
— وأنا لسه عند رأيي!
لفينا…
لقينا المهندسة واقفة وهي بتضحك.
لكنها ما كانتش لوحدها.
وراها ظهر أولادنا.
وبعدهم أحفادنا.
وفجأة دخلوا كلهم وهم بيقولوا:
— كل سنة وإنتوا مع بعض!
حطيت إيدي على بوقي من المفاجأة.
بصيت لجوزي:
— يعني كلكم كنتوا عارفين؟
ابني ضحك وقال:
— كلنا… ما عدا إنتِ.
قلت:
— وأنا كنت خلاص هتهم أبوكم إنه مخبي عني مصيبة!
رد جوزي:
— ما أنا كنت عارف إنك هتمشي ورايا في الآخر.
قلتله:
— وعارف منين؟
ابتسم وقال:
— 29 سنة يا حبيبتي… أنا حافظك.
قضينا الليلة كلها في البيت القديم.
حكينا لأولادنا حكايات عمرهم ما سمعوها، وضحكنا على الصور وعلى شكلنا زمان.
وقبل ما نمشي، وقفت عند الباب وبصيت للبيت مرة أخيرة.
كنت فاكرة إن جوزي اشترى بيتًا قديمًا.
لكن الحقيقة إنه اشترى لنا فرصة نرجع نزور العمر اللي فات… من غير ما نحاول نعيشه من جديد.
وإحنا راجعين البيت، سألته:
— بالمناسبة، مين هيرمي الزبالة بكرة؟
رد بمنتهى الثقة:
— إنتِ طبعًا.
بصيتله وقلت:
— لأ يا حبيبي… اللي يعمل حاجة أربع أيام ورا بعض، كده بقت مسؤوليته رسمي.
سكت ثانيتين وقال:
— أنا غلطان إني عملتلك مفاجأة أصلًا!
وضحكنا طول الطريق.
النهاية




