قصص وروايات

كنت بعيط عل بنتي

— أنا كنت حامل.

اتجمدت، ورفعت وشها:

— قبل ولادتك بشهرين… فقدت حملي.

— أنا ومحمود كنا عارفين.

— محمود كان عارف؟

قالت: — أنا انهرت، كنت عايزة طفل بأي شكل، وجوزي كان مهدد يطلقني لو ما خلفتش بعد سنين العلاج.

قلت: — وإيه علاقة بنتي؟!

نجلاء بكت أكتر: — محمود هو اللي عرض الفكرة.

قلبي وقع:

— محمود؟

قالت: — قال إنك أثناء العملية كنتِ في حالة صعبة… وإن الدكاترة قالوا إن الحمل تاني ممكن يبقى صعب.

قربت منها وأنا مصدومة: — فقرر يسرق بنتي؟!

صرخت: — هو قال إنكم عندكم وليد، وإن أنا معنديش حد!

ضحكت من شدة الصدمة:

— دي حجته؟

قالت: — قال إنك هتصدقي إنها ماتت…

جسمي كله كان بيرتعش:

— والفلوس؟

نزلت عينيها: — دفعت فلوس عشان الإجراءات تتسهل.

— لمين؟

ما ردتش.

— لمين يا نجلاء؟

قالت اسم ممرضة كانت بتشتغل في القسم.

فهمت كل حاجة؛ مش كل المستشفى، شخصين أو ثلاثة ساعدوا في تزوير أوراق ونقل بنتي من غير علمي.

قلت: — وإنتِ وافقتي؟

قالت: — كنت مش شايفة قدامي.

— أسبوعين يا نجلاء.

شديت بنتي أكتر لحضني: — أسبوعين وأنا بموت كل يوم… وإنتِ شايلة بنتي وبتتصوري معاها أم؟

قالت بسرعة: — ما نشرتش صور.

بصيت لها بعدم تصديق: — إنتِ فاكرة دي المشكلة؟!

باب الشقة اتفتح، وسمعت صوت محمود:

— نجلاء؟

خرج من الطرقة، وأول ما شافني شايلة الطفلة… وقف مكانه، وما حاولش حتى يمثل.

قلت: — كنت هتفضل ساكت لحد إمتى؟

محمود قفل الباب وراه:

— اسمعيني.

— نفس الجملة؟

اتقدم خطوة، ورجعت لورا:

— ما تقربش.

قال: — أنا عملت ده عشان العيلة.

— أنهي عيلة؟! صرخت فيه: العيلة اللي سرقت منها بنتها؟!

حاول يتكلم.

قلت: — إنت قعدت جنبي في المستشفى وأنا بعيط، وقلتلي بنتنا ماتت!

نزل عينيه: — كنتِ حالتك خطيرة.

— وإيه العلاقة؟

قال: — الدكاترة قالوا إن الحمل مرة تانية ممكن يبقى خطر، وإنتِ عندك وليد. نجلاء ما كانش عندها أي فرصة…

قلت: — وإنت بقيت ربنا عشان تقسم الأطفال بين الناس؟

سكت.

— دي بنتي.

— أنا أبوها برضه.

الجملة دي خلتني أهدى فجأة… هدوء مرعب.

قلت: — الأب ما يدفنش بنته وهي حية في قلب أمها.

سكت محمود.

ودخل وليد الشقة فجأة ومعاه ماما (واضح إن ماما لحقتني بعد ما اتأخرت).

وليد أول ما شاف الطفلة في حضني… شهق، وبعدين ابتسم؛ ابتسامة عمري ما هنساها.

جري عليا: — قلتلك يا ماما!

قعدت على ركبتي وأنا شايلة بنتي. وليد لمس رجلها الصغيرة:

— هي دي؟

قلت وأنا بعيط: — هي دي يا حبيبي.

بص لأبوه، وبعدين ابتسامته اختفت، وقال:

— ليه قلت إن هي ماتت؟

محمود ما عرفش يرد.

وليد قال: — أنا كنت بجمع فلوس عشان أشتريها من الست زي ما إنت عملت.

الغرفة كلها سكتت. وأنا حسيت قلبي اتكسر مرة تانية؛ طفل عنده 8 سنين كان فاكر إن أخته اتباعت!

حضنته بإيدي الحرة: — لا يا حبيبي. أختك مش حاجة تتباع أو تتشترى.

كلمت الشرطة في نفس اليوم.

التحقيق كشف إن في أوراق طبية اتغيرت، وتوقيعات اتعملت بطريقة غير قانونية. الممرضة اللي ساعدتهم اعترفت بعد التحقيق، ونجلاء اعترفت بكل حاجة، ومحمود حاول في الأول يقول إن الموضوع كان “اتفاق عائلي”، لكن مفيش أم وافقت على الاتفاق ده وأنا كنت فاقدة الوعي وما مضيتش على حاجة وما وافقتش على حاجة.

بعد إجراءات وتحاليل إثبات نسب ومراجعة كل ملفات المستشفى… بنتي رجعت رسميًا لحضني.

سميتها “نور”… نفس الاسم اللي كنت مختاراه قبل الولادة.

أما محمود… فخرج من حياتي. مش في يوم وليلة، وكانت فيه محاكم وتحقيقات وإجراءات طويلة، لكن الحاجة الوحيدة اللي كنت متأكدة منها… إني مستحيل أعيش يوم تاني مع راجل قدر يبص في عيني وأنا مكسورة ويكمل الكدبة.

نجلاء طلبت تشوفني مرة قبل ما تبدأ الإجراءات القضائية. رفضت في الأول، وبعدين وافقت.

قعدت قدامي وهي منهارة وقالت:

— أنا عارفة إنك عمرك ما هتسامحيني.

قلت: — يمكن في يوم أسامح عشان نفسي… لكن ده مش معناه إن اللي عملتيه هيتنسي.

قالت وهي بتعيط: — أنا كنت نفسي أبقى أم.

بصيت لها: — وكان لازم عشان تبقي أم… تخليني أنا أعيش وأنا فاكرة إن بنتي ماتت؟

ما ردتش. قمت ومشيت.

عدى شهور.

أوضة نور الصفراء أخيرًا بقى فيها صوت. الأرنب رجع جنبها، ووليد بقى كل يوم قبل ما ينام يدخل يبص عليها.

وفي ليلة، دخلت عليه لقيته بيطلع البرطمان القديم من الدولاب.

قلتله: — لسه محتفظ بيه؟

ضحك: — أيوه.

— هتعمل بالفلوس إيه؟

بص ناحية أوضة نور وقال: — هجيب لها هدية لما تكبر.

ضحكت: — وإيه الهدية؟

قال بثقة: — مش هقولك.

قربت منه وبست راسه.

كنت لسه بتعافى، ولسه فيه ليالي بصحى فيها مفزوعة وأجري على سرير نور أتأكد إنها موجودة، ولسه ساعات ببص لها وأفتكر الأسبوعين اللي كنت فاكرة فيه إن التراب أخدها مني.

لكن في كل مرة… بلاقي إيدها الصغيرة ماسكة صباعي.

وفي يوم عيد ميلاد وليد التاسع، كنت واقفة في المطبخ لما سمعته بيكلم نور اللي كانت في الكرسي الصغير جنب السفرة، وقال لها:

— على فكرة، أنا اللي رجعتك لماما.

ضحكت من المطبخ وناديت: — وليد!

رد: — ما هو بجد!

دخلت عليهم، ونور كانت بتضحك له.

وليد قرب منها وقال: — لما تكبري هحكيلك كل حاجة.

قلت: — لأ، لما تكبر هنعرفها الحقيقة بطريقة تناسبها.

بصلي: — بس أهم حاجة تعرف إني كنت بحبها قبل ما أشوفها.

حضنته وقلت: — دي أهم حاجة فعلًا.

وفي اللحظة دي فهمت حاجة؛ محمود كان فاكر إن وليد طفل صغير مش فاهم، وإنه ممكن يشوف ويسكت. لكن الحقيقة كلها اتكشفت… عشان طفل عنده 8 سنين رفض يصدق إن أخته اختفت، وجمع كل جنيه معاه… وهو فاكر إن الحب ممكن يشتريها ويرجعها البيت. هو ما كانش عارف إن الفلوس مش هي اللي هترجع أخته… شجاعته هي اللي رجعتها.

ومن يومها… كل ما أبص لابني، أفتكر إن أصغر شخص في البيت… كان هو الوحيد اللي شاف الحقيقة.

تمت.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى