
قال:
— إيه اللي فكرك بالموضوع دلوقتي؟
— عايزة أزورها.
سكت:
— إنتِ لسه تعبانة.
— لما أبقى أحسن.
قام من على السرير:
— نبقى نتكلم بعدين.
قلت:
— بس فين؟
لف لي:
— إيه؟
— المقابر فين يا محمود؟
فرك جبينه:
— المستشفى هي اللي رتبت الإجراءات.
— وإنت ما حضرتش؟
— كنت معاكي.
— طب مين حضر؟
وقف ثانيتين، ثلاثة، وقال:
— خالك سامي.
عرفت إنه بيكدب، لأن خالي سامي كان مسافر بره البلد وقت ولادتي. لكن ما علقتش، هزيت راسي وقلت:
— تمام.
وخرج، وأنا قلبي كان بيصرخ: بنتي عايشة.
تاني يوم، أول ما محمود نزل الشغل، كلمت المستشفى وطلبت نسخة من ملف الولادة.
الموظفة قالت إن لازم أروح بنفسي. وبعد ساعة كنت هناك مع وليد ومامتي (اللي ما قلتلهاش حاجة غير إني محتاجة أخلص ورق).
دخلت قسم السجلات، وفضلت مستنية نص ساعة لحد ما خرجت موظفة وقالت:
— حضرتك والدة الطفلة اللي اتولدت يوم 14؟
— أيوه.
قلبت في الورق وبعدين عقدت حواجبها:
— غريبة.
قلبي وقف:
— إيه؟
قالت:
— الملف مكتوب فيه إن الطفلة خرجت حية.
ما سمعتش باقي الجملة؛ صوت الدنيا كلها اختفى، ومسكت طرف المكتب:
— إيه؟
بصت للشاشة:
— الطفلة اتولدت محتاجة متابعة، بس حالتها استقرت.
قربت منها:
— حضرتك متأكدة؟
— أيوه.
— طب مكتوب إنها ماتت؟
— لا.
ركبي ما بقتش شايلاني. الموظفة سألت:
— حضرتك كويسة؟
قلت بصوت مبحوح:
— مين استلمها؟
بدأت تدور وبعدين قالت:
— موجود توقيع الأب على أوراق خروج استثنائي ونقل الطفلة لمكان تاني.
— مكان إيه؟
سكتت:
— الورقة دي ناقصة بيانات.
— ممكن أشوفها؟
لما شفت التوقيع… عرفته فورًا: محمود. وجنب توقيعه كان فيه توقيع تاني باسم: نجلاء حسن عبد الحميد (أختي).
طلعت من المستشفى وأنا حاسة إني بحلم.
ماما كانت مستنياني بره مع وليد، أول ما شافت وشي قالت:
— مالك؟
ماكنتش عارفة أقولها إيه؛ إزاي أقول لأم إن واحدة من بناتها خدت بنت البنت التانية؟
قلت: — ماما… نجلاء فين دلوقتي؟
استغربت: — في شقتها غالبًا.
— لسه في شقتها القديمة؟
— أيوه.
ركبت العربية، وماما نادت عليا:
— إنتِ رايحة فين؟
قلت: — لازم أشوفها.
وصلت بيت نجلاء، طلعت السلم بسرعة وخبطت. محدش رد. خبطت تاني، فسمعت حركة جوه، وبعدين صوت طفل… صوت بكاء صغير.
قلبي كاد يخرج من صدري، بدأت أخبط بعنف:
— نجلاء! افتحي!
الصوت سكت، وثلواني وبعدين الباب اتفتح شوية. نجلاء ظهرت قدامي، وأول ما شافتني وشها اصفر.
قلت: — فين بنتي؟
شهقت: — إنتِ بتقولي إيه؟
زقيت الباب بايدي: — فين بنتي يا نجلاء؟
حاولت تمنعني: — إنتِ مش كويسة، لازم ترجعي البيت.
لكن في اللحظة دي… سمعت صوت بكاء تاني جاي من جوه.
عديت من جنبها ودخلت أوضة النوم، وكان فيه سرير أطفال صغير، جواه… طفلة!
لابسة سلوبت أصفر، وعلى جنب السرير… كان الأرنب اللي وليد اختاره، الأرنب اللي اختفى من بيتنا يوم رجعت من المستشفى.
وقفت قدام السرير. ما قدرتش ألمسها، ما قدرتش حتى أتنفس. كانت نايمة، إيديها الصغيرة مقفولة، نفسها طالع ونازل.
حية. بنتي… كانت حية.
صرخت:
— دي بنتي!
نجلاء بدأت تعيط:
— اسمعيني بس…
لفيت لها:
— تسمعيني إيه؟!
شلت بنتي من السرير وضمتها لصدري. ريحة البيبي دخلت روحي، ووقتها بس… عرفت إن مفيش أم ممكن تتلخبط في الإحساس ده. دي بنتي، بنتي اللي دفنتها في خيالي ألف مرة، بنتي اللي كنت بصحى كل يوم حاسة إن جزء مني اتدفن معاها.
قلت لنجلاء:
— ليه؟
وقعت على طرف السرير وغطت وشها:




