قصص وروايات

بعد ما تبرعت

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد.
مشيت ورا الممرضة من غير ما أحس. دخلت أوضة جانبية، وشفتها بتطلع كيس الدم اللي اتسحب مني وترميه في صندوق النفايات. وفي نفس اللحظة، سمعت صوت خطيبي من أوضة تانية وهو بيضحك.

ما دخلتش أواجهه.
بصيت للكدمة اللي بدأت تظهر في دراعي، قفلت موبايلي، وفي نفس الليلة بدأت ألم هدومي.

دي كانت آخر رسالة من كريم قبل ما الممرضة تغرز الإبرة في دراعي.
بعد حوالي أربعين دقيقة، خرجت من بنك الدم في مستشفى خاص في القاهرة، وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
كان في شاش أبيض متثبت على دراعي، ودوخة خفيفة في دماغي، لكن جوايا كان إحساس أقوى من أي تعب.
كنت مقتنعة إني أنقذت الراجل اللي بحبه.
الراجل اللي بقالي تلات سنين معاه.
أو على الأقل ده اللي كنت فاكرة.

الساعة كانت اتنين وربع بعد نص الليل لما تليفوني رن.
كان المتصل مازن، أقرب أصحاب كريم.
صوته كان بيرتعش وبيمثل إنه بيعيط:

ندى، كريم عمل حادثة بالعربية.
قلبي وقع:

حادثة إيه؟!

كان سايق بسرعة على طريق العين السخنة والعربية اتقلبت. الدكتور قال إنه فقد دم كتير جدًا.
سكت لحظة، وبعدين قال:

وهو داخل العمليات كان بيسأل عليكي.

مافكرتش.
ماخدتش وقت حتى ألبس كويس.
خدت أول عربية وقعدت طول الطريق وأنا بدعي ربنا ما ياخدوش مني.
كريم العزايزي كان ابن عيلة كبيرة ومعروفة، ساكنين في مصر الجديدة، وعندهم شركات وأملاك وعلاقات تخلي أي حد يحسب لهم ألف حساب.
أما أنا، ندى سالم، فكنت بنت موظف معاشه على قده ومدرسة من شبرا.
ومع ذلك، عمري ما حسيت إن الفرق ده مشكلة.
كنت دايمًا بقول لنفسي: هو اختارني أنا.
كنت فاكرة إن دي أكبر علامة على إن ربنا بيحبني.. لحد الصبح ده.

بعد ما خلصت إجراءات التبرع، كنت رايحة ناحية الأسانسير، لما لمحت ممرضة بتزق صندوق تبريد صغير مخصوص لنقل أكياس الدم.
في الأول ما اهتمتش.
لكن وأنا بعدي جنبها، عيني وقعت على الاستيكر اللي على الصندوق.
الاسم المكتوب عليه كان: ندى سالم. اسمي.
وقفت مكاني.
الممرضة دخلت أوضة صغيرة جنب بنك الدم.
مش عارفة ليه بس رجلي اتحركت وراها.
قربت من الباب وبصيت من فتحة صغيرة.
الممرضة فتحت الصندوق.
طلعت كيس الدم اللي اتسحب مني.
فضلت باصة عليه ثواني.
وبعدين.. رمته في صندوق النفايات.

اتجمدت مكاني.
قلت لنفسي أكيد أنا فاهمة غلط.
يمكن ده مش كيس الدم بتاعي.
لكن قبل ما أتحرك، سمعت ضحك جاي من أوضة في آخر الممر.
الباب كان موارب.
وصوت كريم وصل لودني.
دخلت خطوتين.. وبصيت.
كريم كان قاعد على السرير.. مرتاح.. لابس هدومه العادية.. وفي إيده كوب قهوة.
مفيش محاليل.. مفيش أجهزة.. مفيش جبيرة.. ومفيش حتى خدش صغير في وشه.
وحوالينه مازن، ومروان، وكام واحد من صحابه.
كانوا بيضحكوا.

قال مروان:

طب كام بقى؟
مازن ضحك وقال:

ستة وتسعين.
الكل انفجر في الضحك.
حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.
كريم ابتسم وقال:

دي كانت من أحسنهم.
واحد تاني قال:

لا يا عم، بتاعة الإسورة كانت أقوى.
مازن رد وهو بيضحك:

لما خليناها تلف على رجليها في المطر أربع ساعات عشان تدور على الإسورة اللي قالت إنك ضيعتها.

إيدي اترعشت.
افتكرت الليلة دي.
افتكرت كريم وهو بيتصل بيا قبل الفجر بصوت مكسور ويقول: “الإسورة اللي إنتي هديتهالي ضاعت مش قادر أصدق”.
وقتها فضلت أدور عليها في الشوارع لحد الساعة تلاتة الصبح.
رجع البيت مبلولة، وحرارتي عليت بعدها بيوم.
كنت فاكرة إني بعمل ده عشان الراجل اللي بحبه.
لكن الحقيقة؟ كانوا قاعدين بيتسلوا بيا.

واحد منهم قال:

طب فاكرين لما خليناها تصدق إن كريم في العناية المركزة؟
ضحكوا.
أما أنا.. فحسيت نفسي مش قادرة آخد نفس.
افتكرت الليلة دي برضه.
كنت قاعدة في مسجد صغير، بعيط وبادعي ربنا يشفيه، وهو ماكانش تعبان أصلًا!

سمعت واحد تاني يقول:

ولسه موضوع اتهامها بسرقة مشروع التخرج!
قلبي وقف.
أنا فضلت شهور أحاول أثبت إني ما سرقتش بحث التخرج.
اتحرمت من حضور حفل التخرج، ودخلت في تحقيقات، وحتى أهلي شكوا فيا فترة.
وفي الآخر قالولي إن الموضوع كان مجرد خطأ في تسجيل الأوراق!
لكن صوت مازن جه واضح:

ده كان أحلى واحد فيهم.
رد كريم ببرود:

أصلها صدقت بسرعة.
ضحكوا.

واحد منهم سأله:

طب وإنت عملت إيه في الورق؟
مازن قال:

بعته من إيميل مجهول زي ما اتفقنا.
حسيت إن وداني بتطن.
كل المصايب اللي حصلتلي.. كانت متخططة.. مش صدفة.. مش سوء حظ.
هم اللي كانوا وراها.

وفجأة سمعت مازن يقول:

فاضل تلاتة بس.
الضحك اختفى.
مروان بص لكريم:

وبعد التلاتة؟
سكت كريم شوية.. وبعدين قال:

أسيبها.
مازن ابتسم:

وترجع لمين؟
كريم رفع عينه وقال:

لسارة.

اسمها وقع عليا كأنه حجر.
سارة منصور.. البنت اللي كانت بتنافسني من أيام الجامعة، واللي كانت بتبين إنها بتكرهني من غير سبب.
من سبع سنين، أنا وسارة كنا بنشارك في مسابقة رقص في جامعة في الإسكندرية.
هي كانت المرشحة الأولى، أما أنا فكنت بتدرب في أوضة صغيرة فوق سطح بيتنا.
ومع ذلك.. أنا كسبت، وسارة أخدت المركز التاني.
وماكنتش أعرف إن الليلة دي هتفضل في دماغها بالشكل ده، وإنها كانت بتدبر لكل ده مع كريم عشان تنتقم.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى