قصص وروايات

رحعت بعد عشرين سنة

إيه اللي المفروض أدور عليه؟
فتحت أدراج المكتب واحد واحد.
أوراق قديمة.
صور.
شهادات.
دفاتر.
لحد ما فتحت آخر درج.
لقيت ظرف أبيض.
لكن الظرف كان باسمي.
فتحته بسرعة.
جواه ورقة واحدة
إنت بتدور على سبب اختفائي من عشر سنين لكن عمرك ما سألت نفسك مين اللي طلب مني أختفي؟
اتنفست بصعوبة.
وتحت السؤال كان فيه اسم.
اسم شخص أعرفه.
اسم شخص كنت فاكره مجرد معرفة قديمة.
لكن المفاجأة إن الاسم كان مكتوب تحته
الشخص الوحيد اللي سلمى وثقت فيه بعدك.
وقفت مكاني.
لأن الاسم ده
كان اسم والدها.
في اللحظة دي، سمعت صوت باب البيت الرئيسي بيتقفل تحت.
ببطء.
بصيت ناحية باب الأوضة.
البيت كان المفروض فاضي.
لكن خطوات بدأت تطلع السلم.
خطوة
ثم خطوة
ثم خطوة.
حد كان طالع ناحيتي.
حطيت الورقة في جيبي.
وقربت من باب الأوضة.
الخطوات وقفت قدام الباب مباشرة.
محدش خبط.
ثواني من الصمت.
وبعدين جاء صوت رجل من الناحية التانية
كنت عارف إنك هتيجي.
اتجمدت.
الصوت كان مألوفًا جدًا.
لكن مستحيل.
لأن صاحبه
كان المفروض ميت من أكتر من عشر سنين فضلت واقف مكاني، وظهري لازق في الحيطة.
الصوت اللي سمعته من ورا الباب كان مستحيل يكون حقيقي.
قلت بصوت منخفض
مين؟
مفيش رد.
قربت من الباب خطوة.
أنا سألتك مين؟
وفجأة المقبض اتحرك.
رجعت لورا بسرعة.
الباب اتفتح ببطء.
والراجل ظهر قدامي.
في اللحظة الأولى، مخي رفض يستوعب اللي شايفه.
وشه كان أكبر من الصورة اللي في ذاكرتي، وشعره أبيض تقريبًا، لكن ملامحه
أنا أعرفها.
كنت شفتها وأنا عندي عشرين سنة.
كنت شفتها في بيت سلمى.
كنت شفتها في الصور القديمة.
لكن آخر مرة سمعت عنه كانت من سنين طويلة.
رفعت إيدي وأنا مش مصدق
إنت
ابتسم ابتسامة حزينة.
وقال
أيوه.
رجعت خطوة.
إنت المفروض ميت.
بصلي فترة طويلة، وبعدها قال
دي أول كذبة صدقتها عن سلمى.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
دخل الأوضة وقفل الباب وراه.
قلت
إنت والد سلمى.
هز راسه.
كنت.
يعني إيه كنت؟
مردش.
بص على المكتب، وبعدين على الورقة اللي كنت مخبيها في جيبي.
قال
هي سابتلك كل حاجة.
قلت بغضب
لأ، هي سابتلي عشر سنين من الأسئلة!
سكت.
وبعدين قال
وكان لازم تفضل بعيد.
ضحكت بمرارة.
بعيد عن إيه؟ عن مراتى؟ عن الحقيقة؟
لما قلت كلمة مراتي، ملامحه اتغيرت.
خفض عينه.
وقال
سلمى اتجوزتك علشان تديك فرصة تعرف الحقيقة قبل ما تموت.
الحقيقة عن إيه؟
بصلي في عيني مباشرة.
عن اللي حصل في الليلة اللي اختفت فيها.
حسيت بقلبي بيشد.
إنت كنت موجود؟
قال
كنت.
وأنت اللي خليتها تمشي؟
سكت.
وكان سكوته إجابة.
قربت منه.
إنت هددتها؟
قال بسرعة
أنا كنت بحاول أحميها.
صرخت
تحميها من مين؟!
وقبل ما يرد، سمعنا صوت ضربة قوية جايّة من الدور الأرضي.
اتنينّا بصينا ناحية الباب.
قال بصوت منخفض
إحنا مش لوحدنا.
قلبي دق بعنف.
مين اللي دخل؟
ما ردش.
اتجه للباب، وقفل القفل الداخلي.
وبعدين قرب مني وقال
لو الشخص اللي في بالي هو اللي دخل، لازم نخرج من هنا حالًا.
قلت
مش هخرج قبل ما أعرف الحقيقة.
بصلي بثبات.
لو عرفت الحقيقة كاملة، حياتك مش هترجع زي الأول.
قلت
هي أصلًا ما رجعتش زي الأول من عشر سنين.
فضل ساكت ثواني.
وبعدين مد إيده في جيبه وطلع صورة قديمة.
حطها قدامي.
الصورة كانت لسلمى وهي في الجامعة.
لكن وراها كان واقف شخص آخر.
شخص أنا أعرفه.
شخص كان موجود في حياتي أنا كمان.
حد كنت بثق فيه جدًا.
قلت وأنا مش قادر أصدق
هو كان يعرف سلمى؟
والدها قال
مش بس كان يعرفها.
سكت لحظة.
هو كان السبب في إنك ما عرفتش إنها حاولت ترجعلك.
قبل ما ألحق أسأله، سمعنا صوت خطوات في الصالة.
والخطوات كانت بتقرب.
ثم توقف الشخص أمام باب الأوضة.
ثلاث خبطات هادية.
دق
دق
دق
والد سلمى بصلي، ووشه اتغير.
همس
متتكلمش.
الصوت اللي جاء من خلف الباب كان لرجل.
قال
أنا عارف إنكم جوه.
اتجمدت.
لأن الصوت كان مألوفًا.
مألوفًا لدرجة خلتني أحس إن الدم اتسحب من وشي.
والد سلمى قرب مني وقال
دلوقتي هتعرف ليه سلمى اختفت.
وبعدين مد إيده ناحية الحيطة، وضغط على جزء صغير مخفي خلف لوحة قديمة.
سمعت صوت تكة.
وجزء من الحائط بدأ يتحرك.
ظهر ممر ضيق ومظلم.
بصلي وقال
ادخل.
قلت
وإنت؟
رد
أنا هأخره.
وبمجرد ما دخلت الممر، سمعت الباب بيتفتح بعنف خلفي.
وصوت الرجل الغريب صرخ
سلمى ماتت والسر لازم يموت معاها!
وفي اللحظة نفسها
والد سلمى رد عليه بجملة واحدة
السر مش بتاع سلمى أصلًا.
ثم انغلق الباب السري بيني وبينهم.
وقفت في الظلام.
لكن قبل ما أتحرك، نور صغير اشتغل تلقائيًا فوق رأسي.
وتحت النور
كان فيه صف كامل من الملفات القديمة.
كل ملف عليه تاريخ.
وأول ملف قدامي كان مكتوب عليه اسمي بالكامل.
وتحته تاريخ يعود لليلة اللي اختفت فيها سلمى فضلت طول الليل صاحي.
كل ما أغمض عيني، أشوف صورة سلمى قدامي، وأشوف الشخص الواقف في الخلفية.
كنت أعرفه كويس.
كان اسمه ياسين.
أقرب صديق ليا في الجامعة.
الشخص اللي كنت بحكيله كل حاجة عن سلمى.
والأغرب
إن ياسين اختفى هو كمان من حياتي بعدها بفترة قصيرة.
وقتها افتكرت إنه سافر.
لكن دلوقتي بدأت أسأل نفسي
هل فعلًا سافر؟
ولا حد خلاني أصدق كده؟
الصبح، رحت الجامعة القديمة.
المبنى كان اتجدد، لكن المدرج اللي كنا بنقعد فيه لسه موجود.
دخلت بهدوء.
المقاعد فاضية.
ريحة المكان رجعتلي ذكريات كنت بدفنها من سنين.
بصيت للمقعد اللي كانت سلمى بتحب تقعد عليه.
قعدت مكانها.

تابع المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى