
وشه اتغير.
لكن قبل ما يرد…
حكايات بسمة
-
ضوافرها بتتكسرمنذ ساعة واحدة
-
الشيف الممتلئةمنذ 3 ساعات
-
جوزي رجع من السفرمنذ 8 ساعات
-
بعد ٨ سنواتمنذ 16 ساعة
وقفت الكلمات في حلقي، وكانت ورقة كشف الحساب البنكي على الترابيزة بيننا كأنها صاعقة ثلجية، السطور والأرقام فيها واضحة ومسطرة بالقرش والجنيه. عينان جوزي “حسام” اتسعتا بذهول وهو شايف المبالغ والتحويلات الشهرية الثابتة اللي كانت بتطلع من حسابه لحساب أمه، غير الفواتير المطبوعة بتاعة الأجهزة والمفروشات والهدايا الفاخرة اللي مالهاش حصر.
حسام حاول يتدارك الموقف بسرعة، وشه اتلون بأحمر قانٍ، ورفع أيديه يحاول يقفل الورقة أو يداريها، وقال بصوت متوتر وعالي عشان يداري على ارتباكه:
— “إيه اللي أنتِ جايباه ده يا منى؟! أنتِ بتفتشي في أوراقي وفي حساباتي البنكية من ورا ضهري؟! إيه قلة الثقة دي?!”
بصيت له بثبات تام، دموعي كانت متحجرة في عيني لكنها رفضت تنزل، وقلت له بنبرة حادة وباردة هزت أركان الغرفة:
— “أنا مابفتش من ورا ضهرك يا حسام… الورقة دي جتلي في البريد باسمنا إحنا الاتنين على العنوان! أنا بقالي سنين عايشة معاك باكل الأرخص، ولابسة الأرخص، وبركب الأرخص، ولما ابننا المريض يسخن ويحتاج دواء مظبوط، تقولي بكل بساطة ‘هاتوا البديل الأرخص إحنا نستحمل’! وأكتشف في الآخر إن كلمة ‘إحنا نستحمل’ دي مش شظف عيش ولا ظروف صعبة… دي كانت خطة عشان توفر كل جنيه من عرقنا وقوت بيتنا وولادنا عشان تدفعه رفاهية ممتازة وماركات عالمية لبيت أُمك وأخواتك!”
حسام قام وقف على حيله، وداس على الترابيزة بيده وقال بغضب ومكابرة:
— “أنا بَبَرّ أُمي! بر الوالدين عندك بقى اسمه خطة واستنزاف؟! أُمي هي اللي ربتني وكبرتني، ومن حقها تعيش في عز وأحسن عيشة، وأنا الراجل والمسؤول عن الفلوس دي أوديها مطرح ما أنا عايز!”
قربت منه خطوة، وبصيت في عينيه مباشرة وقلت له بمرارة يقطع القلب:
— “البر برحمة وعدل يا حسام! البر مش معناه إنك تجوع بيتك وتستخسر في ابنك الدواء اللي يشفيه وتستخسر في
مراتك الغسالة اللي تغسل هدومك والمرتبة اللي تسند ظهرك المكسور، عشان تجيب لأمك أحدث أوتوماتيك وأفخم كرسي طبي وأغلى موبايل في السوق! البر مش معناه إن بيتك يتقال له ‘استحملوا’ وبيتك الثاني يتقال له ‘شبيك لبيك’! أنت ماكنتش بتبر أُمك… أنت كنت بتعوض عقدة نقص جواك على حساب صحتي وكرامتي وقوت ولادي!”
المفاجأة الكبرى وانكشاف المستور:
قبل ما حسام يرد عليّ أو يكمل زعيقه، رن جرس الباب برنة متواصلة ومستفزة.
مشيت فتحت الباب… لقيت حماتي واقفة، ومعاها بنتها “عبير” وزوج بنتها “شريف”. حماتي كانت لابسة أحسن ثياب، ورامية على كتفها الشال الصوف الفاخر اللي حسام اشتراهولها الشهر اللي فات بضعف مرتبنا.
دخلت حماتي المطبخ والصالة بدون سلام ولا كلام، وبصتلي من فوق لتحت وقالت بنبرة استعلاء:
— “إيه يا سي حسام؟! الصوت عالي ليه من على السلم؟! كأنكو بتتخانقوا على حاجة!”
حسام حاول يظبط وشها وقال بارتباك:
— “مافيش يا أمي… موضوع بسيط بيني وبين منى وبنتكلم فيه.”
عبير أخت جوزي ضحكت بتهكم وقالت وهي بتبص لشنطة أيديها الفاخرة:
— “موضوع بسيط إيه يا حسام؟! ده إحنا جايين عشان تسحب لنا المبلغ بتاع حجز الصيف في الشاليه اللي اتفقنا عليه مع شريف جوزي، أصل أُمك قالت إنك هتتكفل بالمصاريف كلها زي كل سنة!”
الصالة سكتت تماماً!
أنا بصيت لحسام بذهول ملهوش حدود، وحسام وشه اصفر تماماً ووقف مش عارف ينطق ولا كلمة!
شاليف زوج أخت جوزي كمل ببرود وهو بيلعب بمفاتيح عربيته:
— “أه والله يا حسام بيه… الحاجة ربنا يخليها قالت إنك هتدفع الشاليه الفندقي 5 نجوم وأنا عليا بس العصير والأكل الخفيف! أصل بصراحة الظروف مريحة معاك وأنت كريم قوي معانا.”
في اللحظة دي… حسيت إن سقف البيت بينزل على دماغي. الشاليه الفندقي 5 نجوم؟! اللي بيكلف مبالغ خيالية في أسبوع واحد، وهو نفس الأسبوع اللي حسام رفض فيه يودينا مصيف بلدي بسيط على قد إيدنا وقالنا ساعتها: “المصايف دي للناس المرفعة… إحنا نستحمل ونقعد في البيت”!
بصيت لحماتي ولأخت جوزي ولزوجها، وبعدين التفت لحسام وقلت له بابتسامة مكسورة مليانة تحقير:
— “ما شاء الله يا حسام! شاليه 5 نجوم لشريف جوز أختك وأختك وأمك من جيبك وشقاك؟! والشاليه ده من ضمن بند ‘إحنا نستحمل’ ولا ده بند تاني مستقل?!”
حماتي اتضايقت وصرخت بقلة ذوق:
— “جرى إيه يا بت أنتِ؟! أنتِ بتحسدي ابننا على قرشين بيصرفهم على أهله؟! ما يتكفل بيا وبأخته وزوج أخته، هو مش راجل البيت والسند?!”
رديت عليها بصوت حاد كالرصاص هز الصالة كلها:
— “راجل البيت والسند لما يكفي بيته وولاده الأول يا طنط! لما يجيب لابنه المريض الدواء النظيف اللي الدكتور كتبه ومستخسرش فيه 200 جنيه ويجيب له البديل الأرخص! لما يجيب لمراته غسالة تقيها تعب إيديها بدل ما يرمي 40 ألف جنيه في غسالة بحفلة تجفيف في بيتك وأنتِ عندك غسالتين شغالين! لما ما يخليش بيته يعيش على الأرخص والأنشف عشان يقعد زوج بنتك الهانم في شاليه 5 نجوم على حسابه!”
شريف زوج أخت جوزي وشه اصفر وأتحرج جداً، وعبير أخت جوزي بدأت تتلجلج وتزعق:
— “أنتِ بتتكلمي معانا كده ليه؟! هو إحنا شحاتين عندك?!”
صرخت فيها بمنتهى الصلابة:
— “أنتِ وزوجك بتتصرفوا كأنكم شحاتين على حساب بيتي وقوت ولادي يا هانم! بتاخدوا عرق راجل سايب بيته وولاده على الحافة عشان يتباهى قدامكم إنه المُنقذ والغني!”
توجّهت لحسام اللي كان واقف مطأطأ رأسه في الأرض كأنه متهم محكوم عليه بالإعدام، وقلت له بكل حسم وكرامة:
— “الحدود اتكشفت يا حسام، والقناع اتخلع خلاص. قدامك اختيارين مفيش غيرهم… يا إما الحسابات دي تتعدل فوراً، ويبقى بيتك وولادك هما الأولوية الأولى والأخيرة في مصاريفك وعيشك، ومصاريف أُمك تقتصر على الحق والواجب والبر بالعدل من غير بذخ ولا فخر على حسابنا… يا إما الورقة دي بكرة الصباح تتسلم للمحامي، ونفض الشركة دي وكل واحد يروح لحاله، وأنا ولدي هناخد نفقتنا وحقنا بالقانون من غير كلمة ‘نستحمل’ تاني!”
حماتي حاولت تصرخ وتقول:
— “سيبها يا حسام! طلقها والتراب يشيلها! البنات كتير!”
لكن حسام المرة دي صرخ في أمه وأخته بصوت يرن في الشقة كلها:
— “بس بقى! بس كفاية! أنتِ أختي وزوجك رجالة وتقدروا تدفعوا مصاريف مصيفكم بنفسكم! وأنا بيتي كان بيموت ويهرب مني وأنا مش حاسس!”
التفت حسام لشريف وأخته وقالم بمنتهى القسوة:
— “المصيف اتلغى… والتحويلات الزيادة اتلغت! أتفضلوا على بيتكم دلوقتي!”
خرجت حماتي وأختها وزوجها وهما بيشتموا ويزعقوا بعد ما اتفضحت خطتهم قدام الجميع، واتقفل الباب وراهم بصوت عالي.
النهاية:
جلس حسام على الركبتين قدامي في الصالة، وحط وشه بين إيديه وقعد يبكي بحرقة وندم.
اعترف لي بأنه كان بيحاول يشتري حب أمه ورضاها وإرضاء غروره قدام أختها وزوجها على حسابنا، لأنه كان حاسس طول عمره إنه مقصر معاهم، فكان بيعوض ده باستنزاف بيته وولاده.
تغيرت حياتنا من اليوم ده 180 درجة.
حسام عمل حساب بنكي جديد، وربط المصروفات الأساسية لبيتنا بفيزا خاصة بيا، وبقت احتياجات بيتنا وولادنا هي الأولوية الأولى والأساسية. الغسالة الجديدة الفاخرة دخلت مطبخي في خلال أسبوع، والمرتبة الطبية الجديدة اتجلبت للبيت، والدواء النظيف والمواد الغذائية الكويسة بقت هي اللي بتيدخل بيتنا.
أم حسام عرفت إن ابنها بقى له بيت وزوجة حازمة وحسب بياخد باله منها، وبقت معاملات البر بتم بالعدل والواجب فقط دون بذخ أو جور على حسابنا.
رجعت كرامتي، ورأسي فضلت مرفوعة للسماء… اتعلمت واتعلم الجميع إن البر لا يعني الظلم، وأن البيت اللي بيتبنى على التضحية بالزوجة والأبناء بيموت بالبطء، وأن الوقفة الشجاعة ووضع الحدود الحاسمة هي السند الوحيد اللي بيحفظ كرامة البيت وحق ولادنا للأبد.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان والنية الصافية ربنا بينصر صاحبها في النهاية
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








