منوعات

رأيت ابنتي

عندما توقفت عند الإشارة الحمراء رأيت ابنتي تستعطي في الشارع تعد القطع النقدية وهي تحمل رضيعتها بين ذراعيها. سألتها أين السيارة والبيت اللذان اشتريناهما لك فأجابتني بأن زوجها وحماتها استوليا على السيارة وانتزعا منها كل مالها وطرداها من المنزل وهدداها بأن ينتزعا منها ابنتها أيضا. لم أقل سوى لا تقلقي أنا سأتكفل بهذا.
في ذلك المساء كنت أقود وحدي. كان الحر لا يطاق لكنني لم أشأ أن أستعين بسائق. أحيانا أحتاج إلى وقت منفرد كي لا تنفجر رأسي بما لا ينتهي من مشكلات البيت والعمل. عمري ستة وستون عاما ومع ذلك ما زلت أحب أن أقود بنفسي حين تكون المسافة قصيرة. كنت عائدا من المستشفى لا لأنني مصاب بمرض خطير بل كان فحصا روتينيا.

قال لي الطبيب إن ضغط دمي يرتفع حين أنفعل كثيرا. ومن الطبيعي أن يرتفع. حياتي في الآونة الأخيرة صارت سببا دائما للانفعال. توقفت عند إشارة في تقاطع واسع. الزحام كعادته والدراجات تتسلل من كل الجهات وأصوات أبواق السيارات لا تتوقف. نظرت إلى الساعة ثم رفعت بصري إلى الأمام فرأيت ما جعل صدري كأن ضربة قوية أصابته.
كانت امرأة نحيلة شعرها أشعث وملابسها متسخة بالية وقدماها حافيتان.

مقالات ذات صلة

وعلى صدرها حاملة أمامية تحمل فيها طفلا رضيعا. بدا الرضيع متحرقا من الحر وخداه محمرتان. كانت المرأة تمشي من سيارة إلى أخرى تمد يدها وتتلقى قطعا نقدية ثم تبدأ بعدها بسرعة. لم يكن عدا هادئا بل عد يائس كأن كل قطعة تحدد نجاتها.
لبرهة قلت في نفسي يا للأسف! ثم رأيت وجهها بوضوح أكثر حين انحنت. كانت صوفيا ابنتي. دون أن أفكر أنزلت زجاج النافذة. خرج صوتي قبل أن يستوعب عقلي ما يجري.
صوفيا
التفتت. اتسعت عيناها لكن ليس دهشة لرؤيتي بل خوفا. خوف من كمن يضبط في أكثر لحظة مهينة في حياته. رفعت يدها بسرعة لتغطي وجهها لكن الوقت كان قد فات. بقيت ثواني لا أتحرك أحدق فيها. رأيت عظام وجنتيها البارزة ورأيت يديها ترتجفان. ورأيت الرضيعة في الحاملة فالنتينا حفيدتي. كانت رأسها تستند بضعف بلا طاقة.
قلت بصوت حازم وأنا أفتح باب المقعد المجاور ادخلي بسرعة.

ترددت لحظة وهزت رأسها أبي ليس هنا أرجوك دعني
قاطعتها وخرج صوتي أقوى مما أردت ادخلي.
كانت الإشارة ما تزال حمراء وأبواق السيارات من خلفي بدأت تصرخ. فتحت صوفيا الباب أخيرا وجلست وهي تضم فالنتينا إلى جسدها. ما إن صارت داخل السيارة حتى أنزلت رأسها. كانت القطع المعدنية ما تزال في يدها وسمعت رنينها الخفيف كأنه سخرية معدنية. رفعت زجاج النافذة لأحجب ضجيج الخارج.
كان نفسي ثقيلا. سألتها بصوت منخفض لكنه ممتلئ

بالغضب والفزع معا صوفيا ماذا تفعلين
لم تجب فورا. كانت فقط تمسح وجه فالنتينا برفق. الرضيعة كانت تئن أنينا خافتا كأنها غير مرتاحة. ابتلعت ريقي محاولا ألا أنفجر لكن سؤالا كان يطرق رأسي بعنف سؤالا يجعل العالم كله يبدو عبثيا. نظرت إليها من طرف عيني وسألت
أين السيارة والبيت اللذان اشتريناهما لك

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى