قصص و روايات

قدام العيلة كلها، جوز بنتي قالها

من سنين… واحنا محافظين على عادة عمرها ما اتغيرت. كل يوم أحد… العيلة كلها بتتجمع عندي على الغدا. مفيش تكليف… ولا أكل فخم. مجرد سفرة كبيرة، وكلنا قاعدين حوالين بعض. نحكي اللي حصل معانا طول الأسبوع… نضحك… ناكل أكتر من اللازم… وأوقات نختلف، زي أي عيلة طبيعية. على الأقل… ده اللي كنت بحاول أقنع نفسي بيه. لكن خلال السنة اللي فاتت… بدأت آخد بالي من حاجات صغيرة في طريقة معاملة جوز بنتي، كريم، لسالي.

في الأول…
ماكانش بيعمل حاجة واضحة.
مجرد تعليق ساخر من وقت للتاني.
إفيه يستخبى ورا كلمة بهزر.
أو يلف عينه كل ما تتكلم.
أو يصححلها أبسط التفاصيل قدام الناس، كأنه مستني أي غلطة عشان يحرجها.
كل مرة كنت بشوف المشهد ده…
كان قلبي بيتقبض.
اتكلمت مع جوزي أكتر من مرة.
وفي كل مرة…
كان يرد بنفس الجملة.
دول متجوزين… وإحنا مالناش دعوة.
هيلمّوا مشاكلهم بنفسهم.
جزء مني…
كان عايز يصدق إنه عنده حق.
لكن الجزء التاني…
كان بيفضل يسألني سؤال واحد.
يا ترى ده طبيعي فعلًا؟
ولا بنتي پتتوجع كل يوم… وبتخبي ۏجعها بابتسامة؟
سالي ما كانتش زي الأول.
من يوم ما جابت بنتها، ليلى…
وحياتها كلها اتغيرت.
جسمها اتغير…
وثقتها في نفسها بقت أضعف.
وكنت شايفة إنها بتحاول بكل قوتها ترجع زي زمان…
لكن محدش كان بيديها فرصة تلتقط نفسها.
بعد ولادة ليلى…
دخلت سالي في اكتئاب ما بعد الولادة.
وكان قاسې عليها بشكل ما كنتش أتخيله.
وزي ستات كتير…
زاد وزنها بعد الولادة.
ومن ساعتها…
وهي بتحاول بكل قوتها ترجع تحب نفسها من تاني.
لكن في الفترة الأخيرة…
بدأت أحس إنها بتختفي قدام عيني.
مش من ناحية الشكل…
لأ.
من جواها.
بقت أهدى زيادة عن اللزوم.
كلامها قليل.
ثقتها بنفسها بتضعف يوم بعد يوم.
وكأنها بقت عايشة وهي خاېفة…
تقول كلمة غلط…
أو تعمل أي تصرف يضايق حد.
وكمّها…
كان قلبي بيتقطع وأنا بشوف بنتي بالحالة دي.
امبارح…
اتجمعنا كلنا على غدا يوم الأحد، زي عادتنا.
كريم…
وسالي…
والحفيدة الصغيرة ليلى…
وأنا…
وجوزي.
كنت قاضية نص اليوم في المطبخ…
علشان أعمل لسالي كيكة الشوكولاتة.
كانت أكتر حاجة بتحبها من وهي صغيرة.
الغدا عدى بهدوء.
أو على الأقل…
أنا كنت فاكرة كده.
أول ما حطيت الكيكة على السفرة…
وشفت عينيها لمعت وهي بتبتسم…
مدت إيدها تمسك سکينة التقديم علشان تقطع لنفسها حتة.
وفجأة…
كريم مد إيده بسرعة.
وضړب إيدها قدامنا كلنا ضړبة خلت صوتها يرن في المكان.
وقال وهو بيضحك بصوت عالي
إيه يا كُرة الزبدة… على فين؟
وبص للكيكة، وبعدين رجعلها وقال بسخرية
إنتِ مش محتاجة السعرات الفاضية دي.
أنا بس بخاف على صحتك.
في ثانية…
السفرة كلها سكتت.
الصمت كان تقيل…
لدرجة إن صوت نفسنا كان مسموع.
سالي اتجمدت مكانها.
بصت لإيدها اللي اتضربت…
وبعدين سحبتها بهدوء، وحطتها في حضنها.
كأنها هي اللي غلطت.
في اللحظة دي…
حسيت إن قلبي اتكسر.
مفيش ست في الدنيا…
تستحق إن جوزها ېهينها بالشكل ده، قدام أهلها وبنته.
بصيت ناحية ليلى.
كانت قاعدة تبص لأبوها وأمها بعينيها الصغيرة…
مش فاهمة ليه ماما فجأة بقت مکسورة بالشكل ده.
أما جوزي…
فكان ضاغط على سنانه پعنف، لدرجة إني افتكرت إنه هيكسرها من كتر الڠضب.
لكن كريم…
ولا كأنه عمل حاجة.
كان باصص حوالين السفرة…
مستني حد يضحك معاه.
واثق تمامًا إن اللي قاله مجرد هزار خفيف.
لكن أنا…
في اللحظة دي بالذات…
أدركت إن دي ما كانتش نكتة.
دي كانت أول مرة…
الإهانة اللي بنتي عايشاها كل يوم…
تتقال بصوت عالي قدام الكل.
وده كان معناه…
إن دي مش أول مرة.
دي كانت طريقته معاها من زمان.
والدليل…
السرعة اللي سالي سكتت بيها.
ما دافعتش عن نفسها…
ما اعترضتش…
ولا حتى بصتله پغضب.
سحبت إيدها…
وخفضت عينيها.
كأنها اتعودت.
كأن الإهانة بقت جزء من يومها.
وفي اللحظة دي…
عرفت إن اللي بيحصل قدامي مش مجرد تعليق سخيف.
ده أسلوب حياة.
أسلوب راجل متعود يقلل من مراته…
لحد ما يخليها تصدق إنها فعلًا أقل مما تستحق.
لكن كريم…
ماكانش عنده أي فكرة…
إن عالمه الهادئ، المبني على السخرية والإهانة المقنعة في شكل هزار…
هيبدأ ينهار من اللحظة دي.
أنا…
ما صرختش.
وما طردتوش من بيتي.
ولا حتى رفعت صوتي.
حطيت الشوكة على السفرة بمنتهى الهدوء.
وبصيتله في عينيه من غير ما أرمش.
وبعدين…
سألته سؤال واحد بس.
قولي يا كريم…
إنت لو بنتك كبرت يوم من الأيام… وجوزها ضړب إيدها قدام الناس، وقال لها يا فيلة… هتعتبرها نكتة برضه؟
الابتسامة اللي كانت على وش كريم اختفت للحظة…
لكن رجعت بسرعة.
ضحك وهو هز كتفه وقال
يا طنط… هو إحنا بقينا نزعل من الهزار؟ أنا بهزر مع مراتي.
بصيت ناحية سالي.
كانت مطأطية راسها.
ولا نطقت بحرف.
ولا حتى حاولت تدافع عنه.
وده كان أكبر رد في الدنيا.
قلت بهدوء
تمام.
يبقى هسألك سؤال تاني.
اتعدل في قعدته، وقال بثقة
اتفضلي.
لفيت ناحية حفيدتي ليلى، اللي كانت قاعدة تبص بينا كلنا بعيونها البريئة.
وسألت
لو بعد عشرين سنة… ليلى دي كبرت، واتجوزت واحد بيكلمها بنفس طريقتك… هتكون مبسوط؟
اتكلم بسرعة
طبعًا لأ.
ليه؟
لأنها بنتي.
هزيت راسي بهدوء.
وسالي… بنتي أنا.
الصمت رجع يسيطر على السفرة.
لكن المرة دي…
كان صمت تقيل.
كريم حاول يضحك تاني.
إنتوا مكبرين الموضوع.
قلت
ممكن.
بس خلينا نسأل صاحبة الموضوع.
بصيت لسالي.
بصيلي يا حبيبتي.
رفعت عينيها بالعافية.
كانت دموعها محپوسة.
قولي الحقيقة.
آخر مرة أكلتي فيها اللي نفسك فيه… من غير ما تخافي من تعليق كريم… كانت إمتى؟
سكتت.

مقالات ذات صلة
السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى