قصص و روايات

حماتي كتبت علي الحيطة

حماتي كتبت عبارات مسيئة بطلاء رش أحمر على باب البيت الجديد اللي بنيته لأمي من فلوس مكافأة نهاية خدمتي، وبعدها بأيام قليلة طلعت الورق الرسمي اللي يقدر يطردها من الشقة اللي عايشة فيها.

 

كلمات الإهانة كانت بتسيل باللون الأحمر على الباب الصاج الجديد بتاع بيت أمي لما وصلت قبل الساعة 7 الصبح. وتحتها، حد كتب بخط إيد: ”رجّعي فلوس ابني”. أمي كانت قاعدة على كرسي بلاستيك في الصالة، إيديها متكتفة على المريلة، والريحة مالية الشارع والحيطان، والجيران عاملين نفسهم مش باصين.

قبلها بيومين بس، كنت فاكرة إنه بعد 30 سنة شغل في شركة توزيع في القاهرة، من حقي أتصرف في فلوس تعبي من غير ما أستأذن حد. مكافأة نهاية الخدمة وفضل معاشي كانوا عاملين حوالي 2,400,000 جنيه. ومن سنين طويلة كنت واعدة أمي إنها لما تطلع، هاخد 1,450,000 جنيه وأبني لها بيت صغير ومستور في قطعة أرض عندها قريبة من طنطا.

أمي ربتني لوحدها وكانت بتبيع خضار في السوق عشان تكبرني. وطول 25 سنة جواز، وأنا ماشية مع حماتي وحمايا في مستشفيات وعيادات، وبدفع ثمن الأدوية وبساعد أسر أخوات جوزي لما يقعوا في ضيقة.. أمي اتعلمت ما تطلبش مني حاجة ولا حتى في الإجازات.

الليلة اللي استلمت فيها المبلغ، قلت لجوزي “محمود”: — أنا هبني البيت لأمي يا محمود، ويفضل مبلغ محترم لينا ولابننا أحمد.

محمود هز رأسه وقال: — دي فلوسك يا إلهام، أنتي اللي تعبتي فيها.

عشان كده افتكرت إن أهله هيفهموا.

تاني يوم، حكيت لحماتي “الحاجة هدى”: — هتصرفي كام يا إلهام؟ — 1,450,000 جنيه.

إيدها ثبتت على فنجان الشاي: — طالما فلوسك، اعملي اللي أنتي عايزاه. ابتسمت، بس عينيها ما كانتش بتضحك خالص.

بعد شهرين، كانت المحارة والشغل قربوا يخلصوا. وفي الليلة اللي قبل ما نسلم أمي مفتاح البيت، الحاجة هدى اتصلت بيا: — أنا عايزة أعرف الفلوس دي بتاعة مين بالظبط؟ — دي مكافأة شغلي ومعاشي يا حاجة. — لو ابني ما كانش شايل البيت ومريحك، ما كنتيش عرفتي تشتغلي 30 سنة. — أنا ومحمود كافحنا سوا يا حاجة، وأنا اللي ربيت أحمد وكنت شايلة خدمات بيتك كمان. — مفيش واحدة متجوزة تطلع أكتر من مليون جنيه لأمها وكأن ما ورائهاش بيت وحماة. وراحت قافلة السكة في وشي.

محمود قال لي: — كبري دماغك، بكرة تروق.

بس هي ما راقتش.

لما وصلنا البلد الصبح، جارتنا جرت عليا:

— الحقيني يا إلهام، ما تخليش أمك تخرج تشوف الباب تاني، ضغطها علي فجأة.

بصيت على الكلام الأحمر: — حد شاف مين اللي عمل كده؟ — على الساعة 4 الصبح شفت ست كبيرة بطرحة سوداء وطاقية نازلة جري ناحية الشارع العمومي.

صاحب السوبر ماركت طلع تليفونه:

— الكاميرا عندي جابتها وهي بتطلع الرش.

على الشاشة ظهرت ست وماشية بتميل على كتفها اليمين وبتجر رجلها الشمال شوية.

المشية دي أنا حافظاها كويس جداً.

محمود وشه اصفر: — دي أمي!

اتصلت بالحاجة هدى في ساعتها: — شفتي اللي بيجرى؟ —ردت ببرود. — أنتي اللي عملتي كده يا حاجة؟ — أيوه، عشان الكل يعرف إنك بتاخدي خير ابني. — دي فلوس تعبي!

— فلوسك جات لأن ابني هو اللي عمل لك قيمة وسابك تشتغلي، وفي الآخر بتبدي أمك علينا؟

أمي خرجت الصالة في نفس اللحظة اللي الحاجة هدى كانت بتزعق في التليفون: — بعد كل اللي عملناه عشانك!

شفت أمي حاطة إيدها على قلبها ومشبكة صوابعها.

محمود مسك إيدي: — يلا نمشي يا إلهام، نلغي العزومة ونحكي لما أمي تهدى.

شدّيت إيدي منه: — مش هتحرك من هنا، أمي استنت اليوم ده 30 سنة.

العزومة تمت، والجيران جابوا الأكل والفاكهة وكملوا معانا. أمي كانت بتضحك عشان ما تقلقش حد، بس شفتها بتدمع من ورا باب المطبخ.

وأنا راجعة القاهرة، تليفون محمود ما بطلش زن. في جروب العيلة، أخواته البنات كانوا مشيرين صورة الباب. “فضحتونا، واحدة بتستولى على حقوق جوزها عشان تعمل لأهلها!” “أمي عندها حق تثبت حق أخونا.”

بصيت لمحمود: — قولهم الحقيقة. — مش وقتها يا إلهام، هما مشدودين دلوقتي.

في اللحظة دي، في حاجة جوايا انطفت تماماً.

بالليل، بعد ما نام، دخلت غرفتي وفتحت الخزنة، طلعت منها عقد شقة المقطم اللي عايشة فيها حماتي وحمايا، وكشوفات حسابات البنك من 14 سنة، وأجندة كاتبة فيها كل قرش دفعته للعيلة دي.

عقد الشقة كان باسمين: محمود كمال وإلهام فاروق.

والأقساط كلها كانت بتتخصم شهرياً من مرتبي أنا وبشيكات باسمي.

مسكت التليفون، اتصلت بالمحامية اللي كانت ماسكة لي قضايا الشركة زمان، وفتحت المظروف التاني..

كان فيه المستند اللي الحاجة هدى عمرها ما تخيلت إني لسه شايلاه، والورقة دي بالذات كفيلة تطردها من الشقة وتغير كل حاجة. المظروف التاني كان فيه تنازل رسمي وموثق في الشهر العقاري من محمود ليا عن حصته النص في الشقة مقابل سداد ديون قديمة عليه للشركة، غير إقرار منه بإني المالكة الوحيدة للعقار. يعني الشقة شقتي قانوناً ورسمياً بنسبة 100%، والحاجة هدى عايشة فيها بفضلي أنا، مش بفضل ابنها.

أول ما الشمس طلعت، كنت قاعدة في مكتب الأستاذة ميرفت المحامية. حطيت قدامها العقد والتنازل وكشوف الحسابات ورش الطلاء اللي صورته فيديو وصور كاميرات المراقبة بتاعة المحل.

ميرفت بصت لي وابتسمت ابتسامة خفيفة: — “كده إحنا معانا كارت إخلاء مباشر للشقة، وغير كده ممكن نعمل لها محضر إتلاف ملكية وتشيهر بكاميرات المراقبة والشهود.. تحبي نبتدي بإيه؟”

قلت لها بصوت هادي جداً بس طالع من غل 30 سنة: — “نبتدي بالاتنين سوا.. إنذار بالطرد خلال 15 يوم، وبلاغ رسمي في النيابة بإتلاف ممتلكات وتشيهر.”

رجعت البيت، محمود كان قاعد على السفارة ووشه مشنوق. أول ما شافني قال بصوت واطي:

— “كنتي فين يا إلهام؟ أمي اتصلت بيا الصبح بدري وزعلانة، وأخواتي عمالين يكتبوا على النت كلام مش حلو.. تعالي نروح لها ونتأسف عشان نلم الموضوع.”

بصيت له بمنتهى البرود، وطلعت من شنطتي صورة الإنذار وصورة ورق الشهر العقاري وحطيتهم قدامه على الترابيزة.

— “تتأسف لمين يا محمود؟ للست اللي راحت الساعة 4 الصبح ترش بويّة على بيت أمي؟ ولا لأخواتك اللي بياكلوا ويناموا من خيري؟ اتفضل اقرأ الورق ده.”

محمود مسك الورق، وعينيه بدأت تتسع بذهول، إيده كانت بظرفياً بترتعش وهو بيقرا التنازل ورقم المحضر اللي اترفع ضد أمه. — “إلهام! أنتي اتجننتي؟ ده عقد الشقة! أمي وأبويا عايشين فيها! عايزة ترمي أمي في الشارع وهي في السن ده؟” — “زي ما هي ما خافتش على أمي اللي ضغطها عليّ وكان ممكن يجيلها جلطة بسبب حركتها الرخيصة.. أنا كمان مش هخاف عليها. أمامك 24 ساعة، يا إما تطلع تقول للحاجة هدى وأخواتك الحقيقة قدام العيلة كلها وينزلوا يمسحوا الباب بيديهم ويطلبوا السماح من أمي.. يا إما المحضر هيتحرك والإنذار هيتوصل لها بكره الصبح مع المحضر.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى