قصص و روايات

وعد الصعيد

عاصم مالتفتش، بس صوت مسبحته وقف. رد بصوت ناشف زي الحجر:
عاصم كان بيستناكي يا مايان.. كان مستني إنك متخليش الكداب ده ينام الليلة وهو حاسس إنه كسرني فيكي.
مايان قربت وقعدت على طرف الكرسي اللي جنبه، كانت بتترعش بس عينيها كانت ثابتة المرادي:
رعد مكذبش في حاجة واحدة.. هو فعلاً أذاني.. بس كذب في الباقي.
عاصم لف وشه ليها فجأة، عيونه كانت حمرا من السهر والوجع:
يعني إيه أذاكي؟ انطقي يا بت الناس.. رعد عمل فيكي إيه؟
مايان غمضت عينيها، ودمعة سخنة نزلت حفرت طريق على خدها:
بعد الفرح.. لما روحت معاهم عشان أغير هدومي.. رعد قفل عليا الباب وظلمني.. صرخت، استنجدت، بس مكنش فيه حد.. رعد خد مني أماني يا عاصم.. ضربته على دماغه وهربت منه وهو بيجري ورايا عشان يكسر فيا أكتر.. أنا جيتلك وأنا مكسورة، جيتلك وأنا حاسة إني تايهة في الدنيا.
الكلمات نزلت على عاصم زي الصاعقة. قام وقف فجأة، الكرسي وقع وراه، ملامحه اتحولت لشيء صارم، العروق في رقبته برزت وصدره بقى بيطلع وينزل زي البركان.
مايان كملت بانهيار:
كنت عايزة أقولك.. والله كنت عايزة، بس كنت بخاف من اللحظة دي.. كنت بخاف أشوف في عينك إني رخيصة.. أنا مش ذنبي يا عاصم، والله ما ذنبي!
عاصم ملمسهاش، ولا نطق بكلمة حنية واحدة زي ما كانت متوقعة. سابها واقفة بتبكي، ومشي بخطوات سريعة، وخرج من الدوار وهو بيصرخ في رجاله:
يا هوارية!! النهاردة مفيش صلح.. النهاردة حقنا هيتخذ بالقانون والرجال!
مايان وقعت على الأرض بتصرخ، كانت فاكرة إنه هيحضنها، بس عاصم الصعيدي، الكبير اللي جواه غلب العاشق. خرج ومبصش وراه، وهي فضلت في مكانها، حاسة إنها خسرت كل حاجة.. خسرت نفسها، وخسرت الراجل الوحيد اللي حست معاه بالأمان.
عاصم راح للجهات المختصة ومعاه رجالة البلد، وجاب حقه وحقها بالقانون وأمام كبار البلد، وتم تسليم رعد للعدالة بعد ما ظهرت كل أعماله وتجاوزاته، وانتهى ظلمه تماماً.
رجوع عاصم الدوار كان أصعب من خروجه. دخل ولقى مايان قاعدة مكانها زي ما سابها. بص لها نظرة وجعت قلبها.. نظرة فيها حب ومطرحه وجع كبير.
حقك جه يا مايان..
قالتله وهي بتمسح دموعها بكسرة:
وحقي عندك يا عاصم؟
بص لها بجمود وقال:
إنتِ في حمايا يا بنت الناس، وهتفضلي هنا معززة مكرمة.. بس اللي انكسر بيني وبينك محتاج وقفة.. قومي ادخلي أوضتك، والصبح هو اللي هيقرر طريقنا فين. أسبوع كامل مرّ وكأن الدوار اتقلب لمقبرة، عاصم اللي كان جبل بيحميها، بقى هو الجبل اللي كاتم على نفسها. الجفا في الصعيد ملوش صوت، بس ليه نغزة في القلب.
كانت مايان بتتحرك في الدار زي الخيال، كل ما تحاول تقرب خطوة، تلاقي منه صدة تخليها ترجع عشرة. في يوم نزلت وراه المندرة، شايلة القهوة اللي كانت بتعملها بيديها وتشوف في عينه لمعة الرضا، بس المرة دي، أول ما دخلت، عاصم محركش عينه من على الورق اللي قدامه، وقال بنبرة خشنة ومن غير ما يبصلها: سيبيها عندك يا بت الناس، وخلي سعدية هي اللي تعاود تاخد الفنجان.. مش عايز أشغل وقتك بخدمتي واصل.
مايان وقفت والدمعة فرت من عينها: إنت مابقتش تطيق تبص في وشي يا عاصم؟ أنا ذنبي إيه في اللي حصل؟.
عاصم قام وقف فجأة، وشه كان محقون بالوجع والغضب، وصوته طلع مبحوح كأنه بيطلع من تحت الأنقاض: ذنبي وذنبك إننا اتقابلنا والوجع تالتنا! كل ما أبص في وشك بفتكر اللي حصل.. إنتِ ضحية يا مايان، بس أنا صعيدي، والصعيدي لو لقى في أرضه جرح، مبيعرفش يرويه بسهولة بقلب صافي!.
طول الأسبوع كان بيلف من طريق لو شافها ماشية فيه، ولو قعدت على سفرة، يسيب أكله ويقوم بحجة إنه شبعان. حتى الشال اللي كان بيدفيها بيه، بقى يرميه على الكرسي لو لمسته يدها غصب عنها، كأنه بيخاف من عدوى الوجع اللي ساكنها لحد اليوم اللي عاصم كان قاعد في المندرة والظلمة واكلة نص وشه. دخلت مايان بخطوات زي الهمس، مكنتش محتاجة تحكي، وشنطتها اللي في يدها كانت هي الحكاية كلها لكن خرج صوتها ببطئ: أنا مسافرة يا عاصم أشوف وشك بخير وشكرا على كل حاجة عملتهالي ورجعت لي حقي وقفت قدامه والمسافة بينهم كانت كأنها بلاد.
بصت له بصه طويلة، كانت عايزة تلمح في عينه أي رجاء، أي حركة تقولها خليكي. لكن عاصم فضل زي التمثال، عينه مثبتة على السجادة اللي تحت رجله، وإيده ضاغطة على طرف الكرسي بقوة خلت الخشب يزيق. الصمت كان تقيل، لدرجة إن نهج صدورهم كان مسموع.
مايان حطت مفتاح أوضتها على التربيزة اللي جنبه، الرنة بتاعة المفتاح كانت كأنها حكم إعدام في ودن عاصم. هو مغمضش عينه، ولا اتحرك، بس ملامحه اتشنجت وكأنه بيبلع جمرة نار.
مايان لفت ضهرها ومشت ناحية الباب، وفي كل خطوة كانت بتستنى إيده تمسك كفتها، أو صوته ينادي اسمها. لكن عاصم فضل مكانه، صامت صمت القبور.. صمت صعيدي مبيعرفش يسامح الوجع، حتى لو كان بيعشق صاحبه.
أول ما رجليها خطت عتبة الدار، عاصم غمض عينه بقوة، ونزلت دمعة واحدة وحيدة، تاهت وسط تجاعيد وشه الناشفة. مايا خالد بيدج قصص الحياة
الصبح طلع، والبيوت كانت لسه نايمة لما وصلها للمحطة. مشي وراها بمسافة، شايل شنطتها بجمود. القطر صفر، ووقف بضجيجه اللي غطى على أنفاسهم المخنوقة. حط الشنطة على الرصيف، وبص في الفراغ.. مايان طلعت القطر، وقعدت ورا الشباك، بصلته بصه أخيرة وهي بتمسح دموعها، وهو فضل واقف زي النخلة، رافع راسه للسما، وإيده في جيبه ضاغطة على منديل كانت هي سيباه في المندرة.
القطر تحرك، وعاصم ملوحش بيده، ولا نطق بكلمة.. فضل واقف مكانه لحد ما القطر بقى نقطة في الأفق، ولف ضهره ورجع للدوار اللي مابقاش فيه غير ريحة وجعهم.
دخل عاصم الدوار والسكوت فيه بقى ليه صدى، كأن الحيطان نفسها بتلومه. رمى شاله على الكنبة وقعد، حاطط راسه بين يديه، والدار اللي كانت بتشيل مية راجل، بقت في عينه أضيق من خرم الإبرة.
أبوه الحاج هواري كان قاعد في ركن المندرة، بيراقب ابنه من تحت لتحت، وكأنه شايف جبل بينهار قدامه. الحاجة آمنة دخلت بقلب الأم المحروق، بصت لمكان مايان الفاضي وقعدت قدام عاصم ونطقت بصوت كله عتاب:
هانت عليك يا ولدي؟ هانت عليك العصفورة اللي لقت في دارك الأمان، تطردها في وش الفجر وكأنها عملت مِعيرة؟

تابع المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى