
ابتسم وقال
فاكرة الأرض الصغيرة اللي اشتريناها من خمس سنين، وقلنا لما الظروف
تتحسن هنبني عليها؟
هزيت راسي بسرعة.
أيوه… بس إحنا أجلنا الموضوع.
رد وهو يخرج ملفًا أزرق من الصندوق.
ما أجلناهوش… أنا كنت شغال عليه في السر.
فتحت الملف.
كانت فيه رسومات هندسية كاملة، وتصاريح، وصور لمراحل التنفيذ.
ومع كل صفحة كنت بقلبها… كانت بتكبر.
لحد ما وصلت لآخر صورة.
شهقت، وحطيت إيدي على بقي.
لأن البيت… كان شبه مكتمل بالفعل.
لكن قبل ما أستوعب كل التفاصيل، قال شريف بابتسامة هادئة
لسه فاضل تشوفيه بعينك… وساعتها هتعرفي ليه كنت مصر إن الليلة دي تفضل محفورة في ذاكرتنا طول العمر خرج شريف من الغرفة وهو ماسك إيدي، وكأنه مستعجل يوصلني قبل ما الليل يخلص.
ركبنا العربية القديمة، لكنه المرة دي مد إيده وناولني المفتاح الصغير.
وقال
إنتِ اللي هتفتحي الباب.
سألته وأنا بضحك
وإنت هتفضل مخليني أفتح أبواب لحد الصبح؟
ضحك وقال
آخر باب… أوعدك.
اتحركنا في طريق هادي، والساعة كانت قرب منتصف الليل.
بعد حوالي نصف ساعة، وقفنا قدام بوابة حديد كبيرة.
مكان هادي، حواليه أشجار، وأنواره خافتة.
بصيت لشريف.
قال بهدوء
انزلي.
نزلت من العربية، ولسه مستغربة.
قربنا من البوابة، وكان فيها قفل جديد.
حطيت المفتاح فيه.
لفيته…
واتفتح الباب ببطء.
دخلنا.
كان قدامنا ممر طويل مزروع ورد أبيض على الجانبين، وفي آخره بيت جميل، أنواره كلها منورة.
وقفت مكاني وأنا مش قادرة أتكلم.
همست
هو… ده؟
هز رأسه.
أيوه.
بدأنا نمشي ناحية البيت.
كل خطوة كنت باخدها كانت بتخليني أحس إني بحلم.
وصلنا للباب الرئيسي.
وفوق الباب كانت لافتة خشب صغيرة.
مكتوب عليها
بيت الوعد.
دخلنا.
ريحة الخشب الجديد كانت مالية المكان.
الصالة واسعة، والمطبخ مفتوح، وكل حاجة متشطبة بذوق بسيط… بالظبط زي ما كنت برسم في كراسة صغيرة من سنين.
بصيتله بدهشة.
إنت شفت الرسومات دي؟
ابتسم.
مش شوفتها… أنا صورتها.
اتسعت عيني.
إيه؟
قال وهو يفتح درجًا في المكتبة.
طلع منه الكراسة القديمة اللي كنت فاكرة إنها ضاعت وقت نقلنا من شقتنا الأولى.
قلب صفحاتها.
كل صفحة فيها حلم كتبته بخط إيدي.
ركنة القراءة.
المطبخ الأبيض.
الشباك الكبير المطل على الجنينة.
حتى مكان الأرجوحة اللي كنت بقول نفسي أقعد عليها وأنا بشرب القهوة.
قال بهدوء
ولا حلم منهم كان صغير بالنسبة
-
بعد ما جوزي سافرمنذ ساعتين
-
نهاية الطمعمنذ 23 ساعة
-
كنا مشغلين ماتش لكاس العالممنذ 24 ساعة
-
مكالمة غريبةمنذ 24 ساعة
لي.
دموعي نزلت من غير ما أحاول أمنعها.
وفجأة…
سمعنا صوت ساعة الحائط تدق.
اثنتا عشرة دقة.
بص شريف في ساعته، ثم ابتسم وقال
كل سنة وإنتِ شريكة عمري.
ابتسمت وأنا رديت
وإنت طيب يا أحلى مفاجأة في حياتي.
وفي
اللحظة دي، بدأت الألعاب النارية تنور السما من برا، وانعكس نورها على شباك البيت.
وقفنا جنب بعض نتفرج عليها في صمت.
كان صمت مليان امتنان… بعد رحلة بدأت بمفاجأة على متن طائرة، وانتهت عند باب بيت اتبنى على وعد اتكتب من 12 سنة، واتحقق خطوة بخطوة، من غير ما واحد فيهم يفقد ثقته في التاني بعد ما خلصت الألعاب النارية، فضلنا واقفين في البلكونة، وكل واحد فينا ساكت.
الصمت المرة دي كان مريح.
بصيت لشريف وقلت بابتسامة
عارف؟ أنا كنت داخلة الطيارة وأنا متأكدة إني أنا اللي هفاجئك.
ضحك وقال
وأنا من أول ما شفت اسمك في كشف الركاب، عرفت إن لازم أغيّر الخطة كلها.
هززت راسي.
يبقى كنت بتمثل طول الرحلة؟
قال وهو يضحك
بصراحة… أصعب حاجة بالنسبة لطيار إنه يفضل مركز في الرحلة، وفي نفس الوقت نفسه يبص كل شوية على زوجته اللي قاعدة في الصف 14C.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
دخلنا البيت تاني، ولاحظت إن في أوضة مقفولة في آخر الممر.
بابها كان مختلف عن باقي الأبواب.
قلت
دي إيه؟
ابتسم وقال
دي أوضة لسه مفتحناهاش.
بصيتله باستغراب.
هو إنت مخبيلي مفاجآت بعدد أوض البيت؟
قال وهو يناولني آخر مفتاح كان معاه
دي آخر واحدة فعلًا.
قربت من الباب، وفتحته.
كانت مكتبة صغيرة، فيها رفوف مليانة كتب، وركنة قراءة، ومكتب خشب بسيط.
لكن اللي شد انتباهي أكتر…
صورة كبيرة متعلقة على الحائط.
صورتنا يوم كتب الكتاب.
وتحتها لوحة مكتوب عليها بخط جميل
البيت مش بيتبني بالطوب… البيت بيتبني بالمودة.
لفيت أبص لشريف.
قال
كل ما كنت أسافر، كنت برجع أحط حاجة في البيت ده. كتاب، صورة، قطعة أثاث… كنت ببنيه وإحنا لسه ساكنين في شقتنا القديمة، عشان لما يجي اليوم ده، تحسي إن كل ركن فيه جزء من عمرنا.
قعدنا على الأريكة الصغيرة.
وبدأنا نفتح صندوقًا آخر كان في المكتبة.
الصندوق كان مليان صور مطبوعة.
كل صورة وراها تاريخ، وتعليق بخط شريف.
صورة لأول أكلة عملتها وحَرَقْتها، وكتب وراها
طعمها كان أجمل من أي أكلة في مطعم، لأنها كانت معمولة بحب.
وصورة لأول عربية اشتريناها، وكتب
مكنتش فخمة… لكنها كانت شاهدة على بداية الطريق.
وصورة لأول رحلة بعد الجواز.
ولما وصلنا لآخر صورة…
كانت صورة من كاميرات المطار.
أنا واقفة ورا العمود، مستخبّية،
وببص عليه وهو واقف مع مساعده قبل الرحلة.
ضحكت بصوت عالي.
إنت كنت شايفني!
ضحك وقال
شايفك من أول ما دخلتي الصالة… لكن قلت أسيبك تكملي المفاجأة اللي تعبتي فيها.
ضربته بخفة في كتفه وأنا بضحك.
يعني كنت بستخبى على الفاضي!
رد بابتسامة
أبدًا… كنتِ أحلى مفاجأة شفتها في عيد جوازنا.
ثم مد إيده، مسك إيدي، وقال
وعد جديد؟
ابتسمت وسألته
إيه هو؟
قال
مهما زادت المسؤوليات، ومهما أخدنا الشغل، نفضل كل سنة نعمل ذكرى جديدة… مش لازم تكون كبيرة، المهم نعيشها مع بعض.
شددت على إيده، وقلت
وعد.








