عام

مراتي كانت بتبيع لبن وجبنة

الشنط مرصوصة جنبها، ولبس العيال متلمّع على السىرير، وكل حاجة كانت بتقول “أخيرًا هنرتاح”.

لكن صوت أمي كان لسه بيرن في وداني زي المطرقة… وصوت تعب ناهد سنين كان أعلى بكتير.

سكت لحظة… لحظة واحدة بس حسيت فيها إن الزمن وقف.

ناهد قامت عليّ بخوف وقالت:

“مالك يا محمود؟ في إيه؟… الشقة حصل فيها حاجة؟”

بلعت ريقي بصعوبة، وحسيت إني لأول مرة مش قادر أرفع عيني فيها.

أمي كانت واقفة ورايا، تبصلي بنظرة اللي “خلصت المهمة”، مستنية الكلمة اللي هتقرر كل حاجة.

اتكلمت بصوت مكىسور:

“يا ناهد… أنا… أنا محتاج أقولك حاجة…”

قربت مني خطوة، وقالت بهدوء مرعب:

“قول يا محمود… أي حاجة هنعدّيها مع بعض، زي كل مرة.”

ساعتها حسيت إني بين نارين… بس الحقيقة مرة ومفيهاش حل وسط.

لفّيت ناحيتها وقلت:

“الشقة… أمي عايزة تديها لأحمد.”

سكتت.

مش صرخت… مش عيطت… بس ملامحها اتجمدت كأنها اتضربت في قلبها.

وبعدين بصتلي وقالت بصوت واطي جدًا:

“يعني إيه؟… سنين التعب دي كلها راحت؟”

حاولت أتكلم، لقيت لساني مربوط.

أمي دخلت في الكلام بسرعة:

“يا بنتي افهمي… ده أخوه الصغير، وعايزين نستر عليه… وإنتوا مستورين الحمد لله.”

ناهد بصت لأمي… نظرة طويلة، تقيلة… وبعدين رجعت بصتلي أنا.

وقالت جملة واحدة بس، كسرتني أكتر من أي حاجة:

“وأنا؟ أنا كنت مين في القصة دي؟”

سكت البيت كله.

العيال خرجوا من الأوضة مستغربين الهدوء، وكأن حتى هم حسّوا إن في حاجة بتنهار.

ناهد خدت شنطة واحدة من اللي كانت مجهزاه، قفلتها ببطء، وقالت:

“أنا مش زعلانة على الشىقة… أنا زعلانة على السنين اللي صدّقت فيها إن تعبي هيكون له مكان.”

قربت مني، وبصتلي في عيني مباشرة:

“قولها يا محمود… قول إنك هتختار تعبك ولا دمك.”

وقتها… لأول مرة في حياتي، حسيت إن مفيش قرار صح،

بس في قرار واحد هيحدد أنا راجل ولا مجرد تابع.

وسكت البيت كله… مستني كلمتي الأخيرة…وقفت مكاني… وكأن الأرض اتشالت من تحتي.

أمي بصّتلي بإصرار:

“ما تتأخرش يا محمود… قول كلمتك.”

وناهد واقفة قدامي، ساكتة… بس صمتها كان بيصرخ أكتر من أي صوت.

العيال واقفين في الركن، مش فاهمين ليه بابا وماما بيتكلموا كأنهم غرب.

خدت نفس طويل، وقلبي بينهار من جوه.

وبعدين قلت بصوت تقيل:

“يا أمي… أنا مش ضد أخويا… ولا عمري هكون قاسي عليه…”

عيون أمي لمعت بسرعة، كأنها كسبت.

بس كملت جملتي:

“بس الشقة دي مش هتتاخد… لأنها مش ورق ولا جدران… دي عمري أنا ومراتي.”

سكت لحظة، وبصيت لأحمد اللي كان لسه داخل من الباب وواقف مذهول.

وقلت له:

“يا أحمد… أنا سافرت مكانك، ودفعت تمنك، وشقيت سنين عشان أبني بيتي… مش عشان أرجع ألاقيه اتهدى.”

أحمد فتح بُقه:

“يا محمود أنا ما طلبتش منك حاجة…”

رديت عليه بسرعة:

“وأنا عارف… بس اللي بيحصل دلوقتي مش طلب… ده ضغط باسم الأم.”

أمي صرخت:

“يعني هتكىسّر كلمتي قدام الناس؟!”

ساعتها بصيت لها، وده كان أصعب لحظة في حياتي:

“الكلمة اللي تكسر بيت ابني ومراتي… مش لازم تتسمّى كلمة.”

الهدوء اللي بعد الجملة دي كان مرعب.

ناهد دموعها نزلت لأول مرة، بس مش دموع ضعف… دموع ارتياح ممزوجة بوجع.

قربت مني وقالت بهدوء:

“أنا عمري ما طلبت حاجة لنفسي… بس المرة دي… هطلب.”

بصيت لها.

قالت:

“يا محمود… يا نعيش في بيتنا اللي تعبنا فيه سوا… يا كل واحد يكمّل طريقه لوحده… لأن أنا مش هقدر أعيش عمري كله حاسّة إن تعبي ممكن يتسحب مني في لحظة.”

سكتت.

وأمي واقفة بتترعش من الغضب.

وأخويا بين الاتنين، تايه.

وفي اللحظة دي… أخدت القرار.

قربت من شنطة ناهد اللي كانت على الأرض، وشلتها بإيدي، ووقفت قدام أمي وقلت بهدوء ثابت لأول مرة:

“الشىقة دي مش هتتاخد.”

أمي اتجمدت.

كملت:

تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى