عام

وانا بغسل

وأنا بغسل الميت لفت نظري رقبته.. رقبته كانت أطول من الطبيعي مش رقبة بني آدم.
وقتها حسيت بقشعريرة وقلت أكيد وراه سر كبير.
سكت وما علقتش لأن الغسل عبادة ومش وقت استغراب ولا كلام لكن عيني كانت كل شوية ترجع لنفس المكان وكل مرة أحرك جسمه علشان أكمل الغسل رقبته تطول أكتر.
أنا ما كنتش أعرف عن الميت ده حاجة لا اسمه ولا عمله ولا قصته غير إنه والد إمام مسجد وكل اللي أعرفه إن ربنا سبحانه وتعالى كرم بني آدم حي وميت ولازم أعمل اللي علي.
القصة بدأت قبلها بساعات اتصال جالي في وقت متأخر من الليل واحد بيكلمني بصوت تعبان وقال لي:
يا شيخ محتاجك تيجي تغسل أبويا انتقل إلى رحمة الله.
قلت له من غير تفكير: إزاي؟ إنت إمام مسجد وما تغسلش أبوك ليه؟
قال لي برجاء واضح: أرجوك يا شيخ تعالى.
وافقت وطلعت وما كنتش أعرف إني داخل على قصة عمرها سنين طويلة.
وصلنا لمنطقة صعبة طرق ضيقة وأماكن قديمة شوارع ما تدخلهاش عربيات بسهولة دخلنا اتجاه واحد ووقفنا العربية وكملنا مشي وكل ما نمشي خطوة أحس إن المكان له هيبة غريبة.
وصلنا البيت بيت شعبي بسيط سألت الابن:
والدك فين؟ في البيت ولا في المستشفى؟
قال لي: لا يا شيخ فوق في ملحق في الدور التاني.
طلعنا السلم وبعده سلم تاني لحد ما وصلنا للملحق دخلت لقيت الراجل ممدد على سرير خشب مكان الغسل ضيق لكن نضيف فيه مكيّف وفيه نور كفاية كأن ربنا مهيّئ المكان.
بدأنا الغسل سترنا الجسد ونوّينا وكل حاجة كانت ماشية عادية لحد ما ظهرت الرقبة ساعتها وقفت لحظة مش خوف لكن استغراب.
كل مرة أحرّك جسمه الرقبة تبان أكتر أطول من الطبيعي حاجة مش مألوفة وقلت في نفسي:
سبحان الله… أكيد وراها حكاية.
خلصنا الغسل وكفناه وأنا لسه السؤال جوايا بس ما نطقتش.
قبل ما ننزل الجنازة سمعت الابن بيقول للإخوة:
روحوا المسجد الفلاني والمسجد الفلاني والمسجد الفلاني وقولوا لهم الصلاة على فلان هتكون في المسجد الكبير اللي على الشارع العام.
استغربت وقلت له:
ليه كده؟ ما تصلّوا عليه في أي مسجد قريب.
قال لي:
حضرتك ما تعرفش يا شيخ… أبويا كان.
سيب لايك وكومنت
ومتنساش تصلي على النبي ﷺ وانا هرد عليك بالتكمل
قال لي بصوت واطي كأنه خايف يسمعه حد: حضرتك ما تعرفش يا شيخ… أبويا كان سبب في إن رقاب ناس كتير “تتداس”.

بصّيت له باستغراب، فكمّل قبل ما أسأله: — أبويا زمان ما كانش إمام ولا حتى ملتزم. بالعكس… كان واحد من أكتر الناس قسوة في المنطقة.

مقالات ذات صلة

قعدنا على السلم قبل ما ننزل، وكأن الكلام محتاج مكان أوسع من صدورنا.

قال: — من تلاتين سنة، كان مسؤول كبير في جمعية وأراضي. الناس الغلابة كانت تيجي له عشان توقيع أو حق، وهو كان يلوّي رقابهم… مش بالضرب، لا، بالذل.
يرفض، يأجّل، يهدد، يخلّي الراجل يرجع بيته مكسور والست تبكي والعيال تجوع.

سكت شوية وبص على باب الملحق وقال: — كل واحد كان يطلع من عنده يقول: حسبي الله ونعم الوكيل… والدعوة دي يا شيخ ما بتموتش.

قلت له: — طب وإزاي بقى إمام مسجد؟

ابتسم ابتسامة وجع: — ربنا هداه بعد ما شاف بعينه.
في يوم واحد من اللي ظلمهم، راجل كبير في السن، مسك رقبة أبويا وقال له:
أنت فاكر نفسك طويل؟ يوم ما تموت هتعرف يعني إيه رقبة تتشد.
وسابه ومشي.

من اليوم ده… أبويا ابتدى يتغيّر.
ساب المنصب، باع كل حاجة مش واثق فيها، حفظ قرآن، وبقى إمام.
بس… الرقبة يا شيخ.

قرب مني وقال بصوت أوطى: — من عشر سنين، الرقبة ابتدت تطول وهو عايش.
كان يحط شال، يلبس جلابيب واسعة، وما يسيبش حد يقرب.
كان كل ما ييجي الليل يصحى مفزوع ويحط إيده على رقبته ويقول:
يا رب سامحني… يا رب ما تفضحنيش.

نزلنا الجنازة.
ولما اتحط في النعش، شفتها تاني… الرقبة أطول من الأول.
مش منظر يخوّف… منظر يوجع.

وفي المسجد الكبير، الإمام قبل الصلاة قال كلمة: — الميت ده له ماضي، بس له توبة. واللي له حق عنده يدعيله مش عليه.

بعد الدفن، وأنا ماشي، فضلت أفكر في الرقبة.
وساعتها فهمت.

مش كل العقاب بيبقى نار.
في عقاب بيبقى علامة…
علامة إن اللي لوّى رقاب الناس في الدنيا،
رقبته تفضل شاهدة عليه…
لحد آخر لحظة.

ومن يومها، كل ما أشوف حد متسلّط أو ظالم،
أفتكر الرقبة دي…
وأقول في سري:
ربنا طويل باله… بس مش ناسي.ة

زر الذهاب إلى الأعلى