
“ولو ده هيخلّي حد يزعل… فزعل العالم أهون من إني أظلم مراتي.”
ساعتها… ناهد غمضت عينيها، كأنها كانت مستنية الجملة دي من سنين.
-
تريند قاع الهامورمنذ يومين
-
امجد يوسفمنذ يومين
-
اختي يوم فرحيمنذ يومين
وأحمد نزل عينه في الأرض ومشي من الأوىضة من غير كلمة.
أمي قعدت على الكرسي وانهارت:
“إنت كىسرتني يا محمود…”
بس أنا كنت أول مرة مش شايف نفسي بكىسرها… أنا كنت بشيل ظلم كان هيدىفىن بيت كامل.
مسكت إيد ناهد وقلت لها:
“يلا… ندخل بيتنا.”
وخطينا أول خطوة جوه الشىقة…
مش كأننا بنبدأ حياة جديدة…
لكن كأننا بنسترد حياة اتسىرقت قبل ما تبدأ.دخلنا الشقة…
بس المرة دي مكنش دخول فرحة كاملة… كان دخول مثقل بوجع لسه واقف برّه على باب البيت.
ناهد كانت ماشيه جنبي بخطوات هادية، كأنها مش مصدقة إن المكان ده أخيرًا بقى ليها… وبنفس الوقت خايفة تفرح.
وقفت في نص الصالة، بصّت حوالينها وقالت بصوت واطي:
“هو ده بيتنا بجد يا محمود؟ ولا هنصحى تاني على كابوس؟”
قربت منها وقلت:
“ده بيتنا… ومحدش يقدر ياخده مننا تاني.”
بس حتى وأنا بقولها، كنت حاسس إن في حاجة مكسورة لسه في الهوا.
برا الشقة… صوت باب بيت العيلة اتقفل بعنف.
أمي كانت ماشية في الطرقة وهي بتعيط وبتدعي عليّا تارة وتترجاني تارة، وأحمد واقف مش عارف يروح فين.
عدّى يومين… مفيش حد فيهم كلمني.
ولا سلام… ولا عتاب.
بس اللي اتغير إن الهدوء بقى تقيل… تقيل لدرجة إنه بيخنق.
في اليوم التالت، وأنا قاعد مع ناهد في الشىقة الجديدة، لقيت خبط على الباب.
فتحت…
لقيت أحمد.
بس مش أحمد اللي أعرفه.
وشه مرهق، عينيه حمرا، وصوته مكسور:
“محمود… أنا جاي أتكلم مش أطلب حاجة.”
سكت لحظة وبص جوه الشىقة كأنه بيقيس المسافة بين حياته وحياتنا.
وبعدين قال:
“أنا عرفت كل حاجة… عرفت إنك سافرت مكاني، وسددت الفيزا، وشقيت… وأنا كنت فاكر الموضوع بسيط.”
بلع ريقه وقال الجملة اللي قلبت الموازين:
“وأنا مش جاي آخد الشىقة… أنا جاي أعتذر.”
سكت البيت كله تاني… بس المرة دي سكوت مختلف.
ناهد قربت منّي من غير ما تتكلم.
وأنا واقف قدامه مش عارف أرد.
فكمل أحمد:
“وأمي… ضغطت عليكوا، وأنا كنت ساكت… وده غلطي أنا قبل ما يكون غلطها.”
ساعتها حسيت إن الحمل اللي على صدري بدأ يخف شوية… بس مش كله.
قلت له بهدوء:
“أنا ما خسرتكش… أنا بس كنت بحاول ما أخسرش بيتي.”
أحمد هز راسه وقال:
“وأنا مش عايز أكون سبب خسارة بيتك.”
وساعتها بصّ لناهد وقال:
“ربنا يبارك لكم فيه… لأنه اتبني بتعب مش أي حد يستحمله.”
ومشي.
أول ما الباب اتقفل، ناهد قعدت على الكرسي وعيطت…
بس المرة دي عياط مختلف.
عياط تعب سنين وهو بينفك.
قربت منها، وقلت:
“خلصنا؟”
هزت راسها:
“لأ… لسه بنبدأ.”
وفي اللحظة دي بس… حسيت إن البيت ده، لأول مرة، بقى بيتنا إحنا فعلاً… مش ساحة معركة حد يقدر ياخده بكلمة.عدّت الأيام بعد زيارة أحمد… بس الهدوء اللي جه بعده ما كانش راحة كاملة، كان شبه سكون قبل ما الجىرىح يقفل ببطء.
أمي ما ظهرتش خالص.
ولا اتصلت، ولا بعتت حد، وكأنها قررت تقاطع البيت كله مرة واحدة.
في الأول، كنت فاكر إن ده هيخليني أرتاح…
بس العكس هو اللي حصل.
كل ليلة كنت بقعد في الصالة، أسمع صوت نفسي بس، وأفكر:
“هل أنا كسبت بيتي وخىسرت أمي؟”
ناهد كانت شايفة اللي جوايا من غير ما أتكلم.
وفي ليلة هادية، قالتلي وهي بتلم هدوم العيال:
“محمود… أنت مش مكسور عشان الشىقة… أنت مكىسور عشان قلبك متقسم.”
سكت.
قربت مني وقالت:
“بس اعرف حاجة… أنا ما طلبتش منك تختار بيني وبين أمك… أنا طلبت ما نضيعش تعبنا.”
وفي نفس الليلة دي، حصل اللي ما كانش في الحسبان.
الباب خبط خبط ضعيف.
فتحت…
لقيت أمي واقفة.
مش نفس الشكل اللي كانت عليه قبل كده.
مكسورة… وشها شاحب، وعينيها فيها حاجة غريبة… خوف مش غضب.
دخلت من غير ما تتكلم، وقعدت على أول كرسي.
سكتت لحظة طويلة، وبعدين قالت بصوت مبحوح:
“أنا غلطت يا محمود.”








