
لقت ابن ملياردير مرمي في أرض جنينة عامة ومربية أطلقت سراحه وسابته في البرد.. البنت كل اللي كانت عايزاه إنها تنقذ الواد وتختفي عشان من الحكومة، بس بمجرد ما ضغطت على رقم الطوارئ في موبايل الولد واتصلت بأبوه، الدنيا كلها اتقلبت والمليار دير وصل بعربيته الفارهة، وأول ما عينه جت في عين البنت الصغيرة، انهار وبكى وقال جملة الحراس وغيرت مصير البنت دي للأبد!
الهوا البارد كان بيقطع في الجنينة زي السکينة، كان بيهز الشجر العريان ويطير الورق الناشف في الممرات الفاضية، وبيدخل من تحت جاكيت ليلى المقطع كأن البرد نفسه ليه صوابع بتنهش في عضمها. ليلى شدت كمام الجاكيت الدايبة على إيديها الصغيرين وفضلت تتحرك وموقفتش، لأن الأسابيع اللي عاشتها في شوارع القاهرة بعد ما بقت من غير أهل علمتها أهم قاعدة في وسط الحارة والشوارع؛ إياك تقف مكامك بعد ما الليل يليل.
-
زفاف ابنيمنذ 7 ساعات
-
مادة ضارة في عصير القصبمنذ 19 ساعة
-
تطورات الحالة الصحية للفنان احمد عبد العزيزمنذ 19 ساعة
-
جارة سوريةمنذ 21 ساعة
ليلى رغم إن عندها سبع سنين بس، كانت خلاص حفظت وفهمت الشارع؛ عرفت فين هويات المترو الداوية اللي بتطلع صهد دافي تنام جنبها، وعرفت أنهي مطاعم بترمى بواقي العيش والأكل قبل ما تقفل، وعرفت أنهي حواري فيها كاميرات مراقبة لازم تستخبى منها، وعرفت مين من الكبار وشه طيب بس بيسأل أسئلة كتيرة تخوف، ومين اللي بيعمل نفسه مش شايفها عشان البص للغلابة بيوجع القلب. اتعلمت تنام خفيف قوي، وتاكل بسرعة، وتخبي القرشين اللي معاها في الفردة بتاعة شرابها، وتجري بسرعة قبل ما حد من الكبار يقرر هيعمل معاها إيه أو ياخدها على فين. الشارع مكنش لسة خلاها ، بس خلاها حريصة من خيالها.
ستي الله يرحمها كانت دايماً تقول لي إن قلبي أكبر من جسمي، بس الكلام ده كان زمان.. قبل الحريقة، وقبل الدخان، وقبل دار الرعاية اللي هربت منها لأن الشارع رغم كل اللي فيه، على الأقل كان بيسيبها تختار هتقف فين ومن غير قهر. دلوقتي بطنها كانت بتوجعها من كتر الجوع وصوابعها اتجمدت ومبقتش حاسة بيها، وفضلت تلف في الجنينة الكبيرة تدور على عربية بطاطا أو غزل بنات كانت عارفاها زمان عند المدخل، بس لقت الممر فاضي والضلمة نزلت فجأة والوقت سرقها. كانت لسة بتلف ضهرها عشان ترجع تستخبى، لما سمعت الصوت ده؛ صوت عياط مكتومة، مكنش صوت قطة ولا كلب، ده كان صوت عيل صغير.
ليلى اتسمرت في مكانها، والصوت جه تاني وأضعف من الأول الحقوني… كل غريزة جواها كانت بتصرخ فيها إنها متتبعش الصوت ده وتجري؛ المشاكل في الشارع ليها أصوات، ساعات بتبقى على شكل عياط وساعات بتبقى على شكل حد محتاج مساعدة والمساعدة دي بتبقى فخ، بس الصوت طلع تالت وكان مش قادر… ليلى اتسحبت بخطوات بطيئة ناحية بلاعة صرف كبيرة في طرف الجنينة، وهناك لقت ؛
ولد في نفس سنها تقريباً مرمي على الأرض الساقعة، والعكازين الحديد بتوعه مراميين على بعد خطوات منه، والجاكيت الغالي اللي لابه متمرمغ في الطين والتراب، ووشه أبيض زي الليمونة ومبلول من الدموع، ورجليه كانت متنية بزاوية غريبة.. مكنتش بس كانت عاجزة ومش بتتحرك بطريقة ليلى مِفهمتهاش في الأول. الولد أول ما شافها همس وخوف أرجوكي… ليلى قربت منه براحة وعينها بتلف حوالين الشجر والممرات والضلمة يكون حد مستخبي ليها، الولد كان باين عليه الغنى والعز، مش
الغنى العادي.. لأ، غنى من النوع اللي ليلى عمرها ما شافته غير من ورا إزاز المحلات الكبيرة؛ جاكيت ماركة غالية، جزمة أوريجينال، قصة شعر مظبوطة ومبلولة من العرق، وموبايل في جيبه تمنه يجيب شقة كاملة. بس بيبقى شكله واحد على العيال الأغنياء والفقراء، مفيش فرق. قعدت على ركبها جنبه وقالت له أنا ليلى.. إيه اللي جابك هنا وحصل لك إيه؟. الولد سنانه كانت بتخبط في بعضها من التلج وقال أنا سليم.. سليم الهواري.. وقعت، ورجلي مش راضية تتحرك ومش عارف أقوم. ليلى بصت على العكازين وسألته أنت قاعد هنا بقالك قد إيه؟. وشه اتكرمش وعيط من الصبح. من الصبح؟! والناس اللي معاك فين؟.
سليم صوته اتقطع من العياط المربية اللي معايا سابتني.. قالت لي هجيب حاجة وجاية علطول ومجتش. ليلى بحلقت فيه ومش مصدقة؛ الشمس خلاص غابت تماماً والجو بقى تلج، وشفايف الولد بقت زرقا وإيديه بترتعش لدرجة إنه مش قادر يحرك صوابعه. سألوه وأهلك فين؟. سليم قال وهو بابا في الشغل.. الموبايل في جيبي بس مش عارف أطلعه، إيديا سقعانة ومش حاسس بيها. ليلى ترددت وخاڤت؛ موبايل يعني ناس كبار، وناس كبار يعني أسئلة، وأسئلة يعني شرطة وأخصائيين اجتماعيين، وده معناه إنها هترجع لدار الرعاية تاني!
بس سليم كان من السقعة ومفيش وقت. ليلى مدت إيدها في جيب الجاكيت بتاعه وطلعت الموبايل، الشاشة نورت وبقت بتبرق، وكان فيه عشرات المكالمات الفايتة مكتوب عليها بابا طوارئ. ليلى سألته أكلمه؟. سليم هز راسه بضعف وقال رقم الطوارئ.. أول واحد في القائمة. ليلى ضغطت على الاسم قبل ما يخليها تتراجع، الخط جمع ورن رنة واحدة،
وفجأة رد صوت راجل ونبرته سليم! الحمد لله يا ابني.. أنت فين؟! طمني عليك. ليلى بلعت ريقها وبصت حواليها وقالت يا فندم.. أنا اسمي ليلى، وأنا لقيت ابنك سليم مرمي في الجنينة الكبيرة، وقع ومش عارف يقوم والجو تلج عليه من السقعة. السكوت نزل على الخط لثواني، وبعدين صوت الراجل اتغير تماماً؛ بقى حاد وفيه اِحترافي مسيطر عليه قولي لي بالظبط أنتم فين في الجنينة؟.
ليلى قالت جنب بلاعة الصرف الكبيرة، وفي تمثال راجل راكب حصان مش بعيد عننا. الراجل قال بسرعة ومن غير ما يفكر أنا عرفت المكان.. أنا مسافة دقيقتين وهكون عندك، خليه صاحي وبلاش ينام.. أرجوكي!. الخط قفل، فليلى الجاكيت البسيط بتاعها وحطته فوق جسم سليم، فسليم همس بصوت ضعيف لأ.. كدة أنتِ اللي من البرد. ليلى كذبت عليه وقالت بابتسامة متخافش.. أنا واخدة على كدة. وفجأة، كشافات عربية قوية شقت الضلمة ونورت الممر، عربية رولز رويس سوداء فخمة وقفت فرملة قوية عند مدخل الجنينة، ونزل منها راجل طويل لابس بدلة غالية جداً وجري على النجيل والتراب بكل قوته سليم!.
مراد الهواري رمى نفسه على الأرض وفي الطين وجلس على ركبه، مكنش باين عليه إنه ملياردير وصاحب شركات؛ كان باين إنه أب وروحه وعالمه كله كان مرمي على الأرض ! وبعدين رفع عينه وبص لليلى اللي كانت بتلم نفسها وبترجع لورا عشان تستخبى وتختفي في الضلمة قبل ما حد يمسكها، وقبل ما تتحرك خطوة واحدة، سليم مسك في يد أبوه وهمس بصوت مبحوح بابا.. عشان خاطري بلاش تسيبها هنا في الشارع……
يا ترى مراد بيه الهواري هيعمل إيه مع البنت الغلبانة اللي
أنقذت حياة ابنه من ، وإيه السر المرعب اللي هينكشف عن المربية اللي سابت الولد في البرد ومشت، وإزاي مكالمة الطوارئ دي هتغير حياة ليلى من بنت شوارع لأهم شخص في قصر الملياردير؟ المفاجأة اللي جاية هتشقلب كل التوقعات!
الجزء الثاني
مراد الهواري كان واقف في مكانه، قلبه لسه بيدق بسرعة من اللي عاشه الساعات الأخيرة، وعينيه ما زالتا مثبتتين على ابنه اللي كان مرمي على الأرض، وشكله بيوحي إنه كان على حافة . بس كلام سليم اللي همسه بصوت ضعيف نحاه شوية عن ، وخلاه يرفع عينيه ببطء ناحية البنت الصغيرة اللي كانت واقفة على بعد خطوات، بتلف نفسها في ملابسها الممزقة، وعينيها مليانة خوف وحذر، كأنها مستعدة تجري في أي لحظة.
نظر إليها مراد، وشافها بوضوح لأول مرة جسمها الصغير نحيل، وشعرها الأشعث مبلول قليلًا من الهوا الرطب، وملابسها القديمة الممزقة بتظهر أجزاء من جلدها اللي بقي محمرًا من البرد، وعينيها الواسعتين السوداوين كانتا تلمعان ببراءة غريبة وسط كل الحذر اللي عليها. شافها ، ومن الحراس اللي بدأوا يوصلون بسرعة وراءه، ومن كل شيء حولها.








