
# العروس تتوقف فجأة بعد رؤية فستان حماتها القديم… وما قالته جعل الجميع يبكون
## الجزء الأول
-
مادة ضارة في عصير القصبمنذ 16 ساعة
-
تطورات الحالة الصحية للفنان احمد عبد العزيزمنذ 16 ساعة
-
جارة سوريةمنذ 19 ساعة
-
أحسن من الشيبسي والفشار رهيب جربوه… عمنذ 20 ساعة
وصلت **الحاجة فاطمة** إلى مكان حفل الزفاف بقلب منقبض، وهي ترتدي فستاناً أزرق قديماً، طُبعت عليه من الذكريات أكثر مما بقي فيه من قماش.
كانت تبلغ من العمر 58 عاماً، يداها خشنتان من كثرة حمل صناديق الخضار، ولديها عادة قديمة جداً: أن تجعل نفسها صغيرة وتنزوي في الأركان حتى لا تزعج أحداً بوجودها.
في ذلك الصباح، لم تكن تريد جذب الانتباه أبداً.
كل ما أرادته هو رؤية ابنها **عمر** وهو يتزوج. لا شيء غيره.
كان عمر ابنها الوحيد. ربّته بمفردها منذ ولادته، حيث كانت تبيع الطماطم، والبصل، والكوسا، والنعناع، والليمون في سوق شعبي صغير.
لطالما استيقظت في الثالثة فجراً لتأتي بالبضاعة من المزارع البعيدة.
كانت تقود سيارتها النقل القديمة وسط الضباب والبرد والحفر، ببدن متعب ويدين متيبستين من الصقيع، ولكن دائماً بفكرة واحدة ثابتة في رأسها: أن يكمل عمر تعليمه.
وقد كان. درس عمر وتخرج، ثم انتقل إلى العاصمة، وحصل على وظيفة مرموقة في شركة كبرى، وبدأ يرتدي القمصان المكوية، والأحذية اللامعة، ويستخدم كلمات منمقة لم تكن فاطمة تفهمها في كثير من الأحيان.
لكنه لم يتوقف يوماً عن مناداتها بـ “أمي” بكل فخر.
عندما عرفها على خطيبته **سارة**، شعرت فاطمة بالخوف.
كانت سارة تنتمي لعائلة ميسورة الحال؛ والدها يملك شركة مقاولات كبرى، ووالدتها طبيبة في مستشفى استثماري شهير.
كانت سارة فتاة أنيقة، متعلمة، من أولئك الفتيات اللواتي يبدو أنهن وُلدن وهن يتقنّ المشي بكعب عالٍ وبكل ثقة.
ظنت فاطمة أن سارة ستنظر إليها بتعالٍ، كبائعة خضار فقيرة من السوق.
لكن سارة لم تفعل ذلك أبداً.
كانت دائماً تحييها بكل حب ولطف.
في البداية كانت تناديها “خالتي فاطمة”، ثم بدأت تناديها “أمي فاطمة”.
وفي كل مرة كانت تسمع فيها هذه الكلمة، كانت فاطمة تشعر بشيء دافئ ومبهج يزهر في صدرها.
عندما أعلنوا عن موعد الزفاف، كان الجميع يتحدث عن قاعة الحفل، والزهور، وقائمة الطعام، والفرقة الموسيقية، وفستان الزفاف الفخم.
بينما كانت فاطمة تفكر في شيء واحد فقط: لم يكن لديها ما ترتديه.
مرت عدة مرات أمام واجهات المتاجر الراقية، ورأت فساتين بألوان مختلفة: البيج، والكحلي، والعنابي، وبعضها كان عليه تخفيضات.
كان سعر أحدها يعادل مبلغاً كبيراً بالنسبة لها. قد يكون مبلغا بسيطاً للآخرين، لكنه بالنسبة لها يعني فواتير الكهرباء، وعلاج ركبتيها، ووقود السيارة، وطعام لعدة أيام.
حينها، فتحت خزانتها القديمة وأخرجت فستانها الأزرق.
كان بسيطاً، مطرزاً بتطريز تقليدي يدوي على الصدر. كان القماش مهترئاً عند المرفقين وباهتاً قليلاً بفعل السنين.
لكنه كان الفستان الذي ارتدته يوم وُلد عمر.
وهو الفستان نفسه الذي ارتدته يوم تخرجه من الجامعة.
لم يكن أنيقاً بمقاييس الحاضرين، لكنه كان يحمل عمرها كله.
في يوم الزفاف، كانت القاعة مليئة بالزهور البيضاء، والشموع، والشرائط الحريرية الناعمة. كان المكان يفوح بعطر العود الفاخر والقهوة الدافئة.
وصل الضيوف بسياراتهم الفارهة اللامعة.
كانت النساء يرتدين فساتين ثمينة، ومجوهرات راقية، وعطوراً باهظة الثمن. والرجال يرتدون بدلات رسمية داكنة وساعات أنيقة، ويتحدثون بأصوات منخفضة.
عندما دخلت فاطمة، تصوبت نحوها بعض النظرات الناقدة، ثم بدأت الهمسات بين المدعوين:
“هل هذه هي والدة العريس؟”
“حقاً؟! هل جاءت بهذا الفستان إلى هنا؟”
“كان يجب على عمر على الأقل أن يشتري لها شيئاً يليق بالمقام…”
شعرت فاطمة بوجهها يحترق خجلاً.
شدت كم فستانها لتخفي الجزء المهترئ، ومشت بخطوات متسارعة متجهة نحو المقعد الأخير في القاعة.
جلست هناك، ملتصقة بالحائط تقريباً.
قررت في نفسها ألا تذهب إلى مأدبة العشاء؛ ستشاهد مراسم عقد القران، تصفق لابنها في صمت، ثم تغادر قبل أن يضطر أحد لخجل من جلوسها على الطاولة الرئيسية.
توقفت الموسيقى، ووقف الجميع احتراماً.
فُتحت الأبواب الكبيرة.
ظهرت سارة بفستان الزفاف الأبيض كالملاك، مشعة بالنور، وهي تمسك بذراع والدها.
تقدمت في الممر المغطى بورود البيضاء.
لكن في منتصف الطريق… توقفت العروس فجأة!
ساد الارتباك والفضول في القاعة بأكملها.
لم تكن سارة تنظر إلى منصة العرس، ولم تكن تنظر إلى عريسها عمر.
بل كانت تنظر مباشرة نحو المقعد الأخير… نحو الحاجة فاطمة.
طأطأت فاطمة رأسها بسرعة، ظناً منها أن فستانها القديم قد سبب حرجاً لعروس ابنها في أهم يوم في حياتها.
تركت سارة ذراع والدها فجأة.
تصاعدت الهمسات والشهقات في القاعة.
وبدأت العروس تمشي بخطوات ثابتة إلى الخلف، متجهة مباشرة نحو المرأة ذات الفستان الأزرق الباهت.
وقفت فاطمة على قدميها وهي ترتجف من شدة الارتباك، وقالت بصوت متهدج:
— “سارة، يا ابنتي.. سامحيني إذا كان فستاني هذا قد…”
لم تستطع إكمال كلماتها.
أمسكت سارة بيدي فاطمة الخشنتين، وضغطت عليهما بقوة وضمتها إلى صدرها، وعيناها تفيضان بالدموع، ثم سألتها سؤالاً بصوت مسموع قطع الأنفاس وجعل القاعة بأكملها تبكي:
— “أمي فاطمة… هل هذا هو الفستان نفسه الذي كنتِ ترتدينه يوم وُلد عمر؟”
## الجزء الثاني
شعرت فاطمة وكأن الأرض تميل من تحتها.
لثانية واحدة، تمنت لو تنكر وتقول لا. تمنت لو تقول إنه مجرد فستان عادي، قطيفة قديمة أخرجتها من قاع الخزانة لأنها لم تكن تملك المال لغيره.
لكن الحقيقة كانت ترتجف بالفعل في عينيها.
أومأت برأسها ببطء.
وهمست: “نعم يا ابنتي.. بهذا الفستان استقبلته لأول مرة بين ذراعي.”
خيم الصمت على القاعة بأكملها، حتى المصور خفض كاميرته.
نظرت سارة إلى التطريز الأزرق بتناغم وحنان لم يتوقعه أحد، ثم سألت مجدداً:
“وهل ارتديته أيضاً يوم تخرج عمر؟”
ابتلعت فاطمة ريقها ونظرت نحو منصة العرس.
كان عمر واقفاً هناك، عيناه حمراوان، يداه مضمومتان، وفمه مشدود، وكأنه عاد فجأة ذلك الطفل الذي كان ينام فوق الدفاتر بينما تعد أمه القروش.
أجابت فاطمة: “نعم، في ذلك اليوم أيضاً.”
أغلقت سارة عينيها لبرهة، وعندما فتحتهما، سالت دمعة على خدها.
ثم التفتت نحو جميع الضيوف وقالت بصوت ثابت وقوي:
“اليوم جاء الجميع لرؤية فستان زفاف.. لكنني عثرت للتو على الفستان الأكثر أهمية في هذا الحفل بالكامل.”
لم يتحرك أحد من مكانه. وأرادت فاطمة أن تختبئ، لكن سارة لم تترك يديها.
وتابعت سارة: “هذا الفستان الأزرق ليس قديماً.. هذا الفستان هو أول غطاء حب واحتضان حظي به الرجل الذي سأتزوجه اليوم. إنه فستان أم كانت تستيقظ في الثالثة فجراً لسنوات طويلة حتى يصل ابنها إلى هذه المنصة الليلة.”
سُمع صوت نحيب من أحد المقاعد، ثم تبعه آخر.
وضعت الدكتورة فريدة، والدة سارة، يدها على فمها متأثرة، وخفض المهندس شريف، والدها، نظراته.
مشى عمر خطوة بخطوة قادماً من المنصة، ولم يوقفه أحد. وعندما وصل أمام والدته فاطمة، جثا على ركبتيه.
وقال بصوت مكسور: “أمي.. سامحيني.”
رمشت فاطمة بعينيها مرتبكة: “أسامحك على ماذا يا ولدي؟”
بكى عمر دون خجل وقال: “لأنني لم أسألكِ إن كنتِ بحاجة لشيء. لأنني استغرقت في العمل، في الزفاف، في القاعة، في الزهور.. ولم أفكر في أنكِ تستحقين أيضاً أن تأتي إلى هنا وأنتِ تشعرين بأنكِ أجمل امرأة.”
لمست فاطمة وجهه وقالت: “لا تقل هذا.. أنت لا تدين لي بشيء.”
هز عمر رأسه رفضا: “بل أدين لكِ.. أدين لكِ بكل شيء.”
حينها، فعلت سارة شيئاً لم يتخيله أحد؛ خلعت طرحة زفافها البيضاء بعناية ووضعتها على كتفي فاطمة. انسدل الدانتيل الأبيض فوق الفستان الأزرق المهترئ وكأنه كان ينتمي إليه دائماً.
انفجرت القاعة بالبكاء.
نظرت سارة إلى والدها وقالت: “أبي، سامحني.”
اقترب والدها مندهشاً: “لماذا يا ابنتي؟”
“لأنني لن أمشي معك بمفردي نحو المنصة.”
تغيرت ملامح الرجل لثانية، لكن سارة ابتسمت وسط دموعها وقالت: “أريد أن أمشي معكما أنتم الاثنين. معك لأنك منحتني الحياة، ومع أمي فاطمة لأنها صنعت الرجل الذي سأشارك حياتي معه.”
نظر والد سارة إلى فاطمة؛ نظر إلى حذائها البسيط، يديها اللتين أضناهما العمل، وفستانها المتواضع، ثم أحنى رأسه احتراماً وقال: “حاجّة فاطمة.. سيكون شرفاً كبيراً لي أن أمشي بجانبكِ.”
لم تعد فاطمة قادرة على الكلام، واكتفت بالبكاء.
أمسكت بها سارة من ذراعها اليسرى، ووقف والد سارة على يمينها، وعادت الموسيقى لتعزف من جديد.
مشى الثلاثة نحو المنصة. وكانت كل خطوة بمثابة نزع شوكة قديمة من قلب فاطمة.
لم تعد النظرات تحرقها، لم تعد نظرات سخرية.. بل كانت نظرات احترام وتبجيل.
عندما وصلوا، عانق عمر والدته لثوانٍ طويلة، وهمس في أذنها: “أمي.. اجلسي في الصف الأول. هذا المكان كان يجب أن يكون لكِ دائماً.”
كان الصف الأول محجوزاً لأقارب سارة، لكن والدة سارة نهضت على الفور وقالت: “تفضلي يا حاجّة فاطمة.. أرجوكِ.”
ثم نهضت الخالات والعمات والنساء الأنيقات اللواتي كن يتهامسن من قبل. إحداهن، وكانت ترتدي عقداً من اللؤلؤ، أمسكت بيدها وقالت بصوت منخفض: “سامحيني.. لقد تحدثت دون أن أعلم الحقيقة.”
لم تجبها فاطمة؛ فأحياناً الاعتذار لا يمحو الجرح، لكنه يمنعه من الاستمرار في النزيف.
جلست في الصف الأول، ومن هناك شاهدت ابنها يتزوج.
عندما حان وقت تبادل العهود، أخرج عمر ورقة. ظن الجميع أنه سيتحدث لسارة فقط، لكنه نظر إلى والدته أولاً وقال:
“قبل أن أعد زوجتي بأي شيء، أحتاج أن أكرم أول امرأة علمتني معنى الحب.”
غطت فاطمة فمها بيديها. وتفس عمر الصعداء وتابع:
“أمي لم تكن تملك المال، ولا بيتاً ملكاً لها، ولا زوجاً يعينها.. لكنها كانت تملك يدين، وإيماناً عظيماً، وحباً لم ينكسر قط. علمتني أن البيت لا يتكون دائماً من جدران جميلة؛ أحياناً يكون البيت عبارة عن امرأة متعبة تخبئ أفضل لقمة لابنها وتقول إنها ليست جائعة.”
بكى الكثير من الحاضرين.
“اليوم أفهم أن أول بيت عشته لم يكن جدراناً.. بل كان أمي.”
كانت سارة تبكي وهي ممسكة بيده. طوى عمر الورقة ونظر إليها قائلاً: “وأنتِ يا سارة، أعدكِ ألا أخجل يوماً من جذوري. وأعدكِ أن أحمي ما بيننا كما حمت أمي حياتي: بالعمل، والصبر، والكرامة.”
لم تخرج سارة ورقة، بل أمسكت بيدي عمر وتحدثت من قلبها:
“أنا لا أتزوجك أنت فقط، أنا أتزوج قصتك.. أتزوج استيقاظك فجراً في السوق، وتضحيات أمي فاطمة، وكل قرش عدّته لتدرس. وأعدكِ أمام الجميع: لن أسمح أبداً للمرأة التي جعلت منك رجلاً عظيماً أن تجلس في الخلف ظانة أنها لا تستحق أن تُرى.”
اضطر المأذون للانتظار قليلاً حتى تهدأ المشاعر. وعندما قال عمر وسارة “نعم”، ضجت القاعة بالتصفيق الحار، وفي الخارج بدأت الفرقة الموسيقية تعزف فرحاً.
في الحفل، أرادت فاطمة الجلوس قرب المخرج كعادتها، لكن عمر أوقفها: “لا يا أمي.. مكانكِ هناك”، وأشار إلى الطاولة الرئيسية.
شعرت فاطمة بالارتباك: “لا يا بني.. سيقول الناس…”
فظهرت سارة بجانبها وقالت: “فليقولوا ما يشاءون. منذ اليوم، من يريد القرب منا يجب أن يعرف كيف يحترمكِ أولاً.”
أخذوها إلى الطاولة الرئيسية، وأمام طبقها كانت هناك بطاقة مكتوبة بخط اليد: “أمي فاطمة.. جذور هذه العائلة.”
لم تستطع فاطمة تناول الطعام لعدة دقائق من شدة التأثر.
لاحقاً، أخذ والد سارة المذياع (الميكروفون). توقع الجميع خطبة أنيقة عن ابنته والمستقبل، لكنه نظر إلى فاطمة وقال: “هذا الصباح ظننت أنني جئت لأعطي ابنتي.. لكنني انتهيت بتلقي درس في الحياة.”
ساد الهدوء في الصالة.
وتابع: “لطالما اعتقدت لسنوات أن النجاح يُقاس بالعقود، والمباني، وأسماء العائلات. اليوم رأيت امرأة تدخل بفستان مهترئ وفهمت أن هناك أقمشة تساوي أكثر من أي حرير في العالم. بعض الأشياء لا تُشترى.. بل تُكتسب بالعمر والحياة.”
رفع كأسه وقال: “تحية للحاجّة فاطمة. للأمهات اللواتي يحملن الصناديق، والديون، والأبناء، والأحزان، ومع ذلك يصلن برؤوس مرفوعة ونظيفة. شكراً لأنكِ ربّيتِ الرجل الذي اختارته ابنتي اليوم.”
رفع الجميع كؤوسهم وهتفوا: “تحية للحاجّة فاطمة!”
وفاطمة، التي حاولت طوال حياتها ألا تشغل مساحة كبيرة، شعرت لأول مرة أن الله لم يخلقها صغيرة أبداً.. ربما كان ينتظر اليوم المناسب فقط ليضعها في المقدمة.
بعد ذلك، عادت سارة بصندوق أبيض يلفه شريط أزرق، وقالت: “هذا ليس ليعوض فستانكِ.. فذلك الفستان لا يعوض.”
كان بداخل الصندوق قماش أزرق داكن فاخر، مطرز يدوياً بعناية، وإلى جانبه رسالة مؤطرة: “لكي يعلم أطفالنا مستقبلاً أنهم ولدوا في عائلة لم يخجل فيها الحب يوماً من جذوره.”
لم تفهم فاطمة في البداية، فجثت سارة على ركبتيها أمامها دون أن تهتم بفستان زفافها الأبيض وقالت: “نريد ترميم فستانكِ الأزرق، وحمايته للحفاظ عليه. ومن هذا القماش الجديد، إن قبلتِ، سنصنع غطاءً لأول حفيد أو حفيدة يأتينا يوماً ما.”
جثا عمر أيضاً وقال: “عندما يأتي ذلك اليوم، أريد أن يعرف طفلي من أين أتى.”
عانقتهما فاطمة معاً، عِناق من يضم حصاده بعد سنوات من الجفاف.
في تلك الليلة رقصت مع عمر؛ كانت ركبتها تؤلمها وتخجل من الحركة تحت كل هذه الأنظار، لكن ابنها أمسك بيدها وقال: “ارقصي معي يا أمي.”
— “سأدوس على حذائك.”
فابتسم عمر باكياً: “لقد دستِ على حياتكِ كلها لكي أتمكن أنا من المشي.. لا يهم الحذاء.”
ورقصا.. وكان الفستان الأزرق يتحرك ببطء تحت أضواء القاعة؛ قديماً، مهترئاً، وعزيزاً.
بعد أسابيع، وصل عمر وسارة إلى السوق قبل الفجر، يحملان القهوة الدافئة والفطائر. كانت فاطمة تنزل صناديق الخضار فستغربت: “ماذا تفعلان هنا في هذا الوقت المبكر؟”
شمّر عمر عن كمي قميصه وقال: “جئنا لنعمل.”
ضحكت فاطمة: “ستتّسخ ملابسك.”
فأجاب: “إذن فلتتّسخ.. ما كان يجب أن أنسى يوماً من أين خرجت حياتي.”
أمسكت سارة بصندوق صغير وقالت: “وأنا سأبدأ بهذا، فلن أدّعي القوة.”
ضحك الثلاثة، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، لم ترتب فاطمة بضاعتها بمفردها؛ عمر يرتب الطماطم، وسارة تنسق حزم النعناع والليمون. ونظرت فاطمة إليهما وكأن الحياة ترد لها شيئاً لم تجرؤ يوماً على طلبه.
بعد أشهر، قاموا بتجديد دكانها الصغير؛ لم يجعلوه فاخراً، بل وضعوا له سقفاً متيناً، طاولة جديدة، مقعداً مريحاً، ولافتة مرسومة باليد: “خضروات الحاجّة فاطمة.. من قبل الفجر، وبكل حب.”
بكت فاطمة عندما رأتها وقالت: “سأبدو متباهية.”
فعانقها عمر: “لا يا أمي.. ستبدين على حقيقتكِ فقط.”
مرت ثلاث سنوات.. وتم ترميم الفستان الأزرق بعناية ووضعه في صندوق زجاجي في منزل عمر وسارة. وبداخله وُضعت ثلاث صور: عمر حديث الولادة، يوم تخرجه، ويوم الزفاف تزامناً مع إمساك سارة بيد والدته في مؤخرة القاعة.
وكلما سأل ضيف عن الفستان، لم يكن عمر يقول “فستان أمي القديم”، بل كان يقول دائماً: “الفستان الذي سند حياتي.”
وفي بعد ظهر يوم من أيام يوليو، اتصلت سارة بفاطمة وصوتها يرتجف: “أمي فاطمة.. هل يمكنكِ الحضور إلى المنزل؟”
شعرت فاطمة بالخوف: “هل حدث شيء؟”
فبكت سارة فرحاً: “نعم.. شيء جميل جداً.”
عندما وصلت، فتح عمر الباب وعيناه تملأهما دموع الفرح. كانت سارة تجلس على الأريكة واضعة يدها على بطنها، وعلى الطاولة كانت هناك صورة أشعة التلفزيونية (السونار)، وتحليل الحمل، والغطاء الأزرق المطرز المصنوع من قماش الزفاف.
وضعت فاطمة يديها على صدرها: “لا تقولوا لي…”
ابتسم عمر: “ستصبحين جدة يا أمي.”
جثت فاطمة أمام سارة ووضعت يديها على بطنها وهمست: “مرحباً يا ملاكي الصغير.. أنا جدتكِ فاطمة.”
داعبت سارة شعرها وقالت: “نريد أن نطلب منكِ شيئاً.”
— “أي شيء تطلبونه.”
قال عمر: “إذا كانت طفلة، نريد أن نسميها فاطمة.”
اخترق الاسم قلبها كالنور: “باسمي؟”
وابتسمت سارة: “باسمكِ.. لتكون اسم جذور هذه العائلة.”
بعد أشهر وُلدت طفلة صغيرة، حمراء الوجنتين، ممتلئة بالصحة. وعندما سلمتها الممرضة، نظرت سارة إلى فاطمة وقالت: “أمي فاطمة.. هل يمكنكِ لفّها أنتِ؟” وأعطتها الغطاء الأزرق.
لفت فاطمة حفيدتها بيدين ترتجفان، ولثانية واحدة عادت لترى نفسها شابة، وحيدة، وخائفة، ممسكة بعمر حديث الولادة بين ذراعيها وبنفس الفستان الأزرق على جسدها. لكن هذه المرة لم تكن وحيدة؛ كان هناك ابنها، زوجة ابنها، حفيدتها، وعائلتها.
بعد سنوات، أخذت الفتاة الصغيرة “فاطمة” إلى المدرسة قطعة صغيرة من ذلك التطريز الأزرق الذي احتفظت به الخياطة. وقفت أمام زملائها في الصف وقالت: “هذا جزء من فستان جدتي. كانت تبيع الخضار وربّت والدي بمفردها. في زفاف والديّ، ظن البعض أن فستانها سيئ لأنه قديم، لكن أمي قالت إنه الفستان الأكثر أهمية. تقول جدتي إن المرء لا يجب أن يختبئ عندما يكون قد أحب كثيراً.”
عندما أرسل عمر الفيديو إلى والدته فاطمة، بكت وهي جالسة بجانب صناديق الطماطم. ومنذ ذلك الحين، بدأت الكثير من نساء السوق يأتين إليها ليحكين لها همومهن؛ أمهات عازبات، جدات متعبات، ونساء يشعرن أن لا أحد يرى تضحياتهن.
كانت فاطمة تصب لهن الشاي وتقول: “لا تجعلن أنفسكن صغيرات ليرتاح الآخرون.. أنتِ أيضاً تستحقين الجلوس في الصف الأول.”
لم تصبح غنية أبداً، ولم تترك السوق تماماً؛ ظلت رائحتها تفوح بالنعناع، الأرض الرطبة، والفجر. لكنها لم تعد تعمل بدافع الخوف، بل تعمل بفخر.. لأنها أدركت أن ذلك الفستان الأزرق لم يكن يوماً دليلاً على الفقر، بل كان دليلاً على الحب.
والحب الحقيقي قد يكون قماشه مهترئاً، وأطرافه متعبة، وخياطته مصلحة.. لكنه لا يفقد كرامته أبداً.
منذ ذلك الزفاف، كلما سمعت فاطمة أجراس الفرح، تذكرت سارة وهي تتوقف في منتصف الممر، وتذكرت صوتها وهي تسأل: “هل هذا هو الفستان نفسه الذي كنتِ ترتدينه يوم وُلد عمر؟”
فتبتسم.. لأن ذلك السؤال لم يغير زفافاً فحسب، بل أعاد لها المكانة التي سلبتها من نفسها. وعلمها أن الأم لا يجب أن تجلس في الخلف، عندما يكون حبها هو المنصة التي تعلم منها الابن كيف يعيش.
وإذا سألها شخص ما عن اليوم الأسعد في حياتها، لم تكن تقول يوم ولد عمر، رغماً عن أنه أنقذها. ولم تكن تقول يوم تخرجه، رغماً عن أن تضحياتها أزهرت فيه.. بل كانت تقول إنه اليوم الذي مشت فيه عروس ابنها، بثوبها الأبيض الناصع، نحوها في قاعة مليئة بالناس الأثناء، وأمسكت بيديها الخشنتين وجعلتها تفهم أنها لم تكن يوماً مدعاة لخجل ابنها.. بل كانت جذوره.
والجذور، وإن كانت تحت الأرض، هي التي تسند كل شيء يصل يوماً ليلامس السماء.
تمت بحمد الله








