قصص و روايات

حلق بنتي

“هذه القصة من نوع الإثارة والغموض (Thriller)، وهي عمل أدبي خيالي بالكامل ولا يمت للواقع بصلة، ولا يهدف للترويج لأي سلوك غير قانوني.” لقيت حلق بنتي في سوق الجمعة.. وتاني يوم الصبح، ضابط خبط على باب بيتي وقال جملة خلتني أقع من طولي. بنتي “هنا” كان عندها 11 سنة لما جبنالها الحلق ده، جوزي “صبري” هو اللي راسم تصميمه بنفسه، يعني مفيش منه اتنين في الدنيا. فاكرة كويس وهي بتقولي بصوت واطي: “يا ماما مش هقلعهم من ودني أبداً”.
بعدها بـ 3 أسابيع، اختفت.

اختفت وهي راجعة من درس البيانو. البوليس فضل يدور سنين.. طلعت نظريات كتير: خطڤ، تاهت في وسط البلد، فقدان ذاكرة، ومفيش أي أثر.
“خلاص بقى، كفاية عيشة في الماضي، سيبي بنتنا ترتاح”.. ده كان كلام صبري دايماً.
حاولت.. والله حاولت، بس قلبي كأم كان بيقولي إنها لسه موجودة، إحساس مبيكدبش. وفي يوم وأنا بتمشى في سوق الجمعة، فجأة لمحت “حلقها” محطوط على فرشة قديمة. ركبتي خانتني ومقدرتش أقف.
سألت الست اللي واقفة: “الحلق ده جه منين؟”
هزت كتافها بلامبالاة: “شوية حاجات طالعة من تصفية بيت، معرفش بتوع مين”.
إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكاه، ولما روحت البيت ووريته لصبري، وشه جاب ألوان، قلب أبيض وبعدها احمرّ بدمه. زعق في وشي: “إنتي إزاي تدخلي دي بيتي؟!”
اتسمرت في مكاني وقلتله: “دي حاجة هنا!”
مسك رخامة المطبخ بأعصابه كلها لحد ما مفاصل إيده بقت بيضا من الضغط وقال: “ارمي الخرا ده! هنا !”
بس هنا كانت “مفقودة” مش .
نمت في أوضة تانية، وفضلت أعيط للصبح وأنا حاضنة الحلق في إيدي، لحد ما صحيت على خبطة قوية على الباب.
لقيت ضابطين واقفين.. قلبي وقع في رجلي.
الضابط سألني بصوت هادي: “مدام نادية؟”
رديت بصوت متقطع: “أيوة.. أنا”.
بص ورايا ناحية الطرقة، كان صبري واقف بـ “الروب” بتاعه، وشه .
الضابط كمل كلامه: “الموضوع يخص الحلق اللي لقيتيه امبارح.. ويخص بنتك”.
نفسي راح.. سألته بلهفة: “لقيتوا هنا؟”
مردش عليا، فضل باصص لصبري بنظرة مرعبة، وقال بهدوء:
“يا مدام، جه الوقت اللي تعرفي فيه جوزك كان مخبي إيه طول الـ 10 سنين اللي فاتوا”.
ساد صمت جنائزي في أرجاء الشقة، صمتٌ لم يقطعه سوى صوت أنفاسي المتسارعة التي كادت . صبري، الذي كان بالأمس في وجهي لكي أرمي “” كما أسماها، كان الآن واقفاً كتمثال شمعي، وجهه بلا ملامح، وعيناه زائغتان تنظران إلى الفراغ، تحديداً إلى النقطة التي يقف عندها الضابط.
لم يقل صبري كلمة واحدة. لم يدافع عن نفسه، لم ، لم ينكر. كان ذلك السكون هو أكثر شيء أرعبني.
الضابط، الذي عرفت لاحقاً أن اسمه “عزت”، دخل إلى الشقة بخطوات واثقة، وأشار لزميله بالبقاء عند الباب. نظر إليّ بنظرة شفقة، ثم إلى صبري وقال بصوتٍ رخيم: “عشر سنين يا أستاذ صبري.. عشر سنين وأنت بتلعب دور الأب المكلوم، والزوج الصابر، في نظر الناس. بس الحلق ده.. كان غلطتك الوحيدة. غلطة اللي بيفتكر إن الزمن بيمحي كل الأثر”.
شعرت بالأرض تميد بي. أمسكت بحافة الطاولة بكل قوتي. “تتكلم عن إيه يا حضرة الظابط؟ صبري؟ جوزي؟ هو إيه اللي مخبيه؟ فين هنا؟”
لم يجِبني الضابط مباشرة، بل اقترب من خزانة الكتب في الصالون، ضغط على مكان غير مرئي في خشبها، فانزاحت المكتبة الثقيلة لتكشف عن ممر مظلم لم أكن أعلم بوجوده في بيتي طوال سنوات زواجنا. صړخت صړخة مكتومة، واندفعت نحو الممر قبل أن يمسكني الضابط برفق ويمنعني: “استني يا مدام نادية، المكان مش آمن.. ولا المشهد اللي هتشوفيه”.

مقالات ذات صلة
السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى