
أنا ورثت 35 مليون دولار من أبويا، بس قبل ما ألحق أقول لجوزي، المحامية قالت جملة خلت الډىم يجمّد في عروقي: «يا مدام، السيستم بيقول إنك مطلقة بقالك شهرين…»
— مدام نادية… السيستم مطلّع إنك مطلقة رسمياً من شهرين.
ماتحركتش ولا رمشت.
من ورا القزاز بتاع مكتب المحاماة في وسط البلد، كانت الدنيا بتشتي بطريقة تخلي الواحد يحس إن المدينة دي كلها بتتمسح من على الخريطة.
كنت لابسة فستان أسود بسيط.
ماسكاة نضارتي السوداء في إيدي.
في شنطتي كان فيه «طرحة» قديمة ماما كانت بتغطي بيها عيش أبويا في لمتنا العيلة، وفنجان قهوة صغير، أبويا كان بيشرب فيه قهوته في المكتب، لحد ما إيديه مابقتش قادرة تمسكه من غير رعشة.
أنا اسمي نادية الشامي.
جيت عشان سماع وصية أبويا، “عادل الشامي”، الراجل اللي بنى إمبراطورية لوجستيات من الصفر، وماټ قبل ما ألحق أودعه الوداع اللي يستحقه.
كنت متوقعة كلام روتيني، تعازي باردة، توقيعات، وإجراءات.
كنت ناوية أرجع بعدها على طول على مكتب شركة “نيكسا-داتا”، ستارت-أب تكنولوجي أنا وجوزي “سامر” أسسناها سوا.
بس محامية أبويا، أستاذة فيكتوريا، قالت المستحيل.
-
بأسم صديقتيمنذ 3 ساعات
-
السر المرعبمنذ 3 ساعات
-
العلامة اللي كابتن حسام عملهامنذ 6 ساعات
— مطلقة؟ قولت لها بصوت ناشف، أنا عايشة مع جوزي!
فيكتوريا رفعت عينيها من الملف، ولفّت لي الشاشة.
— في السجل المدني، ده طلاق بالتراضي. الطلب متقدم، والاتفاق مُمضى، والحكم بقى ساري بقاله شهرين.
الهوا اتحبس في صدري.
نفس اليوم الصبح، سامر كان باعت لي: «ماتنسيش الشمسية، الجو بيمطر، بحبك».
الراجل اللي فاكر يفكّرني بالمطر، كان شاطبني قانونياً من حياته.
فيكتوريا طبعت الورق.
كان فيه كل حاجة.
طلب الطلاق. التنازل عن النفقة. اتفاقية تقسيم الأملاك. إخطارات متبعتة مش لبيتنا، لأ، لمقر شركة “نيكسا-داتا”.
وفي آخر صفحة، تحت خالص… إمضتي.
مش تزوير. ده خطي. دي إيدي.
افتكرت فوراً اليوم اللي كنت فيه في المستشفى.
أبويا كان في العناية المركزة. كنت قاعدة في الطرقة بقالي 4 ساعات، عيني على الأوىضة اللي الدكاترة جواها بيتكلموا بصوت واطي.
سامر جالي ومعاه ملف جلد تقيل.
— دي أوراق مستعجلة عشان جولة التمويل، قال لي بنعومة، مضّي هنا يا حبيبتي. لو ما اتبعتتش النهاردة للبنك، الصفقة هتضيع.
— لازم أقرا كل ده؟
باسني في راسي.
— إنتِ فاكرة بجد إني ممكن أأذيكي؟
ومضيت.
من التعب. من الثقة. من العمى.
في الوقت اللي كان أبويا بېمىوت فيه ورا الحيطة.
فيكتوريا قفلت الملف بالراحة جداً.
— يا نادية، اسمعيني كويس. أبويا سابلك أملاك بـ 35 مليون دولار: سيولة، أسهم، عقارات تجارية، وحصص في شركات. بس الوصية فيها شرط حديدي: كل ده يروح لك إنتِ لوحدك، بعيد تماماً عن أي مال يخص الزوج.
بصيت لإيديها.
— عشان أنا مطلقة؟
— بالظبط، قالت فيكتوريا. سامر ما يقدرش ېلمس دولار واحد من دول.
بصيت في الأرض. أبويا، حتى وهو مېىت، كان لسه بيحميني.
ماصرختش. ماعيطتش. ماكلمتش جوزي.
لمېت الورق في شنطتي وخرجت تحت المطر.
في جراج العربيات، كلمت “مراد”، صاحب أبويا القديم اللي شغال في تحقيقات الچرائم المالية.
— محتاجك تفتش في ورا سامر، قلت له.
— بعمق قد إيه؟
بصيت على ورقة الطلاق اللي أنا مضيتها بإيدي.
— لحد العضم.
تاني يوم الساعة 3:12 دقيقة، مراد بعت لي صورة واحدة بس.
في الصورة، سامر خارج من مكتب محامي مشهور ومعاه “دينا”، مديرة الحسابات عندنا في الشركة.
كانت ماسكة ملف عليه لوجو “نيكسا-داتا”.
وفي إيديها… الخاتم اللي أنا كنت سيباه في البيت يوم ما أبويا ماټ.
زومت على الصورة.
وراهم كان باين الموثق وهو خارج، وفي إيده ورق مكتوب عليه عنوان بخط عريض:
«نقل حصة المؤسس».
عادت نادية إلى منزلها، البيت الذي كان يغصّ بذكرياتها مع سامر، والآن صار يشبه القپر البارد. دخلت، كان سامر جالساً في الصالون، يرتشف قهوته ويطالع جهاز “اللابتوب”. رفع رأسه بابتسامة متكلفة، تلك الابتسامة التي كانت يوماً ما مبعث أمانها، فصارت الآن تشعرها بالغثيان.
— “تأخرتِ يا حبيبتي، كيف كان لقاء المحامية؟” سأل بنبرة هادئة، بينما كان يغلق شاشة الجهاز بسرعة غير مبررة.
نظرت نادية إلى الخاتم في إصبع دينا في الصورة التي أرسلها مراد، ثم نظرت إلى يد سامر التي لم يعد فيها خاتم زواجهما. لم ټنفجر. لم تصرخ. لقد ماټت نادية الشامي القديمة في مكتب فيكتوريا، وولدت مكانها امرأة لا تعرف الرحمة.
— “كانت إجراءات روتينية، يا سامر. والدي كان يحب التفاصيل المملة،” أجابت بصوت جامد كالصخر.








